إسرائيل تريد من الجيش تفتيش المنازل: حزب الله يعدّل أساليبه

المدن - سياسةالخميس 2026/09/03
Image-1763585373
حزب الله لم يعلن رسميًا مسؤوليته عن المسيرتين. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تضع إسرائيل الجيش اللبناني أمام معادلة ضاغطة في الجنوب، تقوم على توسيع نطاق عمليات التفتيش لتشمل المنازل والمنشآت الخاصة، والخضوع لآلية رقابة لم تُحسم طبيعتها بعد، مقابل ربط انسحاب القوات الإسرائيلية بمدى ما تعتبره تل أبيب "اكتمالًا" لنزع السلاح. وبالتوازي، ترسم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية صورة جديدة لأسلوب عمل حزب الله، تتحدث فيها عن انتقال تدريجي من خطط الاقتحام الواسعة إلى حرب خلايا صغيرة وكمائن ومسيّرات مفخخة وعبوات ناسفة.

وبذلك، لا تبدو القراءة الإسرائيلية مقتصرة على مراقبة تنفيذ "الخطة التجريبية" جنوب الليطاني، بل تتوسع إلى محاولة فرض تعريف إسرائيلي لما يجب على الجيش اللبناني القيام به، وللمعايير التي تسمح بانسحاب القوات الإسرائيلية، في وقت تستعد فيه تل أبيب، وفق تقديراتها، لجولة مواجهة مختلفة مع حزب الله.

 

"الخطة التجريبية" لا تتقدّم كما تريد إسرائيل

وكشف تقرير للصحافي إليشاع بن كيمون في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنّ ما يُعرف بـ"الخطة التجريبية"، التي يُفترض أن تمهّد لنزع سلاح المجموعات غير التابعة للدولة جنوب الليطاني، ونقل السيطرة إلى الجيش اللبناني، ثمّ انسحاب القوات الإسرائيلية، "لا تتقدّم كما كان متوقّعًا".

وادّعت مصادر أمنية إسرائيلية أنّ الجيش اللبناني يواجه ما وصفته بـ"قيود قانونية" تمنع عناصره من تفتيش المنازل والمنشآت الخاصة داخل القرى من دون مسوّغ أو إذن قضائي، ما يدفعه إلى حصر جزء من عملياته في الأراضي المفتوحة والأماكن العامة.

لكنّ هذه الرواية تفتح بابًا أبعد من مسألة التفتيش نفسها، لأنّها تنقل الخلاف إلى صلب السيادة اللبنانية: هل تريد إسرائيل من الجيش اللبناني دخول منازل اللبنانيين استنادًا إلى معلومات استخبارية تقدّمها هي؟ ومن يحدّد أصلًا أنّ منزلًا أو منشأة مدنية تحتوي على بنية عسكرية؟ وهل تحتفظ إسرائيل بحق رفض نتائج عمليات الجيش، ثمّ استخدام هذا الرفض ذريعة لتأخير انسحابها؟

 

من يراقب الجيش اللبناني؟

ووفق النص العلني لـ"الإطار الثلاثي"، يُفترض أن ينتشر الجيش اللبناني في مناطق تجريبية، وينزع سلاح المجموعات غير التابعة للدولة ويفكّك بنيتها العسكرية بصورة قابلة للتحقّق، على أن تعمل الولايات المتحدة مع لبنان وإسرائيل لدعم عملية التحقّق.

لكنّ النص المنشور لا يمنح إسرائيل سلطة مباشرة على الجيش اللبناني، ولا ينصّ على حقها في فرض عمليات مداهمة داخل الأملاك الخاصة أو تحديد الوسائل التنفيذية التي ينبغي للمؤسسة العسكرية اعتمادها.

وهنا تظهر العقدة الأساسية التي كشفت عنها "يديعوت أحرونوت": لا يزال الخلاف قائمًا حول هوية الجهة التي ستتولى مراقبة أداء الجيش، والمعايير التي ستعتمدها، وما الذي ينبغي اعتباره "إنجازًا كافيًا" يسمح لإسرائيل ببدء الانسحاب.

وأشارت الصحيفة إلى اقتراح سابق بإسناد مهمة الرقابة إلى قوات إيطالية، إلا أنّ هذه الصيغة لم تدخل حيّز التنفيذ.

 

الانسحاب يتحوّل إلى ورقة ضغط

تكمن خطورة الطرح الإسرائيلي في أنّه قد يحوّل الانسحاب من التزام يفترض تنفيذه ضمن مسار متبادل إلى ورقة ضغط مفتوحة، مرتبطة بتقييم تل أبيب وحدها لأداء الجيش اللبناني.

فإذا احتفظت إسرائيل بحق إعلان أنّ عمليات التفتيش أو نزع السلاح "غير مكتملة"، يمكنها، نظريًا، الإبقاء على وجودها العسكري أو تأخير الانسحاب، حتى لو نفّذت الدولة اللبنانية ما تسمح به قوانينها وصلاحيات مؤسساتها.

وهنا يصبح السؤال سياسيًا أكثر منه تقنيًا. فالمطلوب من لبنان، وفق هذا المنطق، لا يعود مجرد بسط سلطة الدولة جنوبًا، بل إقناع إسرائيل بأنّ هذه السلطة تُمارس بالطريقة التي تراها هي كافية.

وهذا تحديدًا ما يمكن أن يحوّل آلية التحقّق من أداة لضمان تنفيذ متبادل إلى وسيلة تجعل الانسحاب الإسرائيلي مرهونًا بشروط متحرّكة لا يملك لبنان وحده تحديد سقفها.

ولا تزال هذه الشروط، حتى الآن، واردة في تقرير يستند إلى مصادر أمنية إسرائيلية، من دون وثيقة تنفيذية منشورة تثبتها، أو موقف لبناني رسمي يوضّح ما إذا كانت قد طُرحت فعلًا على طاولة المفاوضات.

 

إسرائيل ترصد تحوّلًا في أسلوب حزب الله

وفي موازاة الضغط على الجيش، تقدّم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قراءة ميدانية جديدة لأسلوب عمل حزب الله، تقوم على افتراض أنّ الحزب بدأ التكيّف مع الضربات التي استهدفت بنيته الهجومية.

وبحسب تقرير آخر لبن كيمون في موقع "واينت"، ترى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أنّ الحزب ينتقل تدريجيًا من خطط الاقتحام الواسعة والتشكيلات الكبيرة إلى نموذج أكثر مرونة، يقوم على خلايا صغيرة وكمائن ومسيّرات مفخخة وعبوات ناسفة.

وربط التقرير هذا التقدير بحادثة المسيّرتين التي أعلن الجيش الإسرائيلي إطلاقهما باتجاه قواته، قائلًا إنّ إحداهما اعتُرضت، فيما سقطت الثانية من دون وقوع إصابات.

لكنّ حزب الله لم يعلن رسميًا مسؤوليته عن المسيّرتين، ما يبقي الربط بين الحادثة والتحوّل المفترض في العقيدة القتالية ضمن إطار القراءة الأمنية الإسرائيلية.

 

رصد الجنود والطرق ونقاط الضعف

وبحسب الرواية الإسرائيلية، يواصل حزب الله جمع معلومات عن الجنود الإسرائيليين، ومراقبة تحركاتهم ومواقعهم وطرق إمدادهم وأساليب عملهم، تحضيرًا لاحتمال استئناف القتال.

وتتوقع إسرائيل، وفق التقرير، أن تشمل أيّ مواجهة مقبلة عمليات تسلّل محدودة، وكمائن، وإطلاق مسيّرات مفخخة، وزرع عبوات ناسفة، بدل الاعتماد أساسًا على تشكيلات هجومية واسعة.

ويرى التقرير أنّ الضرر الذي أصاب قدرات قوة "الرضوان"، وخططها السابقة لتنفيذ توغّل واسع في الجليل، دفع الحزب، مرحليًا على الأقل، إلى الابتعاد عن العمليات المنظمة الكبيرة لمصلحة وحدات أصغر قادرة على التحرّك والاختفاء من دون تشكيل انتشار عسكري ثابت يمكن استهدافه بسهولة.

واستند "واينت" في هذا الاستنتاج إلى دراسة لمركز "ألما" الإسرائيلي، خلصت إلى أنّ حزب الله يتّجه نحو نموذج لامركزي من حرب العصابات، قريب، بحسب المركز، من بعض أنماط القتال التي تواجهها إسرائيل في قطاع غزة.

 

قراءة إسرائيلية لا قرار معلنًا من الحزب

غير أنّ هذه التقديرات لا تشكّل، حتى الآن، دليلًا على صدور قرار مركزي عن قيادة حزب الله بتغيير عقيدته العسكرية بصورة شاملة.

فالتقرير الإسرائيلي لم يعرض وثائق أو معلومات مستقلة تثبت وجود خطة معلنة للانتقال إلى حرب خلايا، كما أنّ الحزب لم يصدر موقفًا يتبنّى هذا التحوّل أو يعلن مسؤولية مباشرة عن العمليات التي تستند إليها إسرائيل في بناء تقديراتها.

وعليه، يبقى الحديث عن "تحوّل عقائدي" في أسلوب القتال تقديرًا استخباريًا إسرائيليًا أكثر منه حقيقة مثبتة، وإن كان يعكس في الوقت نفسه طبيعة السيناريو الذي تستعدّ له القوات الإسرائيلية.

 

استعداد إسرائيلي للشتاء والمسيّرات

وتستعد القوات الإسرائيلية، وفق التقرير، لاحتمال اتساع هذا النوع من العمليات خلال فصل الشتاء، من خلال تدريبات تركز على التنقل وفتح الطرق والقتال في الظروف الجوية الصعبة، إلى جانب مواجهة خطر المسيّرات المفخخة.

وقال مسؤول أمني إسرائيلي لـ"واينت": "سنصل إلى الجولة المقبلة أكثر استعدادًا في مواجهة تهديد المسيّرات".

وفي ظلّ غياب حل تكنولوجي شامل لهذا النوع من التهديدات، يجري تدريب الجنود على إجراءات الحماية، ونشر شبكات دفاعية، واستخدام وسائل اعتراض، إلى جانب إدخال أدوات جديدة إلى الخدمة الميدانية.

وهنا تكشف الاستعدادات الإسرائيلية نفسها عن مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي تقول فيه إسرائيل إنّ عملياتها ألحقت أضرارًا واسعة بقدرات حزب الله، تتعامل في الوقت نفسه مع احتمال أن يكون الحزب قادرًا على إعادة إنتاج التهديد بصورة مختلفة، أقل ظهورًا وأكثر اعتمادًا على أدوات منخفضة الكلفة وصعبة الرصد.

 

من نزع السلاح إلى تعريف "الخطر"

وتلتقي المساران الإسرائيليان عند نقطة واحدة. فمن جهة، تريد تل أبيب توسيع مفهوم التحقق من نزع السلاح، بما قد يشمل المنازل والمنشآت الخاصة وآليات رقابة خارجية على أداء الجيش اللبناني. ومن جهة أخرى، توسّع تعريف التهديد نفسه، من الصواريخ والبنى العسكرية الكبيرة إلى الخلايا الصغيرة والمسيّرات والعبوات والعمليات اللامركزية.

وهذا التوسّع يطرح مشكلة جوهرية أمام أيّ اتفاق مقبل: إذا كان معيار الانسحاب الإسرائيلي هو "زوال التهديد"، فمن يحدّد متى يزول هذا التهديد فعلًا؟

كلما اتّسع تعريف الخطر ليشمل بنية صغيرة أو مجموعة متنقلة أو قدرة محتملة على تنفيذ كمين، أصبح من الأسهل إبقاء الشرط الإسرائيلي مفتوحًا، ومن الأصعب الوصول إلى نقطة تقول عندها تل أبيب إنّ المهمة انتهت وإنّ الانسحاب بات واجبًا.

وبذلك، لم تعد "الخطة التجريبية" مجرد اختبار لانتشار الجيش جنوب الليطاني، بل اختبارًا لطبيعة العلاقة بين السيادة اللبنانية والاشتراطات الأمنية الإسرائيلية. فالجيش اللبناني يعمل بموجب قوانين دولته وصلاحياتها، فيما تريد إسرائيل ضمانات قابلة للتحقّق من أنّ أيّ منطقة تنسحب منها لن تتحوّل مجددًا إلى مساحة عسكرية لحزب الله.

وبين المطلبين، تكمن المعركة الحقيقية على آلية التحقّق وحدودها: هل تكون وسيلة لضمان انسحاب متبادل وتثبيت سلطة الدولة، أم تتحوّل إلى أداة تمنح إسرائيل حقّ الحكم على أداء الجيش اللبناني، ومن ثمّ تقرير متى يكون الانسحاب ممكنًا؟

وفي الوقت نفسه، يبقى اختبار الرواية الإسرائيلية بشأن تحوّل حزب الله مؤجّلًا إلى الميدان. فإمّا أن تكشف العمليات المقبلة فعلًا عن انتقال منظّم إلى حرب خلايا وكمائن ومسيّرات، وإمّا أن يتبيّن أنّ إسرائيل تبني استعداداتها على سيناريو أمني محتمل لم يتحوّل بعد إلى عقيدة قتالية مثبتة. وفي الحالتين، يبدو أنّ الصراع المقبل، إن تجدّد، لن يكون نسخة مطابقة عن سابقه، لا في شكل المواجهة ولا في الشروط التي ستحاول إسرائيل فرضها لإنهائها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث