في هذه الأجواء ولدت فكرة تشكيل حزب إسلامي شيعي في العراق على غرار الإخوان المسلمين وحزب التحرير ومنظمة فدائيان إسلام الإيرانية (وقائدها نواب صفوي المتأثر بحسن البنا)، سعيًا لطرح الإسلام علاجًا للأزمات الاجتماعية-السياسية في مواجهة التيارات الفكرية الأخرى التي كانت تستقطب شباب العراق، ومواجهتها بأسلوب حركي تنظيمي يصل إلى قطاعات يصعب على العلماء التقليديين الوصول إليها، كالموظفين والطلبة الجامعيين وأصحاب المهن الحرة وضباط الجيش. وفي تلك المرحلة بالذات بدأ المشروع الإصلاحي اللبناني للإمام الصدر بالتبلور خارج إطار هذه الدعوة، رغم أنه عايش معايشة وثيقة الحلقة المؤسسة لما أصبح لاحقًا حزب الدعوة. ففي منزل السيد محسن الحكيم أو ولديه الشهيدين مهدي ومحمد باقر، أو منزل السيد الخوئي، أو الشيخ مرتضى أو الشيخ محمد رضا آل ياسين، كانت تُعقد الاجتماعات التأسيسية بحضور مرتضى العسكري ومحمد مهدي شمس الدين وموسى الصدر ومحمد باقر الصدر إلى جانب محمد صادق الصدر ومحمد حسين فضل الله والشيخ عبد الهادي الفضلي والسيد محمد بحر العلوم والشيخ عارف البصري والسيد طالب الرفاعي والسيد محمد هادي السبيتي وغيرهم.
غير أن السيد موسى لم يكن مرتاحًا للعمل وفق النمط الحزبي الحركي للإخوان المسلمين أو لحزب التحرير، خصوصًا أن بعض كبار مؤسسي حزب الدعوة كانوا ينتمون في البداية إلى هذين الحزبين (عارف البصري ومحمد هادي السبيتي – وهو لبناني وحفيد السيد شرف الدين، أُعدم لاحقًا في العراق – وطالب الرفاعي). كما أن التوجهات الفكرية والتنظيمية للحزب الجديد استندت إلى كتابات أبو الأعلى المودودي الباكستاني وسيد قطب المصري وتقي الدين النبهاني الفلسطيني، وقد تأثر بها الشهيد محمد باقر الصدر إلى حدّ كبير، وهي حقيقة أشار إليها الإمام شمس الدين مرارًا، كما أشار إلى دور المجلات المصرية التي كانت تصل إلى النجف في تلك الأيام. وقد أكد آية الله حسين منتظري وآية الله علي خامنئي (الذي ترجم سيد قطب للفارسية) في أحاديث كثيرة تأثير سيد قطب عليهم في قم والنجف، ورووا أنه يوم إعدام سيد قطب (آب 1966) بكوا بحرقة وهم في السجن في طهران. وقد حمل التيار الإسلامي الإيراني نبرة قومية قوية منذ حركة نواب صفوي والإمام الكاشاني أيام مصدق إلى الجماعات الخمينية التي ورثت تلك الحركة، بينما ظل التيار الوطني الإصلاحي، من الجبهة الوطنية إلى حركة تحرير إيران، يستدخل الإسلام مكوّنًا حضاريًا وتعبويًا. وفي هذا يقول مهدي بازركان إن النضال الإسلامي لا يندمج فيه الدين بالسياسة بل يتساوقان معًا، وإن الحد الفاصل بينهما هو الحد بين الإفراط والتفريط (مهدي بازركان، الحد الفاصل بين الدين والسياسة، دار الكلمة، بيروت 1979، ترجمة فاضل رسول).
وقد شهد الحراك الإيراني منذ مرحلة مصدق صراعات بين قوى الجبهة الوطنية وعلماء الدين، أبرزهم آية الله كاشاني وحركة فدائيي إسلام بقيادة نواب صفوي، وقد دعمها كاشاني وصدر الدين الصدر بتحفظ لتطرفها، بينما رفضها المرجع البروجردي. وبعد وفاة كبار مراجع قم برز شريعتمداري والحكيم والكلبايكاني والخوئي، ومن رحم هذه الصراعات ولدت حركة تحرير إيران (1960) بقيادة مهدي بازركان وآية الله طالقاني وعلي شريعتي، بينما أسس شريعتمداري "دار التبليغ" وكرّس السيد الحكيم في العراق جهده لتحديث التدريس الحوزوي، يعاونه محمد باقر الصدر ومحمد مهدي شمس الدين. وقد قرر السيد موسى العودة إلى لبنان بعدما نضجت فكرة مشروعه بالتشاور مع السيد محسن الحكيم الذي منحه وكالة عامة وتفويضًا كاملًا. وما إن اندلعت الانشقاقات داخل حزب الدعوة حتى طلب السيد الحكيم من أبنائه والمقربين منه الانسحاب، فانسحب أبناؤه مهدي ومحمد باقر ثم شمس الدين وآخرون، إلى أن أعلن الشهيد محمد باقر الصدر فتواه بعدم جواز انتساب علماء الدين إلى أي حزب. وهنا تتجلى فرادة الإمام الصدر منذ مرحلة مبكرة: فبينما تبلور حزب الدعوة بصراع مع المرجعية الدينية، ركّز الإمامان الصدر وشمس الدين عملهما في لبنان على الارتباط بالمرجعية دينيًا ومذهبيًا، وبالاستقلال الوطني اجتماعيًا وسياسيًا.
التيار الشيعي الإصلاحي اللبناني
عاد الإمام الصدر إلى لبنان في العام 1959 وفي رأسه مشروع بحجم معنى لبنان ودوره. قرأ تقارير بعثة "إيرفد" الدولية (1960) حول حاجات التنمية في لبنان، وتابع بدايات التجربة الشهابية في التخطيط الاقتصادي، مستندًا إليها لفضح واقع البؤس في مناطق الجنوب وبعلبك الهرمل وضواحي بيروت. ولم يكتفِ بالتقارير، بل ساح في طول البلاد وعرضها، منتقلًا من بيت إلى بيت ومن قرية إلى قرية، في خطوة غير مسبوقة في الوسط الديني الشيعي الذي كان يكتفي بالوعظ (وله في ذلك قوله: "إذا كانت شغلتي هي الصوم والصلاة فقط... فإنني سأرحل إلى بلد آخر... إنني صاحب رسالة مؤتمن من المرجع الأعلى"). وكانت تلك أولى قواعد رؤيته الإصلاحية: أن الناس البسطاء هم الأساس. وأنشأ الجمعيات وحاضر في المساجد والكنائس والبيوت والنوادي، مركزًا على وظيفة الدين في الاستقامة الأخلاقية، فكانت تلك القاعدة الثانية. وشارك في إطلاق الحركة الاجتماعية مع الأب غريغوار حداد، وحوارات الندوة اللبنانية مع ميشال الأسمر والأب يواكيم مبارك والأب جورج خضر والشيخ صبحي الصالح، وندوة الدراسات الإنمائية مع الدكتور حسن صعب.
وقد كانت تلك الجولات الميدانية ميزة إيرانية افتقر إليها كثير من اللبنانيين في ذلك الوسط، وآمن الإمام بالعمل البسيط المثابر لإنجاز تغييرات بنيوية. فعمل مع عشرات المتطوعين على إعادة تأهيل وتفعيل مسجد صور ونادي الإمام الصادق فيها، ثم جمعية البر والإحسان الخيرية، وجمع التبرعات والمساعدات لمشروع القضاء على التشرد والتسول في مدينة صور، ثم إيواء وتعليم الأيتام ومساعدة المحتاجين، وصولًا إلى تأسيس "مهنية جبل عامل" ومدرسة البنات (بيت الفتاة) ومدرسة الخياطة والتفصيل ومدرسة محو الأمية وغيرها من المشاريع الصغيرة، مرسيًا بذلك القاعدة الثالثة للرؤية الإصلاحية: العمل المثابر المتواصل والتقدم ببطء وثبات في تحقيق الإنجازات مهما صغرت، للمراكمة والبناء عليها. ويُعد بيانه الأول بصفته ناظرًا عامًا لجمعية البر والإحسان (31-12-1961) أول نص موثق له، حين أوضح أن الجمعية باتت تعاونية تركّز فيها طاقات جميع المواطنين، وهنا القاعدة الرابعة: تركيز طاقات الجميع في مشاريع محددة. وفي كلمته عن العام 1962 دحض فكرة أن الجمعية طائفية، مؤكدًا أنها لا تفرق بين الناس، وإن كانت تؤدي أيضًا دورها الخاص في الوسط الإسلامي الشيعي (إقامة الشعائر، إدارة الأوقاف). وهنا القاعدة الخامسة: أن انتماء الجهة الإصلاحية إلى طائفة أو مذهب لا يجعلها بالضرورة طائفية، فالعبرة في الخطاب والنية والعمل.
لم يكن في ذهنه صياغة مشروع فئوي مذهبي
عمل الإمام منذ البداية على الاستفادة من كل العناصر الإيجابية في لبنان لبناء شخصية سياسية مؤمنة ومتوازنة لشيعة لبنان، مستفيدًا من قراءاته العميقة وعلاقاته الواسعة وممارسته العملية مع الناس، ومن مرحلة توهج المشروع الشهابي وبناء المؤسسات وتوسيع الخدمات العامة والتعليم الرسمي، ما أفرز طبقة وسطى متعلمة ومتحفزة للعمل الاجتماعي. وقد هدف الإمام من ارتكازه على القوى الإيجابية إلى محاصرة أخطاء الزعامات التقليدية، السياسية منها والدينية على السواء (وهنا ينسى البعض أن الإمام حارب الإقطاع الديني حتى الرمق الأخير، لانتمائه إلى سياق الإصلاحية الدستورية الشيعية في النجف وقم)، ومنع تفاقمها أو تكرارها في المجتمع، معتمدًا على ما عُرف عنه من هدوء وسلام وصفاء فكر وتواضع، ومنطلقًا من منهج تجريبي واضح لا إيديولوجيا ثورية جاهزة للتطبيق على لبنان، إذ قال: "إن في الإسلام بذورًا للتطوير وجعل الأحكام منسجمة مع حاجات الإنسان في كل زمان ومكان... وإن المشكلة الكبرى في قضايا الشريعة الإسلامية أنها بقيت قرونًا طويلة معزولة عن الحياة العامة. ولذلك فهي تحتاج إلى تجارب قبل التنفيذ" (مجلة المجاهد الجزائرية، 12-8-1973). ولم يكن في ذهنه صياغة مشروع فئوي مذهبي أو تقزيم مشروعه الوطني العربي الإسلامي الإنساني وتحويله إلى رهينة لمطالب اجتماعية أو سياسية أو لتحالف قوى محلية-إقليمية، على ما يفعل البعض اليوم للأسف. وقد رأى الإمام أن حالة الاختلال والفساد حالة عامة لا تقتصر على رأس الهرم بل تخترق بنية الاجتماع اللبناني من أعلى قمة السلطة إلى قاعدة المجتمع الأهلي: ففي القمة فساد الإدارة والرشاوى وتوازنات المصلحة والمحاصصة والزبائنية السياسية، وفي القاعدة انشدادات فكرية وسياسية مرتهنة لقوى دولية أو لحسابات إقليمية أو لمصالح قبلية وعشائرية ومناطقية ضيقة ومتناحرة. ولم يرَ الإمام الحل في المراهنة على دولة فاسدة، ولا في تأسيس حزب معارض أو الانكفاء الطائفي، بل في تلبية إرادة "تبحث عن وطن حقيقي تتساوى فيه طوائفه ومناطقه" (مؤتمر صحفي، 15-8-1966). وأكد أن "التشيع موقف إنساني ملتزم بمعايير الحق والعدل يتجاوز الطائفية"، مستحضرًا رفض الشريف الرضي قديمًا اعتماد ركن خاص بالمذهب الشيعي في الكعبة لئلا يُكرَّس التصنيف المذهبي.
انطلق الإمام من أن "للطائفة الشيعية إمكانات كثيرة لا يستفيد منها لبنان ولا أبناء الطائفة لعدم التنظيم" (مجلة الأسبوع العربي، 19-5-1969)، فكان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أداة لتنسيق هذه الطاقات ومنعها من الهدر والاصطدام، مؤكدًا أنه "لن يفرق إطلاقًا بين المسلمين بل سيسهل مهمة التوحيد الكامل عن طريق الحوار والتفاهم"، وأنه "سوف يسعى لتنسيق نشاطاته كلها مع باقي الطوائف اللبنانية الشقيقة وتعميق وحدة المسلمين وإحكام روابط الأخوة بين اللبنانيين وتوطيد الوحدة الوطنية" (صحيفة الرقيب، 2-6-1969). ولاحقًا، انطلق مشروع حركة المحرومين "من الإيمان الحقيقي بالله وبالإنسان وبحريته الكاملة وكرامته، لتشكيل حركة وطنية تتمسك بالسيادة الوطنية وبسلامة أرض الوطن وتحارب الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي يتعرض لها لبنان" (الميثاق التأسيسي لحركة المحرومين)، وذلك "من أجل أن لا يبقى محروم واحد في لبنان أو منطقة محرومة"، فلم تكن الحركة مشروعًا لتيار أو حزب أو طبقة بعينها، بل مشروعًا لتحريك إيجابي لكل العناصر الإيجابية يسمح بدخول المحرومين من كل الطوائف والمناطق إلى مسرح التغيير، وهو بُعد تغييري غاب فهمه عن اليسار التقليدي يومها، أو ربما فهمه فخافه وحاربه. وقد وصف غسان تويني حركته بأنها "ثورة الشيعة، وهي ثورة طائفية باسم سائر الطوائف ومن أجلها جميعًا... وهي تتجاوز القضايا السياسية التقليدية إلى القضايا الاجتماعية والاقتصادية، فقضية الحرمان والظلم، وقضية الأرض الحقيقية" (النهار، 18-3-1974)، ووصفها بيان وقّعه 190 مفكرًا ومثقفًا من جميع الطوائف بأنها "الحركة الطائفية الوحيدة في لبنان التي تحمل جوهرًا تقدميًا، وأن أهمية الحركة التي يقودها الإمام الصدر أنها عرّفت قطاعًا عريضًا من قاعدتها بوعيها بإمكاناتها وبقدراتها على التغيير" (النهار، 26-11-1974)، فيما كتب الأب يواكيم مبارك، تحت عنوان "حركة الإمام الصدر بين الشيعية واللبنانية"، أن شيعية الإمام وحركته "لا تحتاجان إلى نكران ولا إلى تبرير"، معتبرًا هذه الشيعية "ضمانة كبرى للأصالة وربطًا من عمق التاريخ اللبناني بأعماق العالم العربي. فجدلية هذا التاريخ قائمة باستمرار، تتجاوز الطائفية بفضل الدعوة التي اتخذت لبنان معقلًا للتجدد الذاتي وموئلًا للتفاعل الحر" (النهار، 14-12-1974).
صاغ الإمامان الصدر وشمس الدين مشروعهما وفق ثلاثة خطوط عمل:
أ) وحدة المسلمين الشيعة في لبنان، انطلاقًا من أن التشيّع حركة صادقة منضبطة بموازين الشرع وبقاعدة التوحيد والعدل والحق، منفتحة على تغيّرات العصر، لا دوغمائية متحجرة ولا إيديولوجية شمولية، ولا مؤسسة منغلقة تقوم على المصالح الذاتية أو التعصب المذهبي أو الانعزال عن الشريك في الوطن، ولا بالتأكيد تبعية عمياء لمركز شيعي خارجي، أكان في إيران أم في غيرها، إذ لم يكن في لبنان من هو أكثر لبنانية من الإمام الصدر ولا أكثر عروبة أو تشيعًا.
ب) وحدة المسلمين اللبنانيين ضمن مختلف مذاهب الإسلام، على قاعدة التوحيد والعدل والحق وعلى أسس الحرية والكرامة والمساواة والاندماج والتكامل. "فوحدة الكلمة هذه ينبغي أن لا تظل شعارًا مرفوعًا أو كلمة مكتوبة، بل يجب أن تكون ومضة الفكر وخفقة القلب ودرب السلوك... إنها البعد الأساسي للمستقبل" (من كتابه إلى مفتي الجمهورية اللبنانية، 1-10-1969).
ج) وحدة اللبنانيين جميعًا وإطلاق الحوار الإيجابي البنّاء مع الشركاء في الوطن، إذ إن وحدة الشيعة ووحدة المسلمين خطوة ناقصة إن لم تقترن بوحدة اللبنانيين لبناء وطن حقيقي ودولة عادلة: "فليس الخطر في تعدد الطوائف بل في تحوّل التعدد إلى سلبية... بل الطوائف المختلفة المنظمة منطلقات للتعاون ونوافذ حضارية" (خطاب انتخابه رئيسًا للمجلس، 30-5-1969). وهو القائل إن "التنوّع الطائفي والتعايش الإسلامي المسيحي ثروة حضارية يجب التمسك بها"، وصاحب مقولة "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه" التي دخلت لاحقًا بندًا أول في مقدمة الدستور، وقوله إن "لبنان ضرورة إنسانية حضارية باحترامه للقيم الإنسانية وللمذاهب والعقائد والثقافات"، وإن "الحريات هي الدعامة الأساسية لكيان لبنان"، بل ذهب إلى حدّ التصريح بأن "سلام لبنان الداخلي هو خير مقاومة في وجه إسرائيل". فهذا الإمام الإسلامي الشيعي لم يجعل من الكيانية اللبنانية الخاصة منطلق مسيرته وحسب، بل جعلها أساسًا وقبلة عمل ونضال الشيعة في لبنان كما في العراق وغيره، وهو أول من قال وعمل من أجل اندماج الشيعة في أوطانهم.




