يتداخل الدمار في الجنوب مع بطء المسار التفاوضي وضغوط الميدان، ويقف لبنان عند مفترق طرق مفصلي يتطلب قراءة هادئة خارج الاستقطاب التقليدي. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الطروحات الداعية إلى نزع السلاح أو فرض واقع جديد بالقوة، يحاول وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية والتحول الرقمي، فادي مكي، تقديم مقاربة توازنية تجعل من الدولة حاضنة للجميع وتسعى لبناء جسور التواصل بين كافة المكونات اللبنانية.
في هذا الحوار الخاص مع "المدن"، يتحدث مكي بوضوح عن حدود الضغوط الأمريكية، ومصير المفاوضات المباشرة، وحقيقة المواقف داخل البيئة الشيعية التي دفعَت، ولا تزال، فاتورة باهظة جراء العدوان الإسرائيلي. كما يفكك التعقيدات المرتبطة بملف السلاح، مؤكداً على أهمية "استراتيجية الأمن الوطني" والحوار الداخلي كبديل عن الصدام، وصولاً إلى كواليس العمل الحكومي وتحديات ملف التحول الرقمي. حول هذه المواضيع وشؤونٌ أخرى كان لـِ"المدن" هذا الحوار.
أريد أن نبدأ بالخبر الأكثر تداولاً حالياً، هناك معلومات تتحدث عن أن الإسرائيليين أبلغوا الأميركيين بعدم جدوى الاستمرار في المناطق التجريبية. برأيك، هل انتهت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بعد هذا الموقف الإسرائيلي؟
لا أعتقد أن المفاوضات قد انتهت، ما زال هناك مسعى من الراعي الأمريكي ليضغط على الجانب الإسرائيلي حتى يكون أكثر مرونة وأكثر قبولاً بالالتزام، لأن الطرف الذي لم يلتزم هو الإسرائيلي منذ أن بدأنا المفاوضات، سواء من ناحية وقف إطلاق النار أو من ناحية الالتزام بالمناطق التجريبية بعدم الدخول إليها، حيث كانت بعض الخروقات مستمرة إلى حد كبير جداً.
لكن في لبنان هناك فريق يقول إن الأميركيين يضعون لبنان كأولوية على طاولة الرئيس الأميركي وأيضاً لدى الإدارة الأمريكية في وزارة الخارجية، لكن هناك فريق آخر يرى أن أميركا حليف لإسرائيل في جميع الأحوال ولن تجدي الضغوط الأميركية نفعاً، وفي نهاية المطاف سينفذ الإسرائيليون ما يريدونه.
دعني أختلف معك. هذا الأمر صحيح إذا نظرت إليه بأسلوب أبيض وأسود، فنعم أميركا حليفة لإسرائيل، ولن يحدث تغيير بين ليلة وضحاها، والتغيير لا يحدث بشكل قطعي كأن يتحوَّل الأبيض إلى أسود فجأة، الأمر يحدثُ بالتدريج. وإذا واكبتَ ما يحدُث، سواء على مستوى الرأي العام الأميركي أو على مستوى التحول في موقف الإدارة الأميركية. ترى أنّ عدة أطراف داخل الإدارة فإذا رأيت هذا التفاهم، ولو بدرجة أكبر وإن لم يتحول بشكل كامل لتفاهم للموقف اللبناني، إلا أن هناك مسعىً أكبر لدعمنا والضغط على إسرائيل للمضي قدماً في التقديم والتطبيق بحسن نية للاتفاق الذي لم يحصل حالياً.
ولكن ما أريد قوله إنه حتى على مستوى الرأي العام هناك تغيير كبير جداً معادٍ لإسرائيل لم يكن كذلك قبل سنتين. هذا التغيير يجب أن نستفيد منه، وتغير كبير على مستوى الرأي العام الدولي يجب أن نستفيد منه، وتغير على مستوى دعم الحكومة اللبنانية بشكل لم يحدث سابقاً من الإدارة الأمريكية يجب أن نستفيد منه. وكل هذه الأمور للأسف تتطلب وقتاً، ولن يكون التحول كما ذكرت بين ليلة وضحاها. وللأسف نحن لا نملك رفاهية الوقت، وبالتالي نحن المتضررون في هذا الوقت الذي توجد فيه ضغوط وتجري فيه مفاوضات، والعملية بطيئة، وهناك انتخابات وحسابات انتخابية، وكل هذا للأسف ليس في صالحنا.
ولكن هل لدى لبنان خيار غير المفاوضات؟ يعني لماذا ذهبنا إلى المفاوضات المباشرة؟ البعض يقول: ألم يكن من الأجدى أن يكون لبنان جزءاً من المفاوضات الأميركية الإيرانية؟ بحيث يغطي الجانب الإيراني موقف لبنان أو يدفع بملف وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي بالتوازي مع موضوع مضيق هرمز أو خيارات أخرى غير التفاوض؟
لدي نقطتان حول هذا الموضوع. أولاً، نحن رحبنا، وليس صحيحاً أننا كنا معارضين لهذا المسار، الأمر هو العكس رحبنا بأي مسار يؤمن وقف إطلاق النار، ويضمن الانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين، ووقف الأعمال العدائية، وإعادة الإعمار، كل هذا نرحب به، وهذا ما حدث.
لكن إذا نظرت إلى ما حدث مؤخراً، فربما يظهر بشكل أو بآخر أنه كان من الأفضل لو استمررنا بالمفاوضات لأنّه ربما كان بإمكاننا الاستفادة بشكل أكبر من المفاوضات الجارية على مسار إسلام آباد. قدر الله وما شاء فعل، ولا زلنا، وفق ما أعتقد، قادرين على الاستفادة بطريقة أو بأخرى، ولكن هذا لا يلغي ضرورة وجود مفاوضات لدينا للاتفاق على التفاصيل التي لا يلتزم بها العدوان الإسرائيلي، وهو من يصعّبها، وإذا نظرت إلى أفعاله تجد أنه غير راغب في الانسحاب. وكل شيء يدل إلى أنه يصعب عملية إنهاء هذا الصراع، ربما لأطماع لديه، أو أنه يفضل إنشاء منطقة عازلة (Buffer zone)، وكل هذه الأمور تثير قلقنا وتجعلنا نلجأ للخيار الدبلوماسي والدعم الدولي والضغط من كل الأطراف، وتحديداً أصدقاء لبنان الذين يمكنهم دعمنا في هذا المسار التفاوضي.
لنفترض أن الإسرائيلي أصرَّ على عدم وجود مناطق تجريبية، وكان موقفه واضحاً بالتركيز على سلاح حزب الله أولاً ثم مناقشة الانسحاب لاحقاً، هل لبنان قادر على مواجهة هذا التصلب الإسرائيلي؟ وكيف يمكن مواجهته؟
ليس لدي رأي واضح حول كيفية السير بالعملية إذا رفض الإسرائيلي حالياً مناطق تجريبية أخرى، ورفض المضي قدماً في تطبيق بنود الإطار، حتى لا أسميها اتفاقية، التي توافقنا عليها. خياراتنا ليست كثيرة، ولكن أهم شيء هو أن نلتفت إلى الداخل ونتنبه لما قد يحدث، ولا بد أن نبقى متماسكين وألا نترك مجالاً للشرذمة في الموقف بشكل يسمح لأحد باختراقنا والتفريق بيننا لجعل ما يحدث أكثر صعوبة علينا داخلياً وخارجياً.
ولكن بالنسبة للإسرائيلي وموضوع سحب السلاح، هل لبنان قادر على نزع سلاح حزب الله؟ أي حتى لو التزم لبنان الرسمي في المفاوضات، هل هو قادر ميدانياً على فعل شيء؟
من الواضح أن القرار هو عدم الدخول في صراع بين حزب الله والجيش اللبناني، وهذا ليس في مصلحة أحد، ربما يكون في مصلحة إسرائيل فقط. ونحن نرى بوضوح أنه لا يمكننا القيام بذلك دون حد أدنى من الغطاء السياسي، وفي غياب هذا الغطاء السياسي لا أظن أنه من مصلحتنا الدخول في صراع.
وحتى ذلك الحين، يجب أن نحاول البحث عن مخارج، وهنا تكمن أهمية دبلوماسية الحوار الداخلي للبحث عن حلول قد تكون خارج الصندوق، لنرَ ما يمكن أن يهدئ ويخفف من انزعاج الحزب، ويساعد في تقديم دعم أكبر للجيش، والتسليم بمبدأ بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وإن كان ذلك عبر خطة "خطوة بخطوة" التي نناقشها، لأن عملية نزع السلاح حالياً دون توافق أو دون حد أدنى من الغطاء أراها صعبة جداً.
معاليك تحدثت أكثر عن الحكومة، وهنا فتحت لي المجال للسؤال عن الحكم، اليوم هناك فريق مشارك في الحكومة لكنه في الوقت ذاته يصفها بـ "حكومة فيشي". عملياً، هل ترى ترابطاً في هذه الحكومة؟ بصفتك وزيراً فيها، هل تشعر أنها حكومة فعلية، أم تراها حكومة لتسيير الأعمال مؤقتاً إلى أن يقضي الله أمراً ونرى كيف يديرونها؟
أعتقد أنك قاسٍ في توصيفكَ للحكومة. هناك تجانسٌ إلى حد كبير جداً. نعم، هناك مواضيع صعبة جداً ومؤطرة ووجودية فيها خلاف، وربما تناقش خارج الوقت للتشديد على أهمية أن نبقى محايدين وألا نكون في حالة خلاف أو خروج عن هذه المواضيع أصلًا. في الوقت الحالي لا مجال لدينا لتعطيل سير الحكومة في ظل ملفات النازحين وإعادة الإعمار والإصلاحات المالية والاقتصادية والاجتماعية.
كل هذا يجعل هناك وعياً كبيراً جداً بعدم الدخول في نقاشات قد لا تسلم الحكومة منها في حال طرحت. المهم حالياً هو إبقاء هذه الأمور بين الرؤساء الثلاثة للتوافق، ويجب أن نطلق حواراً حول الكثير من المواضيع الأساسية التي تساعد في حلحلة بعض الأمور وتأمين غطاء للجيش اللبناني ليستلم زمام الأمور بشكل أكبر، وبما يساعدنا على توحيد موقفنا بشك أكبر لنكون أقوياء في المفاوضات عند الحديث مع الدول الأجنبية الصديقة بصوت واحد، ولندعم عملية إعادة الإعمار وبسط سلطة الدولة من الجهتين.
نحن نتحدث عن تأمين الانسحاب الإسرائيلي وعدم المساس بأي جزء من السيادة عبر المنطقة العازلة وما شابه ذلك مما يسعى إليه الإسرائيلي. هذه النقاط يجب إطلاق حوار داخلي حولها لنلتزم جميعاً كصف واحد، وإذا كان هناك مساومات ستحدث في السياسة فلتكن، أي إذا كانت هذه نتيجة المساومات فلتحصل السياسة من أجل السير قدماً بالعملية.
ولكن هل ينفع الحوار؟ هناك فريق في الحكومة ومن اللبنانيين بطبيعة الحال يرى أن المفاوضات هي طوق النجاة الأخير؟
في الواقع يجب علينا أن نقوم بأكثر من أمر، علينا المضي في المفاوضات لأنه ليس لدينا، بحسب اعتقادي، خيار آخر. وعلينا أن نكون أكثر قوة من الناحية التقنية في المفاوضات، وأن نصمد أكثر ونكون موحدين في الكلمة لنتمكن من فرض موقفنا أو الصمود أمام الضغط الكبير الذي نتعرض له في المفاوضات.
هناك شق لدي ملاحظات عليه في الإطار، سواء في المادة 13 أو حتى جزء من المادة 5، هناك مواد كثيرة لو طرحت أو كان لدينا متسع من الوقت لكانت نتيجتها مختلفة عن هذا الوضع. ولكن، حتى إشعار آخر، فخامة رئيس الجمهورية مستمر في المفاوضات ويسعى بكل ما أوتي من قوة للحفاظ على الثوابت: عدم المساس بالأرض، عدم المساس بالسيادة، عودة النازحين، عودة الأسرى، وترسيم الحدود، وأضف إلى كل ذلك الضمانات. هذا المسار مستمر، وفي اعتقادي لا توجد لدينا خيارات أخرى سوى المضي قدماً في هذا الموضوع، وعلينا تحصينه عبر المفاوضات بشكل أفضل.
في عام 2000 كان الأمر مقاومة بحتة واستطعنا تحرير الأرض، وأنا مقتنع ومعي في ذلك معظم اللبنانيين، أنه لولا المقاومة لما تحررت الأرض. وفي عام 2006 كان هناك تحرير للأسرى وإن كان بتكلفة باهظة، ولكن ما بعد ذلك هو محل السؤال، فقد انتهى الاحتلال إلى حد كبير مع بقاء بعض النقاط الخاضعة للمعالجة مثل ترسيم الحدود، ومزارع شبعا، والخط الأزرق، وحتى الترسيم البحري.
لا ينفع الآن أن نلقي اللوم على طرف آخر، وهذا موقفي وموقف الكثير من اللبنانيين، فلا فائدة من لوم بيئة أو جزء من الناس على خيارات اتخذوها. نحن الآن في موقف مختلف: كيف نخرج من هذه الورطة؟ لدينا مفاوضات يجب أن نسعى لإكمالها بقوة، ولدينا موضوع الحوار الداخلي الذي قد تكون له انعكاسات سياسية لحلحلة بعض المواضيع، وإعطاء بعض المكاسب لعكس الواقع الديموغرافي؛ فهناك حوار يجب أن يتم.
كذلك هناك موضوع استراتيجية الأمن الوطني التي يجب أن نضعها، لأنها تخفف الهواجس وتوضح الكثير من الأمور، وتحدد مستقبل العلاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية، سواء عبر اندماج جزء منهم، أو إعادة هيكلة المؤسسات، أو تسليم السلاح. كل هذه المواضيع يجب أن نضعها على ثلاثة مسارات مختلفة: مسار المفاوضات الذي يجب أن نمضي فيه، وبشكل موازٍ نمضي في مسار الحوار الوطني للبحث عن حوكمة جديدة للبنان ولنظام الحكم، وأخيراً موضوع الاستراتيجية الدفاعية التي تُعد أساسية لأنها تتضمن الكثير من المخارج للنقاط الخلافية.
ولكن ماذا تفعل أنت، فادي مكي الشيعي الذي يغرد خارج السرب إلى حد ما، عندما ينزل إلى الجنوب، ماذا يحدث هناك؟ ومن لا يريد فادي مكي في الجنوب؟
صراحة، ينبغي أَلا نعطي الأمر أكبر من حجمه، فأنا أزور الجنوب بشكل دائم، وكان هناك ترحيب من الجميع، وإن كانت هناك بعض المواقف لأسباب لا أريد الخوض في تفاصيلها لأنني لا أعيرها أهمية كبيرة، حيث كانت تفضل أن تتم الزيارات بتوافق سياسي أكبر. لكنني متمسك بموقفي، فعندما أزور الجنوب أكون بصحبة سفراء وأشخاص قد لا يؤمنون تمويلاً فورياً، لكنهم ينقلون الصورة إلى عواصمهم، وهذه نقطة مهمة قبل أن تتغير معالم الدمار، إذ يجري حالياً تجريف الكثير من معالم التدمير، ويجب أن ننتبه لذلك.
وهنا أود الإشارة إلى التوثيق الذي تقوم به اللجنة الوطنية برئاسة الدكتور متري، وهو أمر أساسي؛ ففي الوقت الذي تتغير فيه معالم الجنوب والأماكن المتضررة، يجب أن نكون مستمرين في توثيق ما يحدث. ومن هنا تأتي أهمية اصطحاب أكبر عدد ممكن من الشخصيات إلى الجنوب في هذه الفترة ليروا الواقع والدمار الممنهج وينقلوه، وهذا رأيي وإن كنت قد قمت به دون تنسيق مع بعض الجهات السياسية، لكن الجميع تفهموا الأمر ورحبوا به بعد ذلك.
قل لي مَنْ ينزعج منكَ أكثر؟ حزب الله أم حركة أمل؟ هل يعتربونك من البيئة نفسها؟ هل يحسبونك عليها؟
بالتأكيد أنا من هذه البيئة وإن اختلفت معهم في بعض الأمور، ولا تنسَ أنني من الأشخاص الذين آثروا الخروج في 7 آب لأن الثنائي كان بحاجة لبعض الوقت كما طلبوا، وكان من الضروري أن نكون جميعاً موجودين، والأمر عينه في 5 أيلول. المشكلة الوحيدة التي حدثت مؤخراً كانت على أمر لا يستحق، إذ كانت متعلقة بالحضور أو عدم الحضور لجدول أعمال لا يتضمن أي مواضيع خلافية، وتحديداً لم يكن يتضمن موضوع السفير الإيراني.
وكان رأيي واضحاً بأن لا داعي للتعطيل، ولا داعي لأن أكون سبباً فيه ما دام لا يوجد موضوع خلافي، وهذا ما أكده رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وهو ما قررته. قد يزعج هذا الأمر البعض لأن الجميع اعتادوا على الحديث بصوت واحد، لكن ما أريد قوله هو أن الخلاف ليس كبيراً في الجوهر، فجميعنا نحمل التوجه نفسه.
ولكن هل هناك تواصل طبيعي مع حزب الله أو حركة أمل؟ وعلى أي مستوى؟
الوزراء بالطبع هناك تواصل معهم.
هل "يسلِّم عليك" وزراء الحزب ووزراء الحركة؟
بالتأكيد، جميعهم أصدقاء ويتحدثون بنَفَس واحد، ولا توجد أي مشكلة في التواصل معهم.
هل أنتَ مرتاح في محيطك؟ هل تسمع كلاماً يزعجك؟
أقل بكثير مما يُظن، لأن الكثير من الناس تعبوا وأصبحوا يرون أننا بحاجة إلى مخارج ومساعٍ للتواصل مع الخارج ومع الأطراف الأخرى، وهو ما أفعله دائماً. هذا الأمر لا يمكن إلا أن يفيد البيئة، والجميع واعون لهذه العملية. نحن بحاجة إلى التكاتف وتظافر الجهود، لأن حجم الدمار وورشة إعادة الإعمار أكبر بكثير من قدرة الثنائي بمفرده أو حتى الدولة بمفردها.
هل بدأنا نلمس تمايزاً بين حركة أمل وحزب الله واختلافاً بدأ يظهر حجمه أكثر؟ إلى أي مدى لا يزالان ثنائياً برأيك كشخص من هذه البيئة؟
هناك الكثير من التعب مما يحدث، ولكن في الوقت نفسه هناك مشاعر لا تزال ملتهبة، وهناك متضررون في مراكز الإيواء، وغضب كبير مما يرتكبه العدوان الإسرائيلي، وإحباط من عدم قدرتنا وقدرة المجتمع الدولي على لجم هذا الإجرام. هذا الجانب يشعر به الجميع ونحن فيه حال واحد، بينما يدور النقاش حول خيارات الخروج في المرحلة القادمة.
دوري هو أن ألعب دور الجسر، وأعتقد أنه يجب عليّ لعب هذا الدور وعدم التفريط به، وإلا فلا مبرر لوجودي كوزير مستقل، خاصة في وزارة تقنية لها تماس مع كل الوزارات ولا يمكن أن تكون طرفاً، وهذه هي أهمية وزارة التنمية الإدارية والتحول الرقمي، إذ يجب أن تبقى مستقلة لتقديم الخدمات، ومتابعة الحوكمة الجديدة، وإعادة الهيكلة، والحكومة الرقمية.
ماذا عن الشيعة في لبنان، فقط دفعوا أثماناً باهظة، مرة واثنتين وثلاثاً. بيوتاً، وأرزاقاً، وأرواحاً. هناك قصص وذكريات لا تُعوَّض. ما مستقبل الشيعة في لبنان؟
أولاً، للأسف، دفعنا فاتورة كبيرة جداً بسبب العدوان الإسرائيلي، وبسبب هذا الجار المجرم الذي فتك بنا على مدى سنوات طويلة. دفعنا فاتورة عن العرب والصراع العربي الفلسطيني والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ودفعنا فاتورة بعد ذلك للتحرير، والآن قطعاً ندفع فاتورة أيضاً.
فاتورة مَنْ تلك التي ندفعُها الآن؟
الآن ندفع فاتورة الإسناد والوقوف أمام مواضيع قد تكون محقة، ولكن في العالم السياسي ربما كانت الحسابات تقتضي أن ننأى بأنفسنا في هذه الفترة بالذات، وتحديداً بعدما رأينا الإجرام الذي حصل في غزة والذي لا يمكن إلا أن يثير الغضب. ويجب أن نبقى محافظين على رباطة جأشنا وعلى مواقفنا التي تحمي لبنان في الوقت الحالي قبل أي شيء آخر. المرحلة تقتضي شجاعة وحكمة وقيادة، ويجب أن تجتمع هذه الصفات تحديداً لدى الشيعة حتى نتمكن من التجاوز.
ولكن كيف ترى علاقة الشيعة بباقي اللبنانيين؟
هذا تماماً ما أعتبر أن لي دوراً فيه، وهو مد الجسور مع الأطراف الأخرى. عندما أذهب وأتكلم مع المسيحيين، ومع الدروز، ومع السنة، ومع أطراف شيعية أخرى غير مساندة للثنائي، وعندما أتكلم مع الثنائي وبيئته الحاضنة، فهذا هو الدور الذي أعتقد أنني ألعبه ويجب أن ألعبه في هذه المرحلة.
لا يمكن للبنان أن يقوم من دون الشيعة، فهم مكون أساسي دفعوا فاتورة كبيرة، ويجب أن نوقف سردية وضعهم في الزاوية، أو تخوينهم، أو إطلاق سردية فتنوية أو تقسيمية أو توجيه اللوم الذي لا يفيد في الوقت الحالي. يجب أن نحافظ على سردية جذبهم، والتخفيف من هواجسهم، وإرسال رسائل تمنحهم المزيد من الثقة ليقتربوا أكثر من الدولة وينضووا تحت مظلتها، ويسلموا بأن الدولة هي التي كانت غائبة وهي الوحيدة القادرة على حمايتهم في المستقبل.
ماذا عن المثالثة التي يريدها الشيعة لقاء تسليمهم للسّلاح؟
لا أعلم إن كنت تريد تسميتها مثالثة أو غير ذلك، ولكن لا شك في أن هذا حديث أساسي: ما هي الفاتورة لقاء تسليم السلاح؟ أنا لا أحب كلمة "نزع السلاح"، أحب تسليم السلاح أو الانضواء تحت الجيش وفي إطار استراتيجية الأمن الوطني.
لكنك تسألُني ما الفاتورة؟ وما المطلب؟ نطالب بالمقابل التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل والشامل من الأراضي اللبنانية، واحترام السيادة وعدم انتهاكها؛ فمن السهل الخروج، ولكن نريد التأكد من وجود ضمانات بعدم التدخل والانتهاك بعد تسليم السلاح أو الاتفاق. لذلك، فإن الضمانة في هذه النقطة أساسية جداً من الراعي الأمريكي ومن الدول الصديقة.
ولكن ماذا يريد الشيعة اليوم؟
يريدون خطاباً جامعاً يُخفف من هواجسهم، ويمنحهم الثقة بأن الدولة ستكون قادرة هذه المرة على مساعدتهم في الوقت الذي وصلوا فيه إلى أزمة وجودية مع وجود أكثر من مليون نازح وأكثر من 60 قرية مدمرة.
سؤال أخير، تفضلت بالحديث عن المكننة، فأين أصبحت هذه الخطوة؟ وكيف هي العلاقة بينك وبين الوزير شحادة في هذا السياق؟ ومن يأخذ صلاحيات من؟
أولاً، في موضوع المكننة قطعنا شوطاً صغيراً، إذ كانت هناك استراتيجية وطنية للتحول الرقمي في عام 2022، ولم يكن ينقصها سوى الدعم المالي، وقد حصلنا مؤخراً على اتفاقية قروض من البنك الدولي بقيمة 150 مليون دولار، حيث تُعد وزارة التنمية الإدارية هي الهيئة المنفذة (Implementation Agency)، لكن هذا لا يعني أن الأموال لها، هي التي تنسق مع كل الوزارات.
سيكون هناك جزء يُطبق من قبل وزارة التكنولوجيا، ووزارة الداخلية، ووزارة الاتصالات، وغيرها من الوزارات. إذن، سيكون دورنا تنسيقياً، وهذا أمر أساسي؛ لأنه من دون الـ 150 مليون دولار لن نتمكن من بناء البنية التحتية الرقمية الأساسية التي تُبنى عليها إعادة هيكلة الخدمات، وإنشاء مراكز البيانات (Data Center)، ووضع التشريعات، والأمن السيبراني، وإعادة النظر في طريقة تقديم الخدمات عبر التطبيق الشامل (Super App) الذي أطلقناه مؤخراً وهو dawlati.gov.lb.
هناك عمل وُضع على السكة وسيزداد ويكبر بفضل هذا التمويل الذي سيؤمن البنية التحتية ويسمح بإطلاق تمويل آخر من القطاع الخاص؛ لأن تطبيق حكومة رقمية على مدى 5 سنوات يتطلب أكثر من 150 مليون دولار، والكثير منها سيأتي على شكل استثمارات من القطاع الخاص. وهذه هي أهمية هذه العملية؛ إذ أطلقت العملية التمويلية بشقها الاستثماري والتجاري، لوجود العديد من الفرص التجارية للقطاع الخاص لتقديم خدمات والبناء عليها.
هو مشروع كبير جداً، ويجب أن تتكامل الصلاحيات، أي يجب أن ندير خلافاتنا، فلا شك في أن وزارة التنمية الإدارية كانت المعنية من البداية إلى النهاية بالتحول الرقمي. وعندما أُنشئت وزارة التكنولوجيا لأسباب سياسية، لم يكن هناك إلمام كافٍ بالحجم الحقيقي للعمل الذي يمكن أن يُقسم والذي لا يمكن تقسيمه، لأن هذا جزء لا يتجزأ من التحول الإداري وإعادة الهيكلة، فلا يمكنك تطبيق الذكاء الاصطناعي قبل إعادة هيكلة الخدمات وإعادة هندستها، ومن ثم فإن هذه الأمور مترابطة.
ولو نظرنا إلى الاتجاهات العالمية، فنرى أن وزارة التحول الرقمي تجمع بين الوزارتين اللتين لدينا، والاتجاه أكثر فأكثر نحو وجود وزارة جامعة تقوم بالتحول الإداري والتحول الرقمي معاً، وتكون هناك وكالات متخصصة للتطبيق، سواء كانت وكالة للأمن السيبراني، أو وكالة للبيانات، أو وكالات لمواضيع تنفيذية أخرى، ولكن لا بد من حوكمة رقمية أفضل في المستقبل.
وهل يسير التنسيق بينك وبين الوزير بشكل جيد؟
نعم ننسق، وهناك لجنة وزارية برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور طارق متري وهي التي ستشرف على الخيارات الأساسية بالنسبة للقرض وتوزيع الميزانية. لدينا فكرة طبعاً، لأننا نعمل منذ أكثر من سنة على هذا القرض مع البنك الدولي وعلى تقسيمه وإعداد المشاريع داخله، حتى نكون جاهزين لإطلاق العملية فور الموافقة على المشروع في مجلس النواب.




