حكومة بلا عاصمة

مروان حربالثلاثاء 2026/09/01
GettyImages-1235870748.jpg
مأزق الحكومة أنها لم تثبت بعد امتلاكها الإرادة والشجاعة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قرار جعل بيروت منزوعة السلاح، الذي اتخذته الحكومة اللبنانية، لم يكن مجرد تدبير أمني، بل اختباراً مباشراً لجدية السلطة وصدقها في ممارسة ما تعلنه. فأهمية القرار تكمن تحديداً في أنه لا يتعلق بالجنوب، حيث الاحتلال الإسرائيلي واختلال موازين القوى وتعقيدات المواجهة،بل بالعاصمة نفسها؛ بالمكان الذي تختصر فيه الدولة حضورها السياسي والمؤسساتي والأمني، وحيث يفترض أن تكون قدرتها على فرض القانون وممارسة سلطتها أقوى من أي مكان آخر.

 

لذلك، فإن عدم تحوّل القرار إلى واقع ملموس بعد أشهر على اتخاذه، لا يكشف فقط صعوبة ضبط السلاح، بل يكشف خللاً أعمق في طبيعة السلطة نفسها. فإذا كانت الدولة عاجزة عن تنفيذ قرار اتخذته في عاصمتها، يصبح من الصعب ردّ هذا العجز إلى نقص الإمكانات وحده. عندها يصبح غياب الإرادة السياسية لتحمّل كلفة التنفيذ جزءاً من تفسير العجز. تتصرف الحكومة كما لو أن استعادة الدولة مؤجلة إلى لحظة نادرة تتطابق فيها كل الشروط: أن يضعف حزب الله بما يكفي، وأن تنسحب إسرائيل، وأن ينضج توافق داخلي لا يعترض عليه أحد. لكن هذه المقاربة تعكس خللاً في فهم وظيفة الدولة نفسها. ففي المنظور السياسي، لا تكتسب الدولة معناها من انتظار توازن قوى ملائم لها، بل من قدرتها على تحويل هذا التوازن تدريجياً لمصلحة احتكار القرار العام وتوسيع قدرة المؤسسات على تنفيذ القرار بصورة مستقلة عن موافقة الأطراف القادرة على تعطيله. 

وهذا ما يجعل قرار بيروت مهماً إلى هذا الحد، لا لأنه يحل أزمة السلاح في لبنان، بل لأنه يختبر قدرة الدولة على أن تبدأ من المكان الذي تملك فيه أكبر قدر من الشرعية والأدوات والحضور. استعادة الدولة لا تتحقق دفعة واحدة، ولا تفترض انتظار حل جميع أزمات البلد في وقت واحد، بل تبدأ حين تنجح السلطة في تحويل قرارها إلى واقع داخل المساحة التي تملك فيها أعلى درجات الحضور والقدرة، ثم تستخدم هذا الإنجاز لتوسيع نطاق سلطتها تدريجياً وبناء ما يليه.

 

لكن ما حصل حتى الآن أعاد إنتاج الصيغة اللبنانية المألوفة: قرار واضح في النص، تنفيذ محدود في الواقع، ثم إحالة ما تبقى إلى التدرج والقدرات والظروف. والمشكلة أن القرار غير المنفذ لا يبقى مجرد قرار ناقص، بل يستهلك شيئاً من سلطة الدولة نفسها. من هذه الزاوية، يصبح السؤال عن كفاءة السلطة الحالية مشروعاً. فليس المطلوب منها أن تفتح حرباً مع حزب الله، ولا أن تدخل في مواجهة عسكرية مع إسرائيل، بل أن تستخدم ما تملكه فعلاً من مؤسسات وقانون وأمن وقضاء لكي توسّع، بصورة متراكمة، المساحة التي تخضع لسلطتها، وأن تثبت أن كل قرار تتخذه يترك أثراً لا يمكن التراجع عنه بسهولة.

 

فإذا عجزت عن فعل ذلك في بيروت، يصبح الخلل في طريقة الحكم نفسها، في سلطة تعرف ماذا تريد، لكنها لا تزال تتصرف كما لو أن التنفيذ يحتاج إلى لحظة مناسبة يمنحها الآخرون. وهذه اللحظة لن تأتي لأن القوى التي راكمت نفوذها في غياب الدولة لن تمنحها الظروف المناسبة لاستعادة نفوذها، فمن استفاد من ضعف الدولة لن يكون هو من يصنع لها لحظة قوتها. والسلطة التي تخشى كلفة القرار إلى حد الامتناع عن استخدام ما تملكه ستدفع، مع الوقت، كلفة أكبر: تآكل قدرتها على الحكم، وتآكل صدقية قراراتها، وتحول كل استحقاق جديد إلى اختبار أصعب من سابقه. لهذا فإن مأزق الحكومة اليوم ليس أنها تفتقر إلى الرؤية، بل في أنها لم تثبت بعد امتلاكها الإرادة ولا الشجاعة السياسية لتحمّل الكلفة التي يفرضها الحكم حين يصبح القرار فعلاً لا موقفاً. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث