تحت خوذات الأمم المتحدة... حضور الجيش الإيراني المنسي

رأيشفيق طاهرالأحد 2026/08/30
GettyImages-2196664411.jpg
عبارة حفظ السلام كانت أكبر من الإمكانات المتاحة على الأرض(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الأيام الأخيرة من عهد محمد رضا بهلوي، حمل الوجود الإيراني في لبنان مفارقة تاريخية لافتة. فإيران الشاه، الحليف الوثيق للولايات المتحدة وصاحبة العلاقات الأمنية السرية مع إسرائيل، كانت ترفع علم الأمم المتحدة فوق مواقع عسكرية في جنوب لبنان، بين قرى أنهكتها الحرب الأهلية وطرق تتقاطع فيها تحركات الفصائل الفلسطينية والقوات الإسرائيلية والجماعات اللبنانية المسلحة.

هناك، قرب نهر الليطاني، خدم نحو ستمائة جندي إيراني ضمن التشكيل الأول لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، اليونيفيل. ولم تمض سوى أشهر حتى انهار النظام الذي أرسلهم، وأصبح هؤلاء الجنود جزءاً من فصل قصير يكاد يكون منسياً في تاريخ العلاقات الإيرانية اللبنانية.

لم تكن المشاركة الإيرانية مجرد مهمة عسكرية روتينية. فقد نظر نظام الشاه إلى لبنان باعتباره ساحة نفوذ عربية مهمة، ومركزاً للإعلام والمعارضة الإيرانية، وموقعاً مناسباً لمراقبة النشاط الفلسطيني والعراقي والسوري. لذلك اجتمع في الكتيبة الإيرانية وجهان متداخلان، وجه رسمي معلن يعمل تحت قيادة الأمم المتحدة، ووجه سياسي أوسع يرتبط بحسابات طهران الإقليمية ونشاط أجهزتها الأمنية في لبنان.

إنها واقعة تكشف وجهاً منسياً للعلاقة بين إيران ولبنان، حضور عسكري سبق الجمهورية الإسلامية وحزب الله، واختلف جذرياً عن النفوذ الإيراني الذي ظهر بعد الثورة.

 

من عملية الليطاني إلى جسر القاسمية

بدأت الحكاية في مارس/آذار 1978، عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان في العملية التي أطلقت عليها اسم عملية الليطاني. جاءت العملية بعد هجوم نفذته مجموعة فلسطينية داخل إسرائيل، لكنها سرعان ما تحولت إلى اجتياح واسع دفع أعداداً كبيرة من السكان اللبنانيين إلى النزوح، وأدخل الجنوب في مرحلة جديدة من الصراع المفتوح.

في 19 مارس أصدر مجلس الأمن القرارين 425 و426، ودعا إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية، كما قرر إنشاء اليونيفيل. حددت للقوة ثلاث مهمات أساسية، التأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية، والمساعدة على استعادة السلم والأمن الدوليين، ومساندة الحكومة اللبنانية في إعادة بسط سلطتها الفعلية على الجنوب. ووصلت طلائع القوة إلى لبنان في 23 مارس، بحسب الرواية الرسمية لليونيفيل.

كانت الحاجة إلى الانتشار سريعة، فلم تنتظر الأمم المتحدة وصول جميع الكتائب الجديدة. استعانت مؤقتاً بوحدات كانت تخدم في بعثات أخرى في المنطقة، ومن بينها سرية إيرانية معززة قوامها 73 عسكرياً نقلت من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان، المعروفة باسم أندوف.

وضعت السرية الإيرانية في القطاع الأوسط، عند منطقة جسر القاسمية على نهر الليطاني. ولم يكن اختيار الموقع اعتباطياً، فالجسر كان ممراً حيوياً إلى منطقة العمليات، والسيطرة على المعابر كانت ضرورية لمراقبة حركة المسلحين والأسلحة ومنع الاحتكاك بين القوات المتقابلة.

ومع قرار توسيع اليونيفيل من أربعة آلاف إلى نحو ستة آلاف عنصر، وصلت كتيبة إيرانية كاملة في الأيام الأولى من يونيو/حزيران 1978. حلت الكتيبة محل السرية المؤقتة وانتشرت جنوب الليطاني، قرب جسر القاسمية، بينما اتخذت من بلدة قلاوية مقرا لقيادتها في الجزء الشمالي من القطاع الأوسط الغربي.

وبحلول سبتمبر/أيلول، كان قوام الوحدة الإيرانية 599 عسكرياً من أصل 5931 عنصراً في اليونيفيل، وفق تقرير الأمين العام للأمم المتحدةوبذلك أصبحت إيران واحدة من الدول الرئيسية المساهمة بقوات المشاة في التشكيل الأول للقوة الدولية.

كان إرسال الكتيبة منسجما مع تصور الشاه لدور إيران الإقليمي. فطهران البهلوية لم تكن ترى نفسها دولة محصورة في حدودها، بل قوة قادرة على التدخل في محيطها وتقديم نفسها شريكاً مسؤولاً للنظام الدولي. وقد سبق لإيران أن شاركت بقوات في بعثات أممية أخرى، الأمر الذي جعل إرسال وحدة إلى لبنان امتداداً طبيعياً لسياستها العسكرية والدبلوماسية.

 

خوذة زرقاء في ميدان بلا سلام

عملت الكتيبة الإيرانية ضمن قيادة اليونيفيل. شملت مهماتها مراقبة الطرق والمعابر، وإقامة نقاط ثابتة وحواجز، وتسيير الدوريات، ومنع دخول الأفراد المسلحين والأسلحة إلى منطقة انتشار القوة الدولية.

وتشير التقارير الأممية إلى مشاركة عناصر إيرانية، إلى جانب وحدات سنغالية وفرنسية وسويدية، في تسلم بعض المواقع التي أخلتها القوات الإسرائيلية خلال المرحلة الثالثة من الانسحاب، في أبريل/نيسان 1978.

لكن عبارة حفظ السلام كانت أكبر من الإمكانات المتاحة على الأرض. ففي المرحلة الأخيرة من الانسحاب الإسرائيلي، يوم يونيو/حزيران، لم تسلم معظم المواقع المخلاة إلى اليونيفيل، بل إلى جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد والمدعوم من إسرائيل. وهكذا وجدت القوة الدولية نفسها في مساحة مضطربة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها من جهة، وقوات حداد وإسرائيل من جهة أخرى، فيما كانت الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض سلطتها بسبب الحرب الأهلية.

لم تكن قواعد عمل اليونيفيل تسمح للكتيبة الإيرانية، أو لأي كتيبة أخرى، بخوض حرب لفرض تنفيذ القرارات الدولية. ولذلك تمثلت القيمة العملية للوجود الإيراني في شغل المواقع ومراقبة التحركات وتقليل احتمالات الاشتباك والمحافظة على قناة اتصال دولية في منطقة تنازعتها قوى عدة.

امتد عمل اليونيفيل عموماً إلى مساعدة سكان الجنوب على انتشال القتلى والجرحى والبحث عن المفقودين، وتوفير العلاج والإيواء المؤقت، وإزالة الألغام والقنابل، والمساهمة في إصلاح شبكات المياه والكهرباء والمدارس. الإيرانيون كانوا جزءا من القوة التي اضطلعت بهذه المهمات.

وفي الوقت نفسه، حمل الجنود معهم ظل النظام الذي أرسلهم. ذلك أن عدداً من أفراد الوحدة الإيرانية كانوا مرتبطين بجهاز الاستخبارات والأمن الإيراني السافاكويتوافق ذلك مع نشاط السافاك المعروف في لبنان، حيث راقب الجهاز المعارضين الإيرانيين الذين أقاموا علاقات مع الفصائل الفلسطينية، وسعى إلى جمع المعلومات والتأثير في الصحافة والسياسة اللبنانية.

وهنا تكمن خصوصية الحضور الإيراني زمن الشاه. فلم يكن مشروعاً عقائدياً شيعياً مسلحاً على صورة النفوذ الذي بنته الجمهورية الإسلامية لاحقاً، لكنه لم يكن عملاً إنسانياً منزوع السياسة أيضاً. كانت المشاركة في اليونيفيل وسيلة لإظهار إيران بوصفها دولة إقليمية منضبطة تعمل من خلال المؤسسات الدولية، بينما واصلت أجهزتها، في الخلفية، حماية مصالح النظام وفي مراقبة خصومه.

 

ثورة في طهران وفراغ في الجنوب

بحلول يناير/كانون الثاني 1979، كانت إيران نفسها تقف على حافة انقلاب تاريخي. شلت الإضرابات والاحتجاجات مؤسسات الدولة، وواجه الجيش أزمة متزايدة في القيادة والولاء، فيما كان الشاه يستعد لمغادرة البلاد في 16 يناير.

عملية سحب الكتيبة بدأت في يناير/كانون الثاني واكتملت في أواخره، بينما كان نظام الشاه يتفكك. كما وعليه، لم يكن الرحيل مجرد نهاية طبيعية لفترة خدمة دورية، بل قراراً فرضته أزمة الدولة الإيرانية وانهيار السلطة التي التزمت بالمشاركة.

انتهى بذلك فصل قصير سبق العلاقة الإيرانية اللبنانية المعروفة اليوم. فبعد الثورة تغيرت طبيعة الحضور الإيراني جذرياً، من جنود نظاميين تحت خوذات الأمم المتحدة وقيادة متعددة الجنسيات، إلى نفوذ ثوري بني تدريجيا عبر الحرس الثوري جماعات لبنانية مسلحة وسياسية.

أما كتيبة الشاه فبقيت صورة من زمن انتقالي، إيران ملكية تبحث عن المكانة من خلال النظام الدولي، وجنوب لبناني يختبر حدود قدرة ذلك النظام أمام الاحتلال والحرب الأهلية والقوى المسلحة التي لا تخضع للدولة.

لم تصنع الكتيبة الإيرانية سلاماً دائماً، ولم يكن ذلك ممكناً في ظروف 1978. لكنها أسهمت في الانتشار الأول لليونيفيل، ومراقبة انسحاب إسرائيلي جزئي ومعقد، وتثبيت حضور دولي فوق أرض كان الجميع يتنازعها.

والأهم أن قصتها تذكر بأن علاقة إيران بلبنان لم تبدأ مع الجمهورية الإسلامية، وأن الجنوب، قبل ظهور محور المقاومة، كان مسرحاً لسياسة إيرانية مختلفة، أكثر ارتباطاً بالأمم المتحدة والغرب، لكنها لم تكن أقل إدراكاً لقيمة لبنان في معادلات النفوذ الإقليمي.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث