شنّ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ غارتين على بلدة المنصوري، في أحدث حلقات يوم ميدانيّ توزّع بين التوغّلات، والقصف المدفعيّ، وعمليّات التفجير، والتمشيط الجوّيّ. وبالتزامن، أعادت وزارة الخارجيّة والمغتربين رسم حدود العلاقة مع إيران، ردًّا على تصريحات وزير خارجيّتها عبّاس عراقتشي، مؤكّدة أنّ العلاقات بين الدول تُدار عبر مؤسّساتها الدستوريّة والشرعيّة، لا من خلال "أطراف" أو "فصائل" داخلها، وأنّ احترام السيادة مبدأ متبادل لا يحتمل الانتقائيّة.
ويتجاوز التزامن بين الحدثين المصادفة السياسيّة. ففي الجنوب، ترفض إسرائيل الانسحاب وتطعن في قدرة الجيش اللبنانيّ على تسلّم المناطق، فيما تربط واشنطن أيّ تقدّم بنزع سلاح "حزب الله". أمّا إقليميًّا، فتؤكّد الدولة اللبنانيّة أنّها الجهة الوحيدة المخوّلة إدارة علاقاتها وقرارها. وهكذا، يصبح جوهر الأزمة واحدًا: من يمثّل لبنان، ومن يملك قرار الحرب والتفاوض، وكيف يمكن للدولة أن تستعيد سيادتها فيما تحتلّ إسرائيل أرضها، ويحتفظ الحزب بسلاحه، وتتعامل إيران معه بوصفه قناة نفوذ داخل النظام اللبنانيّ؟
اتصال قطري لبناني
تلقّى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني اتصالاً هاتفياً، اليوم، من رئيس الجمهورية جوزاف عون، جرى خلاله استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها.
وثمّن عون، خلال الاتصال، مواقف دولة قطر الداعمة للبنان، وجهودها الرامية إلى دعم أمنه واستقراره، معرباً عن تقديره للدعم القطري المتواصل للبنان وشعبه.
من جهته، جدّد أمير قطر تأكيد موقف بلاده الداعم للبنان ووقوفها إلى جانب الشعب اللبناني، معرباً عن أمله في أن تسهم الجهود الدبلوماسية في تعزيز الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة.
كما تناول الاتصال عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك.
علي الطاهر: ذريعة إسرائيليّة لتعليق الانسحاب
تؤكّد المؤشّرات الميدانيّة والسياسيّة أنّ إسرائيل لا تستعدّ للعودة قريبًا إلى التفاوض، ولا للانسحاب من منطقة تجريبيّة جديدة. وفي المقابل، يواصل لبنان الرهان على المساعي الأميركيّة، من دون إعلان حجم العراقيل الإسرائيليّة، فيما لا يزال مصير القوّة البديلة من اليونيفيل معلّقًا.
ووفق تقرير نشره موقع "المونيتور"، تواجه إسرائيل معضلة في مرتفعات علي الطاهر، إذ تريد مواصلة الضغط على "حزب الله" من دون الانجرار إلى مواجهة أوسع مع إيران أو الاصطدام برغبة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في منع تجدّد الحرب الإقليميّة.
وزعمت مصادر أمنيّة إسرائيليّة أنّ القوّات الإسرائيليّة تحاصر منذ أكثر من شهرين عشرات من عناصر الحزب وعددًا غير معلوم من أفراد الحرس الثوريّ الإيرانيّ داخل منشأة تحت الأرض. وبحسب هذه الرواية، تسيطر إسرائيل على الطرق المؤدّية إلى المنشأة، لكنها تتجنّب مهاجمتها بصورة شاملة خشية ردّ إيرانيّ يعيد فتح المواجهة الإقليميّة.
لكنّ خطورة الرواية الإسرائيليّة لا تقتصر على صحّة المزاعم المتعلّقة بالمنشأة. فتل أبيب تستخدمها لتبرير البقاء في منطقة لبنانيّة، وتحويل الانسحاب من التزام سياسيّ وقانونيّ إلى قرار أمنيّ إسرائيليّ تحدّد توقيته وشروطه بنفسها. وبذلك، تصبح مرتفعات علي الطاهر نموذجًا لاحتلال مفتوح المدة، يربط الانسحاب بتقييم إسرائيل للتهديد، لا بتنفيذ الاتفاقات.
اتهام الجيش تمهيدًا لتوسيع شروط المنطقة التجريبيّة
وتزعم مصادر إسرائيليّة أنّ الجيش اللبنانيّ لا يبذل جهدًا كافيًا لنزع سلاح "حزب الله" في القريتين المشمولتين بالمشروع التجريبيّ، وأنّه لا يفتّش المنازل الخاصّة التي يُشتبه في تخزين السلاح داخلها.
ويكشف هذا الطرح محاولة لتعديل وظيفة الجيش اللبنانيّ وفق الشروط الإسرائيليّة. فالمطلوب، وفق هذه المقاربة، لا يقتصر على انتشاره وتسلّمه المنطقة، بل يشمل تنفيذ عمليّات تفتيش واسعة بناءً على تقديرات إسرائيليّة. وإذا رفض، أو عجز عن ذلك، تستخدم تل أبيب الأمر ذريعةً لتعليق انسحابها.
وهكذا، تتحوّل المنطقة التجريبيّة من اختبار للانسحاب الإسرائيليّ وانتشار الجيش إلى اختبار تضع إسرائيل معاييره بنفسها. وهي معايير تسمح لها باعتبار أيّ منزل هدفًا محتملًا، وأيّ قصور مزعوم في التفتيش سببًا لمواصلة الاحتلال والقصف.
الخارجيّة لإيران: الدولة هي العنوان
في هذا التوقيت، حمل بيان الخارجيّة اللبنانيّة دلالة تتجاوز الردّ الدبلوماسيّ على عراقتشي. فالوزارة رحّبت بحرصه على إقامة علاقات طيّبة مع الحكومة اللبنانيّة، لكنها شدّدت على أنّ العقلانيّة في العلاقات بين الدول تقتضي التعامل عبر المؤسّسات الرسميّة، لا مع قوى أو فصائل داخلها.
وأوضحت أنّ إيران، أو أيّ دولة أخرى، لن تقبل بأن يتجاوز السفير اللبنانيّ مؤسّساتها للتعامل مباشرةً مع أطراف داخليّة، وأنّ لبنان لا يقبل بذلك أيضًا. وبذلك، ثبّت البيان قاعدة واضحة: لا يمكن مطالبة الخارج باحترام سيادة لبنان، فيما يُسمح لأيّ دولة بإدارة نفوذها من خلال تنظيم لبنانيّ مسلّح خارج المؤسّسات.
واشنطن: نزع السلاح يسبق الحوار
في المقابل، طالبت واشنطن "حزب الله" بنزع سلاحه، مؤكّدةً أنّ الحكومة اللبنانيّة هي "المحاور الشرعيّ الوحيد" في المناقشات المتعلّقة بمستقبل لبنان. وأشارت إلى أنّ الحزب يستطيع التحدّث مع الدولة عندما يعلن استعداده لتسليم سلاحه، وعندها يمكن للولايات المتّحدة محاولة تقريب وجهات النظر.
ويعني ذلك أنّ واشنطن لا تعرض حوارًا حول مصير السلاح، بل تشترط حسمه مسبقًا. فالتسليم ليس نتيجةً للتفاوض، بل بوّابةً إليه. وفي الوقت نفسه، لا تقترن هذه المطالبة بضمان أميركيّ واضح لانسحاب إسرائيل أو وقف اعتداءاتها، ما يترك الدولة أمام معادلة غير متوازنة: خطوات لبنانيّة مطلوبة مسبقًا، في مقابل التزامات إسرائيليّة مؤجّلة وغير مضمونة.
برّي: لا بديل من المرجعيّة الدوليّة
وفي ظلّ رفض واشنطن تمديد ولاية اليونيفيل، أكّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ضرورة البحث عن قوّة أمميّة بديلة، تحظى بتوافق أوروبيّ وأميركيّ، وتنتشر في الجنوب تحت علم الأمم المتّحدة.
وشدّد برّي على أنّ الاتفاقات الثنائيّة مع إسرائيل لا تشكّل بديلًا من الحضور الدوليّ، ما دامت تل أبيب ترفض تطبيق "اتفاق الإطار" والالتزام بالمرحلة التجريبيّة. فغياب القوّة الأمميّة يعني، وفق موقفه، خسارة "المستند القانونيّ" الذي يضمن بقاء المرجعيّة الدوليّة ومؤازرة الجيش في بسط سيادة الدولة.
وتلتقي مواقف الخارجيّة وبرّي عند قاعدة واحدة: الدولة هي المرجعيّة، لكن تثبيت هذه المرجعيّة يتطلّب أكثر من إعلان سياسيّ. يتطلّب حصر السلاح بيدها، ومنع التعامل الخارجيّ مع الفصائل، وانسحاب إسرائيل إلى الحدود الدوليّة، والإبقاء على مظلّة أمميّة تحمي تنفيذ الاتفاقات. أمّا انتزاع عنصر واحد من هذه المعادلة وترك العناصر الأخرى معلّقة، فلا يبني سيادةً، بل ينقل لبنان من اختلال إلى آخر.




