"ألما" يرصد تحوّل الحزب: خلايا ومسيّرات بدل منظومات الصواريخ

المدن - سياسةالأحد 2026/08/30
Image-1771585479
حجم الخط
مشاركة عبر

قدّم مركز "ألما" الإسرائيلي للدراسات، في تقييم جديد أصدره في 30 آب 2026، قراءة للتحوّلات التي طرأت على البنية العسكرية لحزب الله بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بقيادته وعناصره وترسانته وبنيته التحتية. وخلص المركز إلى أنّ الحزب لم يعد قادرًا، في المدى القريب، على استعادة نموذج القوّة الواسع الذي امتلكه قبل 7 تشرين الأول 2023، لكنّه لم يُهزم ولم يتخلَّ عن أهدافه، بل بدأ تكييف بنيته وخططه مع مرحلة مختلفة تقوم على حرب طويلة ومنخفضة الوتيرة.

ولا تنبع أهمّية التقييم من الأرقام والسيناريوهات التي يطرحها فقط، بل من طبيعة التصوّر الإسرائيلي للمرحلة المقبلة. فالمركز لا يتعامل مع ضعف الحزب بوصفه نهاية للتهديد، بل بوصفه انتقالًا من خطر مركزي وكثيف إلى تهديد موزّع وأقلّ ظهورًا، يعتمد على الخلايا الصغيرة، والطائرات المسيّرة، والعبوات الناسفة، وعمليات التسلّل المحدودة، وإطلاق الصواريخ بوتيرة متفرّقة.

وبذلك، ينتقل النقاش الإسرائيلي من كيفية مواجهة "جيش" يمتلك منظومات كبيرة وخططًا هجومية واسعة، إلى كيفية منع قوّة مرنة من التكيّف والعمل تحت التفوّق الجوي والاستخباراتي الإسرائيلي. أمّا الخلاصة السياسية التي يريد المركز الوصول إليها، فهي الدعوة إلى تثبيت الاحتلال الإسرائيلي داخل ما يسمّيه "الخطّ الأصفر"، والحفاظ على حرّية الضرب في لبنان، بذريعة إحباط تعافي الحزب قبل أن يستعيد قدراته الاستراتيجية.

 

نموذج القوّة القديم سقط

يرى التقييم أنّ نموذج القوّة الذي بناه حزب الله خلال العقدين الماضيين تعرّض لضربة بنيوية. فقد استند ذلك النموذج إلى ثلاثة أعمدة رئيسية: ترسانة قادرة على إطلاق آلاف الصواريخ والقذائف، وخطّة اجتياح واسعة تنفّذها قوّة الرضوان داخل الجليل، ومنظومة دفاعية كثيفة جنوب الليطاني وشماله، تعتمد على القرى والمناطق الوعرة والأنفاق والبنى الثابتة.

وبحسب "ألما"، لم يعد الحزب قادرًا على تشغيل هذه الخطط بصيغتها السابقة. فالترسانة المتبقّية لا تسمح بإطلاق آلاف المقذوفات يوميًّا على مدى طويل، والبنية التحتية التي استندت إليها خطّة اجتياح الجليل تعرّضت لتدمير واسع، فيما أدّى الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية إلى تعطيل القسم الأكبر من "الحزام الدفاعي الأول" جنوب الليطاني.

لكنّ سقوط النموذج القديم لا يعني، وفق المركز، سقوط التنظيم نفسه. فحزب الله يحاول إعادة ترتيب أولوياته، والانتقال من قدرات كبيرة ومركّزة يسهل رصدها واستهدافها، إلى منظومات أصغر وأكثر استقلالية وانتشارًا. وهذا التحوّل قد يخفض حجم النيران اليومية، لكنّه يجعل التهديد أقلّ ارتباطًا بمراكز قيادة ثابتة، وأكثر قدرة على الاستمرار تحت الضغط.

 

حرب عصابات داخل "المنطقة الأمنية"

يخصّص التقييم حيّزًا واسعًا لما يسمّيه التهديد داخل "المنطقة الأمنية" التي أنشأها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، ويحدّد ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تواجه القوات الموجودة فيها.

يتمثّل السيناريو الأول في وجود عناصر من حزب الله بقيت "عالقة" خلف خطوط التقدّم الإسرائيلي، واختبأت داخل الأنفاق أو المنازل أو المناطق الوعرة. وقد تكون هذه العناصر انقطعت عن قيادتها، لكنّها تحتفظ بإمكان إطلاق النار أو زرع العبوات واستهداف القوات خلال عمليات التمشيط.

أما السيناريو الثاني، فهو تنفيذ محاولات تسلّل منظّمة لخلايا صغيرة إلى المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، بهدف مراقبة تحرّكات القوات، واكتشاف نقاط ضعفها، وزرع العبوات أو تنفيذ هجمات قريبة، ثمّ الانسحاب أو الاختباء ضمن البيئة المدنية.

ويتمثّل السيناريو الثالث في الأسلحة والعبوات والبنى العسكرية المتبقّية فوق الأرض وتحتها. ويستند المركز إلى الانتشار السابق لأسلحة الحزب داخل المنازل والمباني والمنشآت والمناطق الزراعية، لافتراض أنّ بعض المواقع قد يكون مفخّخًا أو قابلًا للتفجير عند دخول القوات الإسرائيلية إليه.

ويورد التقرير، في هذا السياق، حادثة مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة أربعة آخرين بانفجار داخل مبنى في مجدل زون، في 5 آب. ويقرّ المركز بعدم امتلاكه معلومات حاسمة عن ملابسات الانفجار، لكنه يضع فرضيتين: أن تكون خلية قد تسلّلت وزرعت عبوة، أو أن يكون المبنى مفخّخًا مسبقًا.

تكشف هذه القراءة مأزق الاحتلال نفسه. فالمنطقة التي تقدّمها إسرائيل بوصفها عمقًا أمنيًّا يحمي قواتها ومستوطناتها، قد تتحوّل تدريجيًّا إلى مساحة استنزاف مفتوحة. وكلّما توسّعت رقعة السيطرة، ازدادت الحاجة إلى قوات ثابتة، وعمليات تمشيط، وجهد استخباراتي وهندسي متواصل، بما يعيد إنتاج بعض خصائص تجربة الشريط المحتلّ قبل العام 2000.

 

التعافي تحت قيود متعدّدة

يقدّر "ألما" أنّ حزب الله يستثمر موارد كبيرة في إعادة بناء قوّته، لكنه يواجه بيئة أكثر تقييدًا من أيّ مرحلة سابقة. ففي الداخل اللبناني، ازدادت الرقابة على المطارات والمرافئ والمعابر، وتقلّصت حرّية حركة العناصر الإيرانية، من دون أن يعني ذلك تفكيك شبكات الحزب أو توقّف عمليات إدخال الأموال والأسلحة والمكوّنات.

أما في سوريا، فأدّى سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 إلى خسارة الحزب وإيران الممرّ البرّي الذي كان يعمل تحت حماية سلطة حليفة. ولا تزال الأراضي السورية، بحسب التقرير، تُستخدم للتهريب عبر طرق محلية وأنفاق وشبكات عشائرية وإجرامية، لكنّ عمليات النقل أصبحت أكثر صعوبة وعرضة للضبط.

ويشير التقييم إلى أنّ ما يُعلَن عن إحباطه لا يكشف بالضرورة حجم ما ينجح في الوصول. ولذلك، تبقى سوريا جزءًا أساسيًّا من البنية اللوجستية الإيرانية، وإن لم تعد "طريقًا سريعًا" خاضعًا لسيطرة فيلق القدس وحزب الله.

في الوقت نفسه، يضع المركز حرّية الحركة العسكرية الإسرائيلية بوصفها العقبة الأبرز أمام تعافي الحزب. وهو يستخدم هذا الاستنتاج للدعوة إلى مواصلة استهداف القادة والمخازن وورش الإنتاج وعمليات نقل الأسلحة، ليس جنوب الليطاني فقط، بل في جميع الأراضي اللبنانية. وهنا يتجاوز التقييم تشخيص قدرات الحزب، ليقدّم تبريرًا أمنيًّا لاستدامة الاعتداءات الإسرائيلية وإبقائها خارج أيّ ضوابط زمنية أو جغرافية.

 

المسيّرات في صدارة الأولويات

يضع التقرير الطائرات المسيّرة، ولا سيّما طائرات "FPV"، في صلب نموذج القوّة الجديد. فهي أقلّ كلفة من الصواريخ الدقيقة والمنظومات الاستراتيجية، ويمكن تجميعها من مكوّنات مدنية متاحة، كما تستطيع التحليق على ارتفاعات منخفضة واستهداف الجنود والآليات والمواقع المحدّدة.

وتزداد خطورتها، بحسب "ألما"، عند استخدام كابلات الألياف الضوئية بدل الاتصالات اللاسلكية، بما يقلّل تأثّرها بالتشويش والحرب الإلكترونية. ويرجّح المركز أن يحاول حزب الله تحويل هذه المسيّرات إلى "جهد حاسم" في أيّ مواجهة مقبلة، مستفيدًا من تجارب الحروب الحديثة وسهولة نقل المعرفة التقنية.

إلّا أنّ امتلاك المسيّرات لا يعني تلقائيًّا امتلاك قدرة عملياتية متكاملة. فتشغيلها ليلًا، ومن دون نظام تحديد المواقع العالمي، وفي مناطق جبلية أو بواسطة الألياف الضوئية، يتطلّب مشغّلين ذوي خبرة وتدريبًا متخصّصًا. ويعتقد المركز أنّ نقص هؤلاء المشغّلين سيحدّ من سرعة تطوّر المنظومة، حتى مع رفع وتيرة التدريب.

وتبعًا لذلك، يتوقّع التقرير أن تتركّز المواجهة المقبلة على سلسلة بناء هذه القدرة. فالحزب سيعمل على شراء المكوّنات وتجميعها وتدريب المشغّلين، فيما ستحاول إسرائيل استهداف المدرّبين والمشغّلين والمخازن وورش التجميع، بالتوازي مع تطوير وسائل الكشف والاعتراض والتشويش.

 

صواريخ أقلّ ونيران أكثر تفرّقًا

يقدّر المركز أنّ حزب الله يمتلك حاليًّا ما بين عشرة آلاف و15 ألف صاروخ من مديات مختلفة. وهي ترسانة لا تكفي، وفق قراءته، لاستعادة خطّة إطلاق آلاف المقذوفات يوميًّا لفترة طويلة، لكنها تتيح الحفاظ على نيران متفرّقة من مناطق متعدّدة وعلى أهداف متنوعة.

ولا يكون الهدف من هذا النمط تحقيق دمار استراتيجي واسع بالضرورة، بل إبقاء الجبهة مفتوحة، وتوسيع المناطق الواقعة تحت التهديد، وإثبات قدرة الحزب على مواصلة إطلاق النار على الرغم من الخسائر. أي إنّ الوظيفة السياسية للنيران تصبح الحفاظ على سردية "الصمود"، بدل حسم المواجهة عسكريًّا.

في المقابل، يشكّك "ألما" في فاعلية بعض القدرات الأكثر تعقيدًا، مثل الصواريخ الدقيقة والجوالة، والصواريخ الساحلية المضادّة للسفن. ويرى أنّ استخدامها خلال الحرب كان محدودًا للغاية، إن حصل أصلًا، مقارنة بالكلفة العالية لتطويرها وصيانتها وتشغيلها.

ولا يستبعد التقرير محاولة إيران والحزب استعادة بعض هذه المنظومات، خصوصًا القادرة منها على تهديد أهداف إسرائيلية عالية القيمة. كما يرجّح إعطاء الدفاع الجوي أولوية خاصة، بهدف تقييد حرّية الطيران الإسرائيلي، حتى إذا تعذّر إنهاء التفوّق الجوي لإسرائيل.

 

تسلّل محدود بدل اجتياح الجليل

على المستوى البرّي، يتوقّع المركز الانتقال من خطّة اجتياح واسعة إلى عمليات تنفّذها خلايا لا يتجاوز عدد عناصرها العشرات. ويمكن أن تتسلّل هذه الخلايا إلى "المنطقة الأمنية" أو داخل إسرائيل، وتنفّذ هجومًا محدودًا قبل الانسحاب.

ويبرز أيضًا سيناريو "العمليات الخاصة"، أي إرسال فرد أو خلية صغيرة سرًّا لزرع عبوة أو تنفيذ هجوم في العمق. ويستحضر التقرير عملية مجيدو في آذار 2023، عندما تسلّل عنصر فلسطيني وزرع عبوة ناسفة داخل إسرائيل، مدّعيًا أنّ حزب الله تولّى تجنيده وتدريبه وإدارته.

ويرى المركز أنّ الحزب قد يعطي هذه العمليات أولوية لأنها تجمع بين الكلفة المنخفضة والأثر الأمني والإعلامي المرتفع. فعملية محدودة في العمق يمكن أن تعوّض، رمزيًّا، العجز عن شنّ اجتياح واسع، وأن تظهر استمرار القدرة على اختراق المنظومة الأمنية الإسرائيلية.

 

العنصر الإيراني باقٍ

يقدّر "ألما" أنّ عدد عناصر حزب الله النظاميين أصبح أقلّ من 40 ألفًا، إلى جانب عشرات الآلاف من عناصر الاحتياط والمجنّدين عند الحاجة. كما يزعم أنّ الجيش الإسرائيلي قتل نحو عشرة آلاف عنصر، بين نظاميين واحتياط، خلال الحرب.

لكنّ الضرر الأهمّ، وفق التقييم، لا يقتصر على العدد. فاستهداف القادة والمدرّبين والخبراء التقنيين يضرب مراكز المعرفة، ويؤخّر تدريب جيل بديل وتشغيل المنظومات المعقّدة. ولهذا السبب، تبدو القدرات الرخيصة والبسيطة والمتفرّقة أكثر قابلية للاستعادة من المنظومات الاستراتيجية.

ولا تزال إيران، بحسب التقرير، صاحبة تأثير كبير في قرارات الحزب المتعلّقة بشراء الأسلحة وإعادة بناء القوّة. ويشير إلى مشاركة عناصر من "فيلق لبنان" التابع لفيلق القدس في توجيه هذه العملية، مع تركّز المستشارين والمدرّبين الإيرانيين في بيروت والبقاع. لكنه يستبعد، في الوقت الراهن، وجودًا عملياتيًّا إيرانيًّا جنوب الليطاني، على الرغم من التقارير التي تحدّثت عن عناصر إيرانية داخل أنفاق علي الطاهر.

 

قراءة تبرّر استدامة الاحتلال

يصل "ألما" إلى أنّ حزب الله ينتقل من بنية عسكرية واسعة ومركّزة إلى قوّة موزّعة ومرنة، قادرة على الحفاظ على "استمرارية وظيفية" بوسائل أقلّ كلفة. وهو تحوّل قد يخفّض مستوى التهديد الآني، لكنه يزيد صعوبة القضاء عليه، لأنّ الخلايا الصغيرة والمسيّرات والعبوات أقلّ ظهورًا وأسهل إعادةً للبناء.

غير أنّ التقييم لا يكتفي برصد هذا التحوّل، بل يبني عليه توصية واضحة: استغلال ضعف الحزب، وتراجع القدرة الإيرانية، وتغيّر السلطة في سوريا، وحرّية الحركة الإسرائيلية، لضرب مسار التعافي منذ مراحله الأولى، أي الشراء والتهريب والإنتاج والتخزين والتدريب ونقل المعرفة.

وبذلك، يقدّم المركز أساسًا نظريًّا لإدامة الاحتلال داخل "الخطّ الأصفر"، وتوسيع نطاق الضربات في لبنان تحت عنوان منع إعادة بناء القوّة. والمفارقة أنّه يعترف، في الوقت نفسه، بأنّ هذه المنطقة قد تتحوّل إلى ساحة حرب عصابات تستنزف الجيش الإسرائيلي.

فالاحتلال الذي يُقدَّم بوصفه حلًّا للتهديد قد يصبح عاملًا في إعادة إنتاجه بصورة مختلفة. أما الخطر على لبنان، فيكمن في تحوّل "منع التعافي" إلى ذريعة إسرائيلية مفتوحة، بلا سقف زمني أو حدود جغرافية، تتيح استمرار القصف والاحتلال كلّما ادّعت إسرائيل رصد عنصر أو مخزن أو معرفة قابلة للتحوّل إلى قدرة عسكرية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث