يواجه لبنان اليوم معضلة كبيرة في ظل الرفض الأميركي لتمديد ولاية قوات اليونيفيل لعام جديد، ما يفتح الباب أمام فراغ دولي في الجنوب في مرحلة بالغة الحساسية، بالتزامن مع استمرار العدوان الإسرائيلي ومحاولات فرض أمر واقع جديد على لبنان. فغياب القوة الأممية قد يترك الساحة الجنوبية أمام ترتيبات مختلفة، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى أنّ يكون التنسيق بينها وبين الجيش اللبناني حصراً، وهو ما يرفضه لبنان حكماً.
وهو ما يعني أن تصبح ساحة الجنوب، خالية من أي قوة وسطية. فيما يبقى لبنان أمام خشية أساسية من أن يؤدي إنهاء مهمة اليونيفيل إلى فرض أجندة وترتيبات جديدة عليه. ولا يبدو مستبعداً أن يُطرح لاحقاً بديل عن اليونيفيل، ربما بصيغة قوة دولية مختلفة أو بتركيبة جديدة، بعدما لم يلقَ طرح القوة الفرنسية ـ الإيطالية قبولا أميركياً أو إسرائيلياً.
وناقش مجلس الأمن الدولي خلف أبواب مغلقة، طلبا قدمته الحكومة اللبنانية لتمديد ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، المكونة من 8100 عنصر، التي من المقرر أن تنتهي في 31 كانون الأول المقبل. ونقل دبلوماسيان مطلعان لوكالة "أسوشيتد برس"، طلبا عدم الكشف عن هويتهما نظراً لسرية الاجتماع، أن هناك "دعما قويا" بين أعضاء المجلس الـ15 لتمديد ولاية اليونيفيل، خصوصاً في ظل القلق المتزايد من الأوضاع المتقلبة في لبنان، غير أنهما أشارا في الوقت ذاته إلى أن هذا الدعم لم يحظَ بإجماع كافة الأعضاء، إذ دعم أعضاء مجلس الأمن طلبًا لبنانيًا للتمديد، باستثناء المندوب الأميركي.
أميركا ترفض التمديد
وذكر الدبلوماسيان لـ"أسوشيتد برس" أن السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز حضر اجتماع مجلس الأمن يوم الجمعة واستمع لمداخلات الأعضاء، دون أن يعلن عن موقف بالقبول أو الرفض بشأن التمديد المحدود لولاية القوة الأممية.
وبحسب المعلومات، ناقش المجتمعون الخيارات التي سبق أن اقترحها الأمين العام للأمم المتحدة، وهي على ثلاثة مستويات: تعيين بعثة مصغرة غير عسكرية لمهمة المراقبة والإبلاغ، وبعثة متوسطة بصلاحيات أكبر، أو بعثة كبيرة عسكرية بصلاحيات أوسع، ويكون عملها شاملًا على امتداد المنطقة الحدودية في جنوب لبنان.
ووافق أعضاء مجلس الأمن على تمديد مهام اليونيفيل خشية الفراغ الذي سيحدث في جنوب لبنان، بينما يعيش أوضاعًا أمنية بالغة الخطورة. وهناك من دفع من الدول الأعضاء باتجاه وجود دولي من أجل ملء الفراغ، ولكن واشنطن تدعم توجه إسرائيل باعتبار أن اليونيفيل ساهمت في تعزيز قدرات حزب الله، وأن الخيار الأفضل هو آلية الإطار الثلاثي، وأن لا حاجة إلى وجود قوات اليونيفيل بعد أن بدأت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وانتفت الحاجة إلى وجود قوات دولية.
وكانت إسرائيل قد ضغطت لسنوات لإغلاق قوة "اليونيفيل"، ونجحت الولايات المتحدة العام الماضي في فرض إغلاق القوة بحلول 31 كانون الأول.
بينما لبنان لا يزال يعول على إيجاد توافق دولي من أجل التمديد للقوات الدولية، خصوصاً في ظل تأييد عدد كبير من الدول لهذا المسار، أو البحث في البدائل بما يتناسب مع الاعتبارات الأمنية القائمة في الجنوب، بوجود الاحتلال الإسرائيلي في مناطق عدة، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية.
وأُنشِئت اليونيفيل بقرار من مجلس الأمن في آذار 1978، لتأكيد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، واستعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية في استعادة سلطتها الفعلية في المنطقة. وكان لا بدّ من تعديل تفويضها مرتَين، بسبب التطورات التي وقعت في عامي 1982 (الاجتياح الإسرائيلي) و2000 (الانسحاب الإسرائيلي من لبنان). وفي آب 2025، تبنى مجلس الأمن قراراً يقضي بتمديد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ خفض قوامها وانسحابها بشكل منظم وآمن اعتباراً من ذلك التاريخ، وخلال سنة واحدة.




