انتخابات العائلات البيروتية:هل تغيّرت موازين القوى السياسية؟

مالك دغمانالسبت 2026/08/29
GettyImages-2157823457.jpg
لا تتوقف المرحلة المقبلة عند تحديد هوية الفائز بالرئاسة أو توزيع المواقع داخل الهيئة الإدارية.(غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

انتهت مساء الجمعة انتخابات الهيئة الإدارية الجديدة لـ«اتحاد جمعيات العائلات البيروتية»، بعد يوم انتخابي حامٍ تنافست خلاله ثلاث لوائح على 18 مقعداً. أُقفلت صناديق الاقتراع عند الساعة السابعة مساءً، قبل أن يحسم الفرز النتيجة لمصلحة لائحة «عائلات بيروت المستقلة» التي حصدت 11 مقعداً، مقابل 7 مقاعد للائحة «قوتنا في الاتحاد». لكن، إذا كانت الانتخابات قد انتهت بأرقامها وفائزيها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه داخل البيئة البيروتية هو: ماذا بعد؟

 

فالاستحقاق الذي يفترض أن يبقى في إطاره العائلي والاجتماعي، حمل في خلفياته كثيراً من حسابات النفوذ والعلاقات السياسية داخل العاصمة، قبل أن ينتقل بعد إقفال الصناديق إلى مرحلة أكثر صعوبة: كيف يمكن للهيئة الجديدة أن تستعيد دور الاتحاد، في ظل واقع مالي صعب، وتراجع في المشاركة، وتبدل في موازين القوى داخل المؤسسة؟

 

كبي: الاتحاد أداة ضغط.. وميزانيته صفر

في أول حديث له بعد صدور النتائج وفوز لائحته بالأغلبية، ينفي المهندس وليد كبي لـ«المدن» وجود أي خلفية أو تموضع سياسي للائحته، مؤكداً أن وظيفة الاتحاد يجب أن تبقى في إطارها الاجتماعي والخدماتي. ويقول كبي: «إن دور الاتحاد الأساسي هو لمّ شمل العائلات البيروتية، ونحن لسنا فريقاً سياسياً ولا ندخل بهذه النية إطلاقاً، بل نحن مجموعة من المستقلين والعائلات، ولسنا في أي موقع سياسي».

 

لكن الحديث عن استقلالية الاتحاد لا يلغي، بالنسبة إلى كبي، وجود حاجة إلى إعادة تعريف دوره. فالهيئة الجديدة، بحسبه، ترث مؤسسة لا تملك أدوات تنفيذية مباشرة، لكنها تستطيع الضغط على المؤسسات الرسمية. ويشرح: «الاتحاد ليس أداة تنفيذية، ولا يملك صلاحيات الحكومة أو الوزارات للتنفيذ المباشر، بل هو أداة ضغط على الجهات المعنية والمسؤولين لحل المشاكل الكثيرة التي تعاني منها بيروت، وتحديداً الأمور المباشرة التي تهم الناس».

 

ومن هنا، يضع كبي عنواناً واضحاً للمرحلة المقبلة: الخدمات.: «نحن متطوعون، وسنستفيد من طاقات كافة العائلات البيروتية الموجودة في الاتحاد، وإيد بإيد مع رئيس الحكومة نواف سلام نستطيع تقديم الخطط وتنفيذ المطلوب وإنصاف العاصمة»، يقول دون أن ينفي وجود تدخلات سياسية واكبت الاتحاد منذ تأسيسه، وهو الذي كان أحد الشاهدين والمشاركين في التأسيس إلى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لكنه يرى أن المشكلة الأساسية كانت في ابتعاد الاتحاد، خلال السنوات الماضية، عن الدور الذي يفترض أن يؤديه.

 

ويقول لـ«المدن»: «الاتحاد لم يلعب دوره المطلوب منذ زمن، لكننا اليوم مع الجيل الجديد قادرون على إحداث التغيير». المشكلة الأكبر، وفق كبي، تبدأ من المال. ويكشف أن «الميزانية اليوم هي صفر»، موضحاً أن المجلس السابق «اهتم مشكوراً بشراء المقر، لكنه لم يركز على باقي الأولويات والملفات الحيوية». وبالتالي، فإن الهيئة الجديدة لا تبدأ من أرضية مالية مريحة. بل من مؤسسة تملك اسماً وحضوراً تاريخياً، لكنها تحتاج إلى موارد تمكنها من تحويل هذا الحضور إلى عمل فعلي.

 

ويعوّل كبي على المرحلة المقبلة، قائلاً إنه «في العهد الجديد، ورغم الواقع المالي، وبحضور رئاسة الجمهورية والحكومة، وبوجود المتخصصين والخبراء داخل الاتحاد، سنكون قادرين على خدمة أهل بيروت، وتوزيع الخدمات بشفافية وعدالة، والضغط في ملف التعيينات في المؤسسات الرسمية إنصافاً لأبناء العاصمة، وصولاً لتحقيق أكبر قدر ممكن من التنمية والنمو في الملف الخدماتي».

 

الانتخابات انتهت.. لكن اختبار التوافق بدأ

لا تتوقف المرحلة المقبلة عند تحديد هوية الفائز بالرئاسة أو توزيع المواقع داخل الهيئة الإدارية. فبعد حصول لائحته على الأغلبية، سيعقد كبي اجتماعاً أولياً مع الأعضاء الـ11 الفائزين، على أن يعقبه اجتماع موسع يضم الأعضاء الـ18، بهدف الوصول إلى صيغة توافقية. ويقول: «سيكون هناك أولاً اجتماع للأعضاء الـ11 الفائزين عن اللائحة التي حصدت الأغلبية، وسيعقبه اجتماع موسّع يضم الأعضاء الـ18 ككل للوصول إلى حل توافقي يخدم المؤسسة».

ويضيف: «في النهاية، كل العائلات ومن أي فريق كانوا فهم أهلنا وأنسابنا وأحبابنا، وحتماً سنصل إلى التوافق بين الجميع».

وهنا تحديداً تبدأ إحدى أهم مراحل ما بعد الانتخابات. فالهيئة الجديدة ليست مكوّنة من فريق واحد، بل من ممثلين عن لائحتين خاضتا مواجهة انتخابية واضحة. وما كان يُقال خلال الحملات الانتخابية، عن ضرورة إبقاء الاتحاد بعيداً من الاستقطاب، سيحتاج الآن إلى ترجمة عملية داخل المؤسسة نفسها.

 

المشكلة ليست في الانتخابات.. بل في ما بعدها

بحسب مصادر وجهات بيروتية متابعة، فإن التحدي الحقيقي لا يتوقف عند حسابات الربح والخسارة أو توزيع المقاعد والمناصب، بل يرتبط بقدرة الاتحاد على استعادة دوره العملي.

فالواقع المالي يشكل إحدى أكثر العقد إلحاحاً، في ظل غياب ميزانية تشغيلية مستدامة. وهذا الواقع يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة الاتحاد على لعب الدور الاجتماعي الذي ارتبط باسمه تاريخياً، ولا سيما في ملفات المساعدات المدرسية والاستشفائية والإغاثية ودعم العائلات البيروتية المتعففة.

 

وتشير الجهات المتابعة إلى أن الهيئة الجديدة ستجد نفسها أمام امتحان يتجاوز التوافق العائلي والسياسي. المطلوب أولاً تأمين موارد مالية ثابتة، ثم إعادة بناء الثقة مع الشارع البيروتي، وتفعيل المؤسسة على الأرض، بما يجعلها قادرة على تقديم شيء ملموس للعائلات، لا الاكتفاء بتمثيلها داخل هيئة إدارية.

كما تبرز خشية داخلية من أن تنتقل التنافسات الانتخابية إلى مرحلة توزيع المسؤوليات والصلاحيات، خصوصاً أن الهيئة الجديدة تجمع بين أكثر من توجه، وأن التفاهم الذي لم يتحقق قبل الانتخابات سيكون مطلوباً بعد انتهائها. وهذا ما يجعل نتيجة الانتخابات، رغم أهميتها، أقرب إلى بداية مرحلة جديدة منها إلى خاتمة المعركة.

 

معركة سياسية بغطاء عائلي؟

دارت المواجهة الأساسية بين لائحتين مكتملتين: لائحة «قوتنا في الاتحاد» برئاسة رئيس الاتحاد الحالي محيي الدين كشلي، وتضم 18 مرشحاً، ولائحة «عائلات بيروت المستقلة» برئاسة المهندس وليد كبي، وتضم 16 مرشحاً، فيما خاضت السباق لائحة ثالثة غير مكتملة برئاسة الدكتور سامر فاكهاني.

وقبل الوصول إلى صناديق الاقتراع، جرت اتصالات لمحاولة الوصول إلى صيغة توافقية، بما يضمن المداورة ويفتح المجال أمام وجوه جديدة. إلا أن هذه المحاولات لم تصل إلى نتيجة، لينتقل الاتحاد من التسوية إلى المنافسة.

وبحسب مصادر مطلعة لـ«المدن»، خاض محيط «تيار المستقبل» المعركة برؤية حاسمة ترفض التوافق المطروح من بعض العائلات، داعماً لائحة محيي الدين كشلي، في حين جاءت لائحة وليد كبي كإطار يجمع بين خيار الاستقلالية وتقاطع مصالح مع شخصيات بيروتية، أبرزها النائب فؤاد مخزومي.

وفي المقابل، حرص مخزومي في مواقفه، وصولاً إلى دار الفتوى، على التأكيد على الحياد، وأن «بيروت أكبر من أي لائحة»، داعياً إلى إبقاء الاستحقاق في إطاره الديمقراطي والعائلي، بعيداً من الاصطفافات السياسية.

 

لكن الانتخابات، بطبيعتها، كشفت أن الفصل بين العائلي والسياسي ليس بهذه السهولة داخل مؤسسة تمثل عائلات العاصمة. فشبكة العلاقات السياسية، والامتدادات الاجتماعية، وموقع الشخصيات داخل بيروت، كلها عوامل تدخل حكماً في أي استحقاق انتخابي، حتى عندما تكون عناوينه اجتماعية وخدماتية.

والتحدي هنا لا يكمن في وجود السياسة بحد ذاتها، بقدر ما يكمن في ألا تتحول المؤسسة إلى ساحة إضافية للصراع السياسي، على حساب الدور الذي أنشئت من أجله.

 

أرقام صغيرة لمدينة كبيرة

تأسس «اتحاد جمعيات العائلات البيروتية» نهاية التسعينيات على يد نخبة من رجالات العاصمة، بدعم من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ليكون صرحاً اجتماعياً وإغاثياً وخدماتياً يجمع العائلات البيروتية ويقف إلى جانبها في ملفات الاستشفاء والتعليم والاحتياجات اليومية.

 

لكن أرقام الانتخابات الأخيرة تطرح سؤالاً أكبر عن نتيجة الصناديق. فمن أصل أكثر من 3500 عائلة بيروتية، استوفت نحو 91 عائلة فقط شروط سداد الاشتراكات التي تتيح لها التصويت. وبما أن كل عائلة مسددة تمنح ثلاثة أصوات، فإن الكتلة الانتخابية النظرية تبلغ نحو 280 صوتاً، فيما وصل عدد المقترعين إلى نحو 240 صوتاً عند إقفال الصناديق.

أي أن الاتحاد، رغم تمثيله لآلاف العائلات البيروتية، يخوض استحقاقه الانتخابي ضمن قاعدة انتخابية ضيقة نسبياً. وتتوقف مصادر «المدن» والدوائر البيروتية المتابعة عند مفارقة أخرى: تراجع تمثيل عدد من العائلات التي كانت تاريخياً من أبرز مكونات الاتحاد.

فخروج عائلة «سِنّو» بالكامل من الهيئة الإدارية المنتخبة، وعدم فوز أي مرشح يحمل اسمها، عُدّ مفاجأة، خصوصاً أنها كانت تاريخياً ركناً أساسياً ورئيسياً في الاتحاد.

أما عائلة «عيتاني»، التي تتجاوز ديموغرافياً 12 ألف نسمة في العاصمة، فلم يتجاوز تمثيلها في الهيئة المنتخبة مقعداً واحداً، بفوز المرشح رامي عيتاني.

 

وتشير المصادر إلى مفارقة إضافية في الجمعيات العمومية، إذ إن مشاركة عائلات عريقة وكبرى، مثل عيتاني وسنو والمصري، في اتخاذ القرارات الانتخابية وتسديد الاشتراكات لا تتجاوز، وفق تقديراتها، نحو 120 عضواً، فيما يتجاوز عدد أبناء العائلة الواحدة أحياناً 12 ألف شخص.

وهنا يصبح السؤال أكبر من الانتخابات نفسها: هل يعكس الاتحاد اليوم فعلاً الوزن الاجتماعي والديموغرافي للعائلات التي يفترض أن يمثلها؟

 

18 فائزاً.. وامتحان واحد

أسفرت النتائج النهائية عن فوز لائحة «عائلات بيروت المستقلة» بـ11 مقعداً، مقابل 7 مقاعد للائحة «قوتنا في الاتحاد».

 والفائزون عن لائحة «عائلات بيروت المستقلة» هم: جميل الحوت (139 صوتاً)، نادر الشعار (137 صوتاً)، زياد دندن (130 صوتاً)، باسم نعماني (126 صوتاً)، هيثم ياسين (121 صوتاً)، عبد الرزاق فايد (118 صوتاً)، ماريا عضاضة (116 صوتاً)، هاني نصولي (115 صوتاً)، وليد كبي (112 صوتاً)، مروان الصفح (110 أصوات)، خالد القرق (109 أصوات).

 

أما الفائزون عن لائحة «قوتنا في الاتحاد» فهم: منير الحافي (125 صوتاً)، رامي عيتاني (121 صوتاً)، حسن بربور (114 صوتاً)، خضر لاوند (114 صوتاً)، وليد دمشقية (111 صوتاً)، ندى يموت (110 أصوات)، سامي بليق (109 أصوات).

الانتخابات إذاً حسمت شكل الهيئة الإدارية، لكنها لم تحسم مستقبل الاتحاد. فالأغلبية باتت مع لائحة «عائلات بيروت المستقلة»، لكن أمامها هيئة تضم 18 عضواً لا 11 فقط، ومدينة تواجه أزمات اجتماعية واقتصادية وخدماتية متراكمة، وقاعدة انتخابية محدودة، ومؤسسة تعترف قيادتها الجديدة بأن ميزانيتها الحالية «صفر». ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في قدرة أي طرف على تسجيل انتصار انتخابي، بل في قدرته على تحويل هذا الانتصار إلى عمل.

فإذا تمكنت الهيئة الجديدة من تجاوز الاصطفافات، وتأمين التمويل، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإعادة الاتحاد إلى الملفات التي تعني البيارتة مباشرة، يمكن للانتخابات أن تكون نقطة انطلاق فعلية.

 

أما إذا بقيت المعركة محصورة في توزيع المواقع والنفوذ، فقد يكون الاتحاد قد أنهى انتخابات جديدة، من دون أن ينهي أزمته القديمة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث