وجه رئيس مجلس النواب نبيه بري رسالة إلى مؤتمر الوحدة الإسلامية المنعقد في طهران أكد فيها "أن أخطر ما يواجه العالم الإسلامي اليوم ليس أن تتعدد اجتهاداته، بل أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة، والمذهب إلى عصبية، والسياسة إلى فتنة، والدين إلى أداة في الصراع".
تلا الرسالة ممثل بري إلى المؤتمر، مفتي صور وجبل عامل الشيخ حسن عبد الله، توجه فيها إلى الحاضرين: "إن الوحدة ليست وحدة الألوان والأسماء، ولا وحدة تقوم على إلغاء الاختلاف. فالإسلام في تاريخه وحضارته عرف التعدد في الاجتهاد والمدارس والمذاهب، ولم يجعل من الاختلاف في الرأي سبباً للعداء. إن الوحدة التي نحتاجها هي أن نختلف من دون أن نتقاتل، وأن نتعدد من دون أن نتفرق، وأن نبحث عن المشترك الذي يجعل من تنوعنا قوة لا ذريعة للانقسام".
وأضاف: "نلتقي اليوم في رحاب هذا المحفل المبارك، بدعوة كريمة من "المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية"، لمناسبة "المؤتمر الدولي للوحدة الإسلامية"، تحت عنوان ليس شعارا عابرا، بل عنوان يلامس واحدة من أعمق حاجات أمتنا وأكثرها إلحاحا: الوحدة الإسلامية".
وقال: "إن أخطر ما يواجه العالم الإسلامي اليوم ليس أن تتعدد اجتهاداته، بل أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة، والمذهب إلى عصبية، والسياسة إلى فتنة، والدين إلى أداة في الصراع. إن مسؤولية العلماء والمفكرين ليست في أن يزيدوا جدران المسافة بين أبناء الأمة، بل في أن يفتحوا نوافذ الحوار، وأن يعيدوا إلى الخطاب الديني قدرته على الجمع، وإلى الثقافة قدرتها على بناء الجسور، وإلى السياسة أخلاقها التي تمنع تحويل الاختلاف إلى اقتتال".
وأكد "إننا بحاجة اليوم إلى فقه جديد للوحدة، فقه يجعل حرمة الدم مصانة، وكرامة الإنسان محفوظة، والاختلاف حقا، والحوار واجبا، والتكفير محرما، والفتنة عدوا مشتركا. نحتاج إلى وحدة لا تخاف من التنوع، وإلى إيمان لا يحتاج إلى كراهية الآخر كي يثبت ذاته". وتابع: "حين نتحدث عن الوحدة الإسلامية في فكر سماحة السيد علي الخامنئي، فإننا لا نتحدث عن فكرة هامشية في مشروعه الفكري، ولا عن موقف ظرفي فرضته التحولات السياسية، إنما نتحدث عن مبدأ أصيل ورؤية متكاملة للأمة ومستقبلها وموقعها في العالم. ولكي تتحقق هذه الوحدة، يرى الإمام الشهيد أن الأمة يجب أن تركز جهودها على مواجهة المخاطر التي تهدد كيانها، في جبهة مواجهة الفكر التكفيري في الداخل، وجبهة التصدي للمشروع الصهيوني- الاستكباري في الخارج. وعندما نتحدث عن دور العلماء في تثبيت دعائم الوحدة في هذا المؤتمر المبارك، لا بد لنا من أن نستحضر بكل إجلال وإكبار سيرة ذلك العالم الجليل والمصلح الاستثنائي والمفكر الفقيه الإسلامي، العلامة المغيب السيد موسى الصدر".
فكر الإمام الصدر
وأضاف: "لقد آمن الإمام السيد موسى الصدر بأن المذاهب الإسلامية هي نوافذ غنى، وليست خنادق صراع. فكان سباقاً في مد الجسور، ونادى بكلمته التاريخية الخالدة التي لخصت جوهر حركته في حركة المحرومين حركة أمل: "اجتمعنا من أجل الإنسان الذي كانت من أجله الأديان، وإن الأديان واحدة في البدء والهدف والمسار، وعندما التفتت إلى خدمة الإنسان تلاقت والتمت".
وتابع: "فالقدس وفلسطين ليستا قضية جغرافية لشعب واجه الظلم بمفرده، بل هي اختبار لضمير الأمة وإسلامها. واليوم، نرى هذا الفكر يتجسد واقعا حيا في الملحمة الأسطورية التي تسطرها غزة، والصلابة التاريخية التي يواجه بها لبنان العدوان الإسرائيلي الغاشم. ولم تقف أطماع هذا الحلف الشيطاني عند غزة وبيروت، بل امتدت يد العدوان الأميركي - الإسرائيلي إلى قلب الجمهورية الإسلامية في إيران، في محاولة بائسة لكسر حلقة الوحدة وعمودها الفقري المستند إلى خيار المقاومة".
ولفت إلى ان "هذا الاستهداف المباشر لطهران، والذي ارتقى فيه الإمام الراحل الشهيد السيد علي الخامنئي شهيدا في عمله ب "مقر القيادة" إثر قصف أميركي - إسرائيلي غاشم، جاء ليؤكد أن إيران لم تكن يوما تدير معركة بالوكالة، بل كانت وما زالت في قلب المعركة، تدفع أثمان تمسكها ببوصلة الوحدة والدفاع عن قضايا الأمة المستضعفة".
وأردف: "لقد آن الأوان لأن ننتقل من مؤتمرات الوحدة إلى صناعة الوحدة، ومن الحديث عن التقارب إلى مؤسسات التقارب، ومن بيانات التضامن إلى مشاريع التعاون، ومن إدارة الخلاف إلى حسن إدارة الاختلاف. فلا يكفي أن نلتقي لنتحدث عن الوحدة، بل يجب أن نخرج من هذا اللقاء بخطوات تجعل الوحدة ممارسة يومية في التعليم والإعلام، والثقافة والمؤسسات الدينية والاجتماعية".
ولعل أهم ما يمكن أن نفعله هو أن نربي جيلا جديدا لا يرث الكراهية، ولا يتعلم أن أخاه المختلف عنه هو عدوه. فلنعلم أبناءنا أن المذاهب الإسلامية أبواب متعددة إلى فضاء حضاري واحد، وأن اختلاف الاجتهاد لا يفسد أخوة الإيمان، وأن الأمة التي تجمعها القبلة والكتاب والرسول والقيم الكبرى لا يجوز أن تفرقها أمور أخرى".
واعتبر ان "الوحدة الإسلامية ليست حلما مستحيلا، لكنها تحتاج إلى شجاعة: شجاعة الاعتراف بأننا أخطأنا حين جعلنا بعض خلافاتنا أكبر من قضايانا الكبرى، وشجاعة تجاوز الحساسيات، وشجاعة الإصغاء إلى الآخر، وشجاعة تقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة"، لافتا إلى ان "الوحدة الإسلامية ليست مسؤولية عالم دون آخر، ولا مذهب دون مذهب، ولا دولة دون دولة ؛ إنها مسؤولية كل من يؤمن بأن قوة الأمة في اجتماعها، وأن كرامتها في تضامنها، وأن مستقبلها في قدرتها على تحويل التنوع إلى ثراء، والاختلاف إلى حوار، والإيمان إلى عمل".




