"الاستثناء أكثر دلالة من القاعدة؛ فالقاعدة لا تثبت شيئًا، أما الاستثناء فيثبت كل شيء" (كارل شميدت).
كتب كارل شميت في العبارة الافتتاحية لكتابه " اللاهوت السياسي": "السيّد هو من يقرّر في شأن حال الاستثناء". وتضيء هذه العبارة جانبًا أساسيًا من سياسة نتنياهو، فالقوة السيادية لا تظهر فقط في إدارة الحرب، بل في احتكار تحديد متى تنتهي الضرورة الأمنية وتعود السياسة إلى قواعدها العادية. وما دام نتنياهو قادرًا على تعريف الخطر بوصفه وجوديًا، وعلى إبقاء معايير الانتصار مفتوحة، فإنه يحتفظ عمليًا بسلطة تمديد الاستثناء وتأجيل ما يترتب على السلام من انسحاب وحدود ومساءلة واعتراف بالحقوق الفلسطينية.
منذ هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يقدّم بنيامين نتنياهو الحرب بوصفها معركة وجودية لا يمكن إخضاعها للمقاييس السياسية والقانونية المعتادة. وقد حدّد أهدافها بالقضاء على حركة حماس، واستعادة الرهائن، وضمان ألّا تعود غزة مصدر تهديد لإسرائيل. تبدو هذه الأهداف للوهلة الأولى محددة، لكنها صيغت بطريقة تجعل التحقق من إنجازها شبه مستحيل: ما المعيار الذي يثبت القضاء الكامل على تنظيم سياسي وعسكري؟ ومتى يمكن الجزم بأن غزة لن تشكّل تهديدًا في المستقبل؟ إن غياب معيار قابل للقياس يسمح بتحويل الحرب من وسيلة مؤقتة إلى وضع سياسي مفتوح النهاية.
لفهم هذا المنطق، يفيد الرجوع إلى مفهوم "حال الاستثناء" عند المفكر الألماني كارل شميدت، ثم إلى إعادة صياغته لدى الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن. كتب شميدت أن "السيّد هو من يقرر في حال الاستثناء". فالدولة، في الظروف العادية، تعمل من خلال القواعد والقوانينن لكنها حين تعلن وجود خطر يهدد بقاءها، تمنح السلطة التنفيذية حق تجاوز القاعدة بحجة إنقاذ النظام نفسه. الاستثناء عند شميدت ليس غيابًا تامًا للقانون، بل لحظة يكشف فيها صاحب السلطة أنه قادر على تعليق القانون أو تحديد مجال تطبيقه.
لا يعني ذلك أن نتنياهو قرأ شميدت وقرر تطبيق نظريته حرفيًا. المقصود أن خطابه السياسي يتحرك داخل المنطق نفسه، يفترض فيه أن إسرائيل تواجه خطرًا وجوديًا، والظروف استثنائية، ولذلك تصبح القيود القانونية والسياسية والأخلاقية العادية غير ملائمة، أو يمكن تأجيلها إلى ما بعد الانتصار. وبما أن تعريف الانتصار يظل غامضًا ومتغيرًا، يستمر الاستثناء ويؤجل معه الرجوع إلى القاعدة.
جورجيو أغامبن ذهب أبعد من شميدت. فقد رأى أن أخطر ما يميز السياسة الحديثة هو تحوّل حال الاستثناء من إجراء مؤقت إلى أسلوب دائم في الحكم. تبدأ السلطة بتعليق بعض القواعد لمواجهة أزمة محدودة، ثم تستمر الأزمة، أو يعاد إنتاجها، حتى يصبح الاستثناء هو الوضع الطبيعي. عندئذ ينشأ فضاء يقع فيه الإنسان تحت سلطة الدولة من دون أن يتمتع بحماية قانونية كاملة. يسمي أغامبن هذا الإنسان "الحياة العارية" حياة لبشر يمكن التحكم بها وحصارها وإيذاؤها، بينما تتقلص قدرتهم على المطالبة بحقوق سياسية وقانونية فعلية.
تساعد هذه الفكرة على فهم وضع الفلسطينيين، ولا سيما في غزة والضفة الغربية. فالسكان يخضعون لقوة عسكرية تتحكم في الحركة والحدود والمجال الجوي والإمدادات الأساسية، لكنهم لا يُعاملون بوصفهم مواطنين يتمتعون بحقوق سياسية داخل الدولة التي تمارس هذه السيطرة. وفي ظل الحرب، يُعاد تعريفهم أساسًا باعتبارهم جزءًا من "بيئة أمنية خطرة". هكذا يضيق الفارق العملي بين المدني والمقاتل في الخطاب العام، ويتحوّل المجتمع بأسره إلى موضوع للمراقبة والحصار والتهجير والعمليات العسكرية.
غير أن القانون الدولي الإنساني أُنشئ تحديدًا للعمل أثناء الحروب، لا في أوقات السلام وحدها. وجود تهديد أمني لا يلغي مبادئ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، والضرورة العسكرية، وحظر العقاب الجماعي، وواجب تسهيل المساعدات الإنسانية. وبعبارة أخرى، لا تمنح الحرب الدولة منطقة فراغ قانوني. فالقول إن الظروف استثنائية لا يعفي القوة العسكرية من القانون؛ لأن القانون الذي يمكن تعليقه كلما اندلعت حرب يفقد أهم سبب لوجوده.
لهذا، اكتسب الصدام بين الحكومة الإسرائيلية والمؤسسات الدولية دلالة تتجاوز الخلاف على وقائع منفردة. فقد أصدرت محكمة العدل الدولية منذ كانون الثاني/يناير 2024 تدابير مؤقتة عدة في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا، ثم أمرت في أيار/مايو إسرائيل باتخاذ تدابير مرتبطة بعمليات رفح ووصول المساعدات. وفي تموز/يوليو 2024 خلصت، في رأي استشاري منفصل، إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على إسرائيل إنهاءه بأسرع ما يمكن. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ويوآف غالانت على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وهذه إجراءات واتهامات قضائية وليست أحكام إدانة نهائية، لكنها تؤكد أن وصف الحرب بأنها وجودية لا يضع قادتها خارج المساءلة.
حال الاستثناء تؤدي كذلك وظيفة سياسية داخل إسرائيل. استمرار الحرب يسمح لنتنياهو بإعادة تعريف الأزمة: بدل أن يبقى السؤال متعلقًا بمسؤوليته عن الإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر، يصبح السؤال متعلقًا بقدرته على قيادة البلاد في زمن الحرب. وبدل أن تتمحور السياسة حول محاكمته بتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، التي ينكرها، أو حول مشروعه لإضعاف السلطة القضائية، تتقدم أولوية «الوحدة في مواجهة العدو». وقد أقر جو بايدن، عندما كان رئيسًا للولايات المتحدة، في مقابلة عام 2024 باحتمال أن يكون نتنياهو يطيل الحرب لأسباب سياسية، فيما ربط محللون إسرائيليون بقاءه بتقديم نفسه باعتباره القائد القادر على منع قيام دولة فلسطينية.
لا يمكن اختزال الحرب كلها في مصلحة نتنياهو الشخصية، فهجوم حماس وقتل المدنيين واحتجاز الرهائن أحدثت صدمة حقيقية داخل المجتمع الإسرائيلي، واستخدمت إسرائيل شعار أن للدولة حق حماية سكانها ضمن حدود القانون. لكن الاعتراف بواقع التهديد لا يمنع التساؤل عن الطريقة التي تستخدم بها القيادة هذا التهديد. فنتنياهو يعتمد على ائتلاف يضم قوى يمينية متطرفة ترفض الدولة الفلسطينية وتضغط باتجاه استمرار السيطرة على غزة وتوسيع الاستيطان. ولذلك قد يعني وقف الحرب فتح ثلاثة ملفات خطرة عليه: التحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر، واحتمال انهيار الائتلاف، والعودة الكاملة إلى أزمته القضائية.
تؤدي الحرب المفتوحة أيضًا إلى تأجيل الحل السياسي الفلسطيني. كلما طُرحت مسألة الدولة الفلسطينية، كان الجواب أن الوقت غير مناسب، وأن الأولوية للأمن، وأن التسوية لا تُناقش قبل القضاء على الإرهاب. لكن إذا كان الخطر يُعرّف بطريقة دائمة، يصبح التأجيل دائمًا بدوره. تتحول المرحلة الانتقالية إلى نظام مستقر هو احتلال بلا نهاية معلنة، ومفاوضات بلا جدول زمني، وسلطة فلسطينية بلا سيادة، واستيطان يتوسع بينما يُطلب من الفلسطينيين انتظار الظروف الملائمة.
تكمن قوة حال الاستثناء في أنها لا تعلن رفض القانون نهائيًا، بل تقول إن تطبيقه الكامل مؤجل. ولا ترفض السلام من حيث المبدأ، بل تعتبر أن شروطه لم تنضج بعد. ولا تعلن إلغاء الحل الفلسطينين بل تدفعه باستمرار إلى مستقبل لا يصل. هكذا يصبح الانتظار نفسه أداة حكم، وتتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى تقنية لإدارة الزمن السياسي.
الخروج من هذه الدائرة لا يبدأ بإنكار المخاوف الأمنية الإسرائيلية، وإنما برفض تحويلها إلى تفويض غير محدود. يجب ربط أي عمل عسكري بقواعد القانون الدولي وبأهداف محددة قابلة للتحقق، وبمسار سياسي ينهي الاحتلال ويضمن للفلسطينيين حق تقرير المصير. كما ينبغي الفصل بين أمن المدنيين الإسرائيليين وبين بقاء حكومة أو ائتلاف بعينه.
لقد علّمنا شميدت أن صاحب السيادة يظهر حين يقرر الاستثناء، وحذّرنا أغامبن من أن الاستثناء قد يصبح قاعدة دائمة. وما تفعله سياسة نتنياهو هو الجمع بين الأمرين بتوسيع سلطة القرار الأمني، وإبقاء اللحظة الاستثنائية مفتوحة. لذلك لا تكمن المسألة الأساسية في موعد انتهاء عملية عسكرية محددة، بل في السؤال عمن يملك إعلان نهاية الاستثناء. ما دام الجواب محصورًا بالسلطة التي تستفيد من استمراره، ستبقى الحرب قادرة على تجديد أسبابها، وسيظل القانون معلّقًا، والحل الفلسطيني مؤجلًا إلى "اليوم التالي" الذي لا يُسمح له بأن يأتي.



