رسالتان إلى الحزب: عيسى يحدّد "قواعد الحوار".. وإسرائيل تقضم

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/08/26
GettyImages-2219449699.jpg
يعكس تأكيد الرئيس جوزاف عون على أن "لا خيار إلا التفاوض" إدراكاً رسمياً لمحدودية الخيارات العسكرية. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمة رسالتان بارزتان اليوم، بالتزامن: أميركية من بيروت وإسرائيلية من بنت جبيل.
ففيما كانت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية تطلق من قلب بنت جبيل تصريحًا يندرج في إطار الحرب النفسية على لبنان، ويحمّل "حزب الله" مسؤولية تدمير المدينة، نتيجة لانضمامه إلى الحرب قبل اشهر، كان السفير الأميركي ميشال عيسى يطلق من بيروت موقفًا آخر يتوجه فيه إلى حزب الله أيضًا، وخلاصته: "نتفاوض مع حزب الله إذا عنده شيء يقدمه إلينا". و"الشيء" واضح، هو ترسانته العسكرية وكامل بنيته التحتية.

وبين هاتين الرسالتين، تطلق اسرائيل العنان لاستراتيجية ميدانية خطرة تعتمد سياسة "القضم الهادئ" وتوسيع الحزام الأمني. ويُظهر التوغل الإسرائيلي في تسع بلدات على الأقل، من كفرتبنيت والمنصوري ومجدل زون وصولًا إلى بيوت السياد، أن تل أبيب تعمل تحت ضجيج المفاوضات، لتوسيع "الخط الأصفر"، فيما العمل ناشط لإنشاء المواقع الثابتة والسواتر في زوطر الشرقية وأرنون ويحمر، ويترافق ذلك مع عمليات التجريف والنسف كما في بني حيان وبنت جبيل والمنصوري، بهدف إزالة البيئة الحاضنة والعمرانية، وتحويل المناطق الحدودية إلى نطاق عازل ومحروق يمنع أي عودة مستدامة للسكان، وليس فقط للبنية العسكرية.

في ظل هذا المأزق، يعكس تأكيد الرئيس جوزاف عون على أن "لا خيار إلا التفاوض" إدراكًا رسميًا لمحدودية الخيارات العسكرية أمام آلة القصف والتجريف، ومحاولة لتثبيت مرجعية الدولة، على رغم علم السلطة التنفيذية بأن التفاوض يتم في ظل اختلال موازين القوى. كما أن تعثّر التوافق على القوات الدولية البديلة، ورفض إيطاليا والدول المرشحة للقيادة من دون ضمانات أمنية صارمة ومباشرة، يُبقي الجنوب مهددًا بالفراغ الأممي واستفراد إسرائيل، ما يُسهّل عليها الاستمرار في عمليات القضم والتجريف بلا رادع. ووفق هذه المعطيات الميدانية والدبلوماسية، يخشى أن يقود المسار التفاوضي الحالي إلى إلزام لبنان، باعتباره الطرف الخاسر، بما يشبه الاستسلام التدريجي، في ظل تراخٍ أميركي وصمت دولي.

 

بنت جبيل منصّة للحرب النفسيّة

لم يكن اختيار بنت جبيل لإطلاق الرسالة الإسرائيليّة تفصيلًا عابرًا. فالمدينة، بما تمثّله في الذاكرة السياسيّة والعسكريّة للصراع، تحوّلت إلى منصّة أرادت إسرائيل من خلالها تثبيت صورتين متلازمتين: قدرتها على الوصول إلى قلب الجنوب، وقدرتها على إعادة صياغة رواية تدميره. فعوض أن تظهر إسرائيل بصفتها القوّة التي قصفت ونسفت واحتلّت، سعت المتحدّثة باسم جيشها إلى تحميل "حزب الله" وحده مسؤوليّة الخراب، بذريعة قرار فتح الجبهة.

هذه الرسالة موجّهة إلى البيئة الجنوبيّة بقدر ما هي موجّهة إلى الحزب. ومضمونها أنّ استمرار السلاح لن يحمي القرى، بل سيجعلها تدفع كلفة إضافيّة. إلّا أنّ هذه الرواية تتعمّد إسقاط مسؤوليّة إسرائيل المباشرة عن التدمير المنهجي، كما تتجاهل أنّ تل أبيب لا تكتفي بضرب أهداف عسكريّة، بل تعمل على تغيير طبيعة الأرض وشروط السكن فيها.

فالنسف والتجريف وإقامة السواتر ليست مجرّد نتائج جانبيّة للحرب. إنّها أدوات لإنتاج جغرافيا جديدة. وعندما تترافق مع ظهور إعلامي إسرائيلي من داخل بنت جبيل، يصبح الهدف مضاعفًا: تكريس السيطرة الميدانيّة، ثمّ تحويل هذه السيطرة إلى تفوّق نفسي وسياسي.

 

واشنطن تعرض تفاوضًا مشروطًا

في بيروت، جاءت رسالة السفير الأميركي ميشال عيسى أقلّ استعراضيّة، لكنّها أكثر وضوحًا سياسيًّا. فحديثه عن إمكان التفاوض مع "حزب الله" إذا كان لديه "شيء يقدّمه"، ينقل الموقف الأميركي من رفض التواصل المبدئي إلى قبول تفاوض وظيفي، شرط أن تكون نتيجته محدّدة سلفًا. المطلوب ليس حوارًا حول مستقبل الجنوب أو الضمانات المتبادلة، بل عرض يتعلّق بالسلاح.

بهذا المعنى، لا تفتح واشنطن بابًا سياسيًّا أمام الحزب، بل تعرض عليه قناة لتسليم ورقته الأساسيّة. وهذا ما أكّده عيسى عندما ربط غياب وقف الاعتداءات الإسرائيليّة بعدم تسليم الحزب سلاحه، متسائلًا: "لماذا نطلب من إسرائيل فعل كلّ شيء؟". هكذا، تنقلب معادلة التفاوض من مسار يقوم على التزامات متبادلة إلى ترتيب زمني يطالب لبنان بالبدء، فيما تحتفظ إسرائيل باحتلالها وعمليّاتها بوصفهما وسيلة ضغط.

والمشكلة ليست في مطالبة الدولة بحصر السلاح في يدها، وهي مسألة سياديّة لبنانيّة، بل في تحويل الاعتداء الإسرائيلي إلى أداة لفرضها. فحين يصبح وقف القصف والانسحاب مكافأة مشروطة بنزع السلاح، لا يعود الاحتلال خرقًا ينبغي إنهاؤه، بل يتحوّل إلى ورقة تفاوضيّة مشروعة في الخطاب الأميركي.

 

مفاوضات تقنيّة وخريطة متحرّكة

يحاول عيسى تقديم المفاوضات الجارية باعتبارها مسارًا تقنيًّا لا يحتاج دائمًا إلى مواعيد معلنة. لكنّ غياب الجدول الزمني لا يعني أنّ الوقت متوقّف. ففيما ينشغل الوسطاء بتحديد المنطقة التجريبيّة "شجرة شجرة وبيتًا بيتًا"، تتحرّك إسرائيل على الأرض بسرعة أكبر، وتنشئ وقائع يصعب التراجع عنها.

وهنا يظهر الخلل الأساسي في المسار. فلبنان يتفاوض على خرائط ثابتة، بينما تتعامل إسرائيل مع حدود متحرّكة. وكلّ تأخير في تحديد المنطقة التجريبيّة يتيح لها توسيع "الخطّ الأصفر"، أو رفع كلفة الانسحاب منه. وعندما تبدأ المرحلة الثالثة أو الرابعة من المناطق التجريبيّة، قد تكون الأرض التي ستُطبّق عليها الآليّة قد تغيّرت عسكريًّا وديموغرافيًّا.

أما الإشارة الأميركيّة إلى ترقّب تطوّرات علي الطاهر خلال يومين، فتكشف حجم التداخل بين التفاوض والميدان. فالمرتفع ليس ملفًّا عسكريًّا منفصلًا، بل نقطة قادرة على تعديل شروط العملية كلّها. وإذا ثبّتت إسرائيل سيطرتها عليه، فستطالب بنطاق أمني حوله، ثمّ بممرّات لحمايته، ما يفتح الباب أمام امتداد أعمق في إقليم التفاح والريحان.

 

القضم بدل الاحتلال المعلن

لا تحتاج إسرائيل، في هذه المرحلة، إلى إعلان احتلال شامل. يكفيها تثبيت مواقع صغيرة مترابطة، وفتح مساحات خالية بينها، وإبقاء القرى المحيطة تحت النار. بهذه الطريقة، يتحوّل "القضم الهادئ" إلى بديل أقلّ كلفة من اجتياح واسع، وأكثر فاعليّة على طاولة التفاوض.

ويؤدّي تدمير المباني والطرقات والأراضي الزراعيّة وظيفة مركزيّة في هذه الخطّة. فالمنطقة العازلة لا تُنشأ بالانتشار العسكري وحده، بل بجعل العودة إليها غير قابلة للاستمرار. ومن هنا، لا يستهدف النسف بيئة عسكريّة حصرًا، بل شروط الحياة نفسها: المنزل، والطريق، والحقل، وشبكات المياه والكهرباء.

وهذا ما يمنح عمليّات المنصوري وبني حيان وبنت جبيل دلالتها السياسيّة. فالتفجيرات المتنقّلة وتحريك الآليّات لا يعكسان فوضى ميدانيّة، بل نمطًا واحدًا هدفه توسيع نطاق السيطرة من دون تحمّل عبء إدارة الأراضي أو سكّانها. إسرائيل تريد أرضًا تحت رقابتها، لكن من دون وجود لبناني مستقرّ فوقها.

 

التفاوض خيار الدولة لا تفويضًا مفتوحًا

يضع الرئيس جوزاف عون قرار التفاوض ضمن أهداف واضحة: تحرير الجنوب، وانتشار الجيش إلى الحدود، واستعادة الأسرى، وعودة الأهالي، وبدء إعادة الإعمار. وهو بذلك يحاول إعادة النقاش إلى مرجعيّة الدولة بعدما ظلّ قرار الحرب والسلم خارج مؤسّساتها طويلًا. كما يعكس موقفه إدراكًا واقعيًّا بأنّ مواجهة عسكريّة جديدة لن تعيد الأرض، بل ستمنح إسرائيل فرصة لمزيد من التدمير.

لكنّ القول إنّه "لا خيار إلا التفاوض" لا يكفي وحده. فالتفاوض ليس قيمة قائمة بذاتها، بل أداة تُقاس بالنتائج والضمانات. وإذا دخل لبنان هذا المسار من دون جدول للانسحاب، أو وقف واضح للاعتداءات، أو مرجعيّة دوليّة تحمي التنفيذ، فقد يتحوّل التفاوض إلى مظلّة لإدارة الاحتلال، لا لإنهائه.

كما أنّ حصر السلاح بيد الدولة، على ضرورته، لا يجوز أن يُقدَّم بوصفه تنازلًا يُدفع لإسرائيل، بل استعادة لقرار وطني لبناني. الفارق أساسي، لأنّ تنفيذ هذا الاستحقاق تحت النار سيمنح إسرائيل حقّ تحديد توقيته وشروطه، ويحوّل بناء الدولة من هدف سيادي إلى استجابة لإكراه خارجي.

 

فراغ دولي يخدم إسرائيل

يزداد هذا الخطر مع تعثّر البحث في القوّة البديلة لليونيفيل. فإيطاليا وغيرها من الدول المرشّحة لا تريد قيادة مهمّة في منطقة مفتوحة على القصف، ومن دون ضمانات مباشرة لسلامة عناصرها. وإسرائيل، في المقابل، ترفض تقديم هذه الضمانات، ما يجعلها قادرة على إسقاط البديل من دون تحمّل مسؤوليّة رفضه رسميًّا.

النتيجة المحتملة هي فراغ أممي يزيل الشاهد الدولي من الجنوب، ويترك الجيش اللبناني في مواجهة آلة عسكريّة إسرائيليّة متفوّقة، من دون آليّة تحقّق محايدة أو قدرة على ردع الخروق. عندها، يصبح تحديد الوقائع مرهونًا بالطرف الذي يملك القوّة والنار، لا بالقرارات الدوليّة أو الخرائط المعترف بها.

من هنا، تبدو الرسالتان الأميركيّة والإسرائيليّة متكاملتين، وإن اختلفت لغتهما. واشنطن تضغط للحصول على السلاح، وإسرائيل تضغط للحصول على الأرض. وبين الضغطين، يُدفع لبنان إلى تقديم ما عليه قبل الحصول على أيّ التزام مقابل. وهذه ليست تسوية متوازنة، بل مسار قد يقود إلى استسلام تدريجي إذا لم تنجح الدولة في فرض التلازم بين الانسحاب، ووقف الاعتداءات، وحصر السلاح، وضمان العودة.

المشكلة إذًا ليست في اختيار التفاوض، بل في ألّا يتحوّل الوقت الذي يحتاج إليه إلى فرصة لإسرائيل كي ترسم بالنار الخريطة التي ستفاوض لبنان عليها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث