تجاوز احتفال المولد النبوي الشريف الذي أقامته المديرية العامة للأوقاف الإسلامية في قاعة مسجد محمد الأمين بوسط بيروت، أبعاد المناسبة الدينية الدورية. فالشكل السياسي الذي جمع رئيس الحكومة نواف سلام إلى أربعة رؤساء حكومات سابقين (فؤاد السنيورة، نجيب ميقاتي، تمام سلام، وحسان دياب)، ووزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، إلى جانب نواب سُنّة يمثلون خريطة متفرقة — بينهم النائب عن جمعية «المشاريع الخيرية الإسلامية» عدنان طرابلسي، والنواب أشرف ريفي، محمد منيمنة، ووضاح الصادق — فضلاً عن قيادات أمنية ومرجعيات دينية من مختلف المناطق، بدا أقرب إلى إعادة تثبيت موقع دار الفتوى في قلب المعادلة السياسية، وتظهير حجم الالتفاف الرسمي والمرجعي حول المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان كنوع من «تجديد البيعة» السياسية والدينية لشخصه وللمؤسسة التي يرأسها.
المظهر الرسمي في مواجهة الفراغ الشعبي
غير أن هذا الثقل السياسي والرسمي النوعي، قابله من الناحية الميدانية حضورٌ شعبي متواضع بوضوح. فقد شهدت القاعة مساحات من الصفوف الخالية، مما دفع بمرافقي الشخصيات والقيادات السياسية إلى شغل المقاعد في الصفوف الخلفية لتغطية الفراغ، ورغم ذلك بقيت مساحات فارغة جليّة في الجزء الخلفي من القاعة.
هذا التباين لا يُقرأ بوصفه مجرد تفصيل تنظيمي، بل يفتح الباب أمام قراءة تفكيكية لموازين القوة داخل الساحة السُنّية. فإذا كان احتفال جمعية «المشاريع الخيرية الإسلامية» — الذي أُقيم قبل يوم واحد — قد قدّم استعراضاً للقدرة التعبئوية واللوجستية العالية في حشد الجماهير من بيروت وطرابلس والبقاع وصيدا والشوف، فإن احتفال دار الفتوى قدّم الصورة المقابلة: ثقل مؤسساتي ورسمي يجمع النخبة الحاكمة في مواجهة ضمور في الحشد الجماهيري المباشر.
وفي حديث خاص لـِ «المدن»، حرص الناطق باسم جمعية «المشاريع» الدكتور أحمد دباغ على نفي أي طابع استعراضي للاحتفال، مشدداً على أن «التشذيب السياسي للاحتفالات الدينية يضر بالشارع ويسهم في توتير الأجواء بلا مسوغ»، ومحذراً من الاصطياد في الماء العكر. وأكد دباغ أن الجمعية لم تتعامل مع احتفالها كبديل عن مرجعية دار الفتوى، لافتاً إلى أن مشاركة «المشاريع» في احتفال مسجد محمد الأمين تأتي تأكيداً على التزامها بدعم موقع الإفتاء وشخص المفتي، وأن الحشد الشعبي لجمعيتها كان تعبيراً عاطفياً عفوياً استند إلى خبرة تنظيمية تمتد لأكثر من أربعين عاماً.
إلا أن هذا التوضيح لم يُلغِ الدلالة السياسية التي فرضها الفصل الزمني بين المشهدين؛ إذ أظهرت «المشاريع» قدرتها على تحريك الشارع وملء الفراغ الذي تركه انكفاء الفعاليات الشعبية في بيروت خلال السنوات الماضية، بينما أثبتت دار الفتوى قدرتها الاستقطابية للطبقة السياسية الرسمية.
كواليس الإفتاء: قضاء شورى الدولة وبورصة الأسماء
ولا يمكن فصل هذا الالتفاف السياسي حول المؤسسة الدينية عما يدور في الكواليس القضائية؛ إذ يظل الطعن المُقدّم أمام مجلس شورى الدولة ضد قرار التمديد لولاية المفتي دريان أحد أبرز الملفات الحساسة خلف الستار. ووفق معطيات «المدن»، تتجه القوى السياسية النافذة نحو ترحيل حسم الملف قضائياً حتى نهاية العام لتجنب إرباك الساحة الدينية في هذه اللحظة الانتقالية، بالتوازي مع كتمان شديد يُحيط بـِ «بورصة الأسماء» المقترحة لسدة الإفتاء تجنباً لإحراق الأوراق قبل نضوج التوافقات السياسية الكبرى.
رسالة دريان: العهد والدولة والتهدئة
وجاءت كلمة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان لتبني على هذه «المبايعة السياسية» والدينية انطلاقاً من موقع الدار كمرجعية جامعة، وتصوغ العناوين العريضة لموقف المؤسسة من المرحلة المقبلة. إذ أعلن دريان الوقوف الصريح إلى جانب «العهد الجديد» ورئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مؤكداً دعم دار الفتوى الكامل لمؤسسات الدولة وقراراتها في الحرب والسلم. واعتبر أن قرار المهادنة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية هو «قرار شجاع»، مشدداً على أن خيارات الحرب لا تجلب إلا الدمار ولا تؤمن استقراراً للبلاد. كما جدد التأكيد على هوية لبنان العربية عبر تأييد مسار العلاقات مع السعودية وسوريا، بالتوازي مع التمسك بالمطالب الداخلية وفي مقدمتها إقرار قانون «عفو عام أعدل وأوسع»، ومتابعة ملفات العدالة في انفجار مرفأ بيروت وتفجير مسجدي التقوى والسلام في طرابلس. وفي رسالة حازمة، رفض المفتي أي استهداف للرئاسات الثلاث باعتبارها «صمام الأمان»، مؤكداً على تمسك الدار بثوابت الوسطية والاعتدال، ومشدداً على أن المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى هو «سيد نفسه» ومستقل عن كافة الانقسامات.
كشفت احتفالات المولد النبوي عن معادلة مزدوجة: نجحت دار الفتوى في انتزاع تجديد لغطائها السياسي والمرجعي عبر حضور الرؤساء والنواب، بينما تظل أسئلة الشارع قائمة حول قدرة هذا الثقل الرسمي على الصمود أمام القوى التنظيمية التي تثبت أوزانها الميدانية يوماً بعد يوم.




