جولة تفجير عاصفة جنوباً: التدمير أداة إسرائيل لتقليص الخسائر

المدن - سياسةالثلاثاء 2026/08/25
Image-1787689814.Jpg
غارتان على المنصوري
حجم الخط
مشاركة عبر

في وقت يتواصل فيه التصعيد الإسرائيلي على الجبهة الجنوبية، ترفع إسرائيل مستوى جهوزيتها على الجبهة الشمالية عبر مناورة عسكرية واسعة تمتد من الحدود مع لبنان إلى منطقة الفصل مع سوريا، ما يعكس استعداداً لمواجهة احتمالات توسّع التصعيد.

وفي الميدان، واصلت إسرائيل غاراتها وقصفها المدفعي وتفجيراتها في عدد من المناطق الجنوبية، فاستهدفت المنصوري ووادي السلوقي، وقصفت مرتفعات علي الطاهر وبني حيان، فيما تسببت القذائف باندلاع حرائق في سهل مرجعيون أتت على حقول قمح وبساتين. كما شهدت صربين تفجيراً إسرائيلياً وإلقاء غالونات متفجرة من مسيّرة، بينما أطلق الجيش الإسرائيلي النار باتجاه فريق للدفاع المدني خلال إخماد حريق في ديرميماس.

وبذلك، تبقى الجبهة الجنوبية تحت ضغط ميداني متواصل، فيما تعكس المناورة الإسرائيلية استمرار الاستعداد لسيناريوهات أوسع، في ظل غياب مؤشرات فعلية إلى خفض التصعيد.

وفي هذا السياق، لا تزال المفاوضات السياسية عاجزة عن إنتاج اختراق فعلي على الأرض. وبينما تُبحث في الكواليس ترتيبات ما بعد "اليونيفيل"، وشروط القوة التي قد تحلّ محلها، تواصل إسرائيل فرض وقائع ميدانية تبدو أحيانًا أسرع من قدرة الدبلوماسية على ملاحقتها.

وفي قلب هذا المشهد، تبقى مرتفعات علي الطاهر النقطة الأكثر حساسية. فهي تقع عملياً بين مسارين، حسم عسكري تعمل إسرائيل على التمهيد له بالنار، وتسوية سياسية تحاول واشنطن وشركاؤها إبقاءها حيّة. وقد دخلت إيران على خط هذه النقطة، محذّرة من أنّ أيّ عملية إسرائيلية موسعة فيها قد تدفع إلى توسيع دائرة المواجهة.

لكن ما يجري لا يقتصر على علي الطاهر. فجنوب لبنان يشهد مساراً متدرجاً من تغيير الوقائع الميدانية. وفي حاريص، باشرت جرافات عسكرية إسرائيلية من طراز "D9" أعمال تجريف وهندسة، متجاوزةً ما تسمّيه إسرائيل "الخط الأصفر"، فيما أطلقت القوات النار في محيط تحركها. ويكشف هذا السلوك عن محاولة واضحة لتحويل الخط الذي فرضته إسرائيل ميدانياً إلى واقع أمني جديد، رغم أنّه لا يحظى بأيّ اعتراف أممي أو لبناني.

Image-1787633954.Jpg

 

إسرائيل تغيّر تكتيكها: التدمير قبل دخول الجنود

في هذا السياق، كشفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عن تحوّل في أسلوب عمل القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بعد حادثة مجدل زون التي قالت الصحيفة إنّها أسفرت عن مقتل جنديين وإصابة أربعة آخرين.

وبحسب "معاريف"، دفعت الحادثة، إلى جانب مواجهات أخرى وقعت داخل مبانٍ وأزقة، القيادة الشمالية إلى تقليل مخاطر الاحتكاك المباشر مع عناصر "حزب الله"، واعتماد نهج يقوم على إزالة التهديد عن بُعد قبل وصول القوات البرية.

وبهذا المعنى، لا تتجه إسرائيل إلى تقليص عملياتها، بل إلى تغيير آليتها. فالهدف بات تدمير المباني والمنشآت المشتبه بها مسبقاً، بدل إرسال القوات إليها قبل التأكد من تحييد ما قد تحتويه من كمائن أو عبوات أو نقاط إطلاق نار.

وقالت الصحيفة إنّ الجيش الإسرائيلي ينفذ، كل بضع ساعات، ضربات على منشآت داخل منطقة "الخط الأصفر"، أو على مبانٍ تقع على مقربة منه وتطل على تحركات القوات الإسرائيلية.

وتُنفذ هذه الضربات بواسطة المدفعية وصواريخ "بار"، إلى جانب استخدام مكثف لسلاح الجو. كما كثّفت مراكز النيران التابعة للفرقتين 91 و36، خلال الأيام الأخيرة، تشغيل الطائرات الحربية لقصف المباني وإسقاطها قبل اقتراب القوات البرية منها.

وهكذا، يصبح التدمير الواسع أداة لتقليل الخسائر داخل الجيش الإسرائيلي. وكلما اتسع تعريف "التهديد"، اتسعت معه دائرة المباني والمنشآت المرشحة للاستهداف.

 

علي الطاهر في مركز الخطة

وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية إضافية في مرتفعات علي الطاهر، حيث أفادت "معاريف" بأنّ الجيش الإسرائيلي استهدف خلال الأيام الأخيرة عدداً من المنشآت، كما نفذ ضربات في مجدل زون ومروحين ومناطق أخرى.

وبعض هذه العمليات، وفق الصحيفة، نُفّذ ليلاً لتأمين حركة القوات، ما يعكس أن الضربات ليست مجرد عمليات جوية منفصلة، بل جزء من تحضير ميداني يسبق تحركات برية محتملة.

وتحوّلت علي الطاهر بذلك إلى الاختبار الأوضح للاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة. فإسرائيل تريد خفض كلفة أي اقتحام محتمل، فيما يدرك "حزب الله" أنّ خسارة الموقع قد تحمل دلالة عسكرية وسياسية تتجاوز حدود التلة نفسها.

ولذلك، فإنّ استمرار القصف على المرتفعات لا يمكن عزله عن النقاش السياسي حول مستقبل الجنوب. فكل ضربة إضافية قد تقرّب إسرائيل من فرض واقع تريد أن تأخذه معها إلى طاولة التفاوض لاحقاً.

 

"اليونيفيل": لا وجود لخطّ سوى الأزرق

وأمام محاولات تكريس مصطلحات وخطوط ميدانية جديدة، خرجت قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" لتعيد تثبيت مرجعيتها الجغرافية.

وقالت في بيان إنّه "يكثر الحديث حاليًا عن خطوط ومناطق وغيرها من المصطلحات عند وصف الوضع في جنوب لبنان"، لكنها شدّدت على أنّ الأمم المتحدة و"اليونيفيل" تعترفان بخط واحد ذي صلة، هو "الخط الأزرق".

وأعادت القوة الدولية التذكير بأنّ هذا الخط أُنشئ عام 2000 بصفته "خط الانسحاب" الذي حدّدته الأمم المتحدة للتحقق من انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

والأهم أنّ "اليونيفيل" شددت على أنّ أيّ وجود عسكري إسرائيلي شمال "الخط الأزرق" يشكل انتهاكًا للقرار 1701، مؤكدة أنّها تراقب هذه الانتهاكات وتُبلغ عنها.

الرسالة هنا واضحة، "الخط الأصفر" الذي تتعامل إسرائيل معه على الأرض لا يمتلك شرعية أممية، ولا يحل محل "الخط الأزرق". وبالتالي، فإنّ أي محاولة لتوسيعه أو استخدامه كمرجع لترتيبات أمنية جديدة تصطدم مباشرة بالمرجعية الدولية القائمة.

 

جردة حساب قبل المغادرة

وفي توقيت تقترب فيه "اليونيفيل" من نهاية مهمتها، حمل بيانها أيضًا طابع جردة الحساب.

فقد أكدت أنّ قوات حفظ السلام، الآتية من نحو خمسين دولة، تواصل حضورها الميداني عبر الدوريات والمراقبة والتنسيق، إضافة إلى دعم الشركاء في المجال الإنساني.

كما أشارت إلى أنّ المدنيين يتحملون العبء الأكبر من استمرار النزاع، في ظل النزوح والخوف وعدم اليقين الذي يخيّم على القرى الجنوبية.

وفي مواجهة الانتقادات الإسرائيلية والأميركية المتكررة لأداء القوة الدولية، أرادت "اليونيفيل" التذكير بأنّ دورها لم يقتصر على مراقبة الجيش الإسرائيلي، بل شمل أيضًا مراقبة نشاط الجهات المسلحة غير الحكومية داخل منطقة عملياتها والإبلاغ عنه.

وبذلك، يبدو البيان دفاعًا عن شرعية الدور الأممي، ورسالة في الوقت نفسه إلى القوى التي تفاوض على مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، بأنّ أي صيغة جديدة ستحتاج إلى مرجعية قانونية واضحة، لا إلى خطوط تفرضها القوة العسكرية على الأرض.

 

باريس والرياض تعيدان 1701 إلى الواجهة

وفي موازاة الموقف الأممي، أعاد البيان الفرنسي، السعودي المشترك القرار 1701 إلى قلب النقاش السياسي.

فالقرار الذي تراجع حضوره في اتفاق الإطار وفي بعض مسارات التفاوض المباشر، عاد بقوة في البيان الصادر عقب لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وشدّد الجانبان على "التنفيذ الكامل" للقرار 1701، وعلى استكمال نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة من غير الدول، بالتوازي مع انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية.

وتكمن أهمية الصياغة في أنّها تجمع بين طرفي المعادلة، فلا حصر للسلاح من دون انسحاب إسرائيلي، ولا انسحاب بمعزل عن إعادة الدولة إلى موقعها بوصفها صاحبة القرار الأمني والعسكري.

واتفق الجانبان كذلك على تكثيف جهودهما للوصول إلى "تسوية نهائية للنزاع في لبنان"، تشمل تقوية الدولة ومؤسساتها والحفاظ على السيادة وسلامة الأراضي.

كما أشادا بالخطوات التي اتخذها رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة برئاسة نواف سلام لإعادة بناء المؤسسات وتعزيز سلطة الدولة وبسط نفوذها.

 

بين "الخط الأزرق" و"الخط الأصفر"

وعليه، بات الجنوب محكومًا بمواجهة بين منطقين. الأول إسرائيلي، يقوم على فرض "الخط الأصفر" كواقع أمني ميداني، وتوسيع نطاق التدمير والتجريف بما يتيح للقوات الإسرائيلية هامش حركة أكبر ويقلّل مخاطر تعرضها للهجمات. والثاني لبناني، أممي، مدعوم فرنسيًا وسعوديًا، يعيد التشديد على "الخط الأزرق"، والقرار 1701، وانسحاب إسرائيل وحصرية سلطة الدولة.

وبين الخطين، تتحرك المفاوضات ببطء شديد.

حتى الآن، لا نتائج حاسمة بشأن القوة البديلة لـ"اليونيفيل"، ولا اتفاق نهائي على شكل آلية المراقبة أو نطاق عملها أو شروط الدول التي قد تشارك فيها. وفي المقابل، تتحرك إسرائيل يوميًا على الأرض، تهدم وتجرف وتقصف وتوسّع نطاق عملياتها.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية. ففي الوقت الذي تُناقش فيه العواصم شكل اليوم التالي، تعمل إسرائيل على صناعة هذا "اليوم التالي" ميدانيًا.

أما علي الطاهر، فتبقى نقطة الاختبار الكبرى. فإذا انتقلت إسرائيل من مرحلة العزل الناري إلى محاولة الحسم الميداني، قد تصبح التلة شرارة تعيد خلط الأوراق كلها، من المفاوضات الأميركية، إلى حسابات إيران و"حزب الله"، وصولًا إلى ترتيبات ما بعد "اليونيفيل".

ولذلك، لا يعود السؤال فقط عمّا إذا كانت التسوية ستنجح، بل عمّا إذا كانت ستصل قبل أن تفرض إسرائيل على الأرض واقعًا يجعل التفاوض نفسه يدور حول شروط جديدة بالكامل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث