الجنوب بين خطين أزرق وأصفر: "اليونيفيل" تعلن "شهادةً أخيرة"!

مانشيت - المدنالثلاثاء 2026/08/25
GettyImages-1720000037.jpg
إسرائيل تريد إقصاء الشاهد الدولي
حجم الخط
مشاركة عبر

يتخبط لبنان الرسمي عند مفترق دبلوماسي حساس. وفيما تتضاءل الرهانات على إمكان إحراز خرق في جولات التفاوض، التي لا موعد لاستئنافها حتى الآن، تطفو على السطح أزمة تثبيت "الشرعية الدولية" في الجنوب. وتتجلى الإشكالية في تعثر الطروحات المتعلقة بمرحلة "ما بعد اليونيفيل". فالمساعي الدبلوماسية التي قادها رئيس الجمهورية جوزاف عون واستكملها قائد الجيش العماد رودولف هيكل في روما، للبحث في صيغ جديدة لقوة بديلة، أو للتوافق على آلية التحقق المنتظرة، والتي قيل إنها ربما تضم دولًا أوروبية كإيطاليا، تصطدم بواقع سياسي وأمني معقد. فالدول المقترحة للمشاركة ترفض إرسال عناصرها إلى منطقة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار، وتصر على الحصول على ضمانات أمنية قاطعة ووقف شامل للنار كشرط مسبق لمباشرة أي مهمة إلى جانب الجيش اللبناني. وفي المقابل، ترفض تل أبيب تقديم أي ضمانات بالانسحاب أو حتى التزام التهدئة، وهي تعمل لإفراغ الجنوب من "الشاهد الدولي المزعج"، ما يجعل الطروحات الدولية مجرد أفكار معلقة تفتقر إلى آليات التنفيذ.

وفي الواقع، تدور مواجهة مصيرية حادة في الجنوب حول الحدود والخطوط الفاصلة. وهذا ما أوردته اليونيفيل في بيانها اليوم، إذ ذكرت المجتمع الدولي بالثوابت القانونية، مشددة على أن "الخط الأزرق" للعام 2000 هو المرجع الدولي الوحيد المعترف به للانسحاب، وأن أي وجود عسكري إسرائيلي شماله يشكل الانتهاك الصريح للقرار 1701. وهذا الموقف الأممي الحازم يثبّت موقع اليونيفيل كشاهد في الجنوب، بمواجهة محاولات إسرائيل الميدانية لفرض مصطلح "الخط الأصفر" كأمر واقع جغرافي وسياسي، بعد إسقاط المظلة الأممية، وإفراغ اتفاق الإطار من مضمونه، بحيث يصبح انتشار الجيش اللبناني وعودة الأهالي مشروطين بترتيبات أمنية تمليها إسرائيل وحدها. لكن هذا التذكير من جانب اليونيفيل سيكون مبررًا إضافيًا تستخدمه إسرائيل للعمل على تطيير هذه القوات، ومنع استبدالها بقوة مماثلة.

وفي الموازاة، بات واضحًا سعي إسرائيل إلى استغلال التعثر في المفاوضات والفراغ المرتقب للمرجعية الدولية في الجنوب، من أجل تثبيت نقاط سيطرة استراتيجية جديدة، بدءًا بمرتفعات علي الطاهر. وسيطرتها على هذه النقطة ستكون على الأرجح مدخلًا للمطالبة بنطاقات حماية أوسع لقواتها المتوغلة، وقد تتمدد نحو القمم العليا في إقليم التفاح وأعالي جبل الريحان، وصولًا إلى منطقة كفرحونة وجزين للتحكم بالبقاع الغربي. والانزلاق نحو هذا السيناريو يعيد الجنوب عمليًا إلى الاحتلال ومربعات الترتيبات الأمنية التي سادت قبل العام 2000. وسيكون هذا الواقع مفروضًا على طاولات التفاوض المقبلة.وأعلن مصدر عسكري إسرائيلي اليوم أن حزب الله "تعرض لأضرار كبيرة، لكنه لا يزال قائماً كتنظيم، ولذلك المعركة معه لم تنتهِ بعد. ونأمل ألا نضطر إلى العمل عسكرياً في عمق لبنان". 

لذلك، يبقى رهان لبنان منصبًا على دور واشنطن خصوصًا لمنع الوصول إلى هذا السيناريو، لكن الأميركيين يطلبون من لبنان دفع أثمان غالية في المقابل، تتعلق بالحسم في ملف نزع السلاح. وهنا يتخبط لبنان بين سرعة تحرك الدولة لتدارك الأسوأ، ورهان حزب الله وإيران على عامل الوقت لتمرير استحقاقي الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، واحتمال بروز معطيات جديدة. وفي خضم لعبة الوقت هذه، تسارع إسرائيل إلى استكمال ما تخطط له في الجنوب، بتطيير الشاهد الدولي من الخط الأزرق وتمديد الخط الأصفر إلى مدى لا يمكن ضبطه.

 

النار ترسم حدود التفاوض

لا يمكن فصل التصعيد الميداني عن هذا الاشتباك على المرجعيّة. فالتفجيرات التي هزّت المنصوري ومركبا وصربين، وما رافقها من قصف مدفعي وعمليّات نسف وتجريف، لا تبدو مجرّد جولات ناريّة متفرّقة. إنّها جزء من عمليّة متدرّجة لإعادة تشكيل الجغرافيا التي ستوضع لاحقًا على طاولة التفاوض. فإسرائيل لا تنتظر المفاوضات كي تحدّد مطالبها، بل تسعى إلى خلق الوقائع التي ستصبح منطلقًا لها.

بهذا المعنى، لا يؤدّي القصف وظيفة عسكريّة فحسب، بل وظيفة سياسيّة أيضًا. تدمير المنازل والبنى التحتيّة، وتوسيع المناطق التي يتعذّر على الأهالي العودة إليها، يعنيان تحويل الاحتلال المحدود إلى نطاق أمني مفتوح. وكلّما طال أمد الفراغ التفاوضي، ازدادت قدرة إسرائيل على التعامل مع هذا النطاق بوصفه واقعًا قائمًا، لا خرقًا مؤقّتًا ينبغي إنهاؤه.

ويتجاوز تبدّل التكتيك الإسرائيلي الانتقال من التوغّل المباشر إلى النسف عن بُعد أو القصف المركّز. فالغاية الأبعد هي تخفيض الكلفة البشريّة والعسكريّة للاحتفاظ بمناطق واسعة غير مأهولة، وإقامة أحزمة نار حول النقاط المحتلّة. وبذلك، تتحوّل القرى المحيطة بهذه النقاط إلى امتدادات أمنيّة لها، حتى إذا لم تنتشر فيها قوّات إسرائيليّة بصورة دائمة.

 

قوّة بديلة بلا ضمانات

في المقابل، لا يزال البحث في القوّة البديلة لليونيفيل عند عتبة الأفكار الأوّليّة. فالدول التي طلب لبنان استطلاع إمكان مشاركتها، من سويسرا إلى إيطاليا وغيرها، لا تنظر إلى المهمّة بوصفها انتشارًا تقنيًّا. هي تريد تعريفًا واضحًا للصلاحيّات، وتحديدًا للبقعة الجغرافيّة، وضمانات لحماية عناصرها، ووقفًا للعمليّات الإسرائيليّة يتيح لها العمل بالتنسيق مع الجيش اللبناني.

المشكلة أنّ الضمانة المطلوبة من هذه الدول هي نفسها ما ترفض إسرائيل تقديمه. وبالتالي، تصبح تل أبيب قادرة عمليًّا على تعطيل أيّ صيغة بديلة، من دون أن تعلن رفضها السياسي المباشر لها. يكفي أن تواصل القصف، وأن تبقي احتمال استهداف المنطقة مفتوحًا، كي تتراجع الدول المرشّحة عن إرسال قوّاتها.

وهنا تكمن المفارقة: يُطلب إيجاد بديل لليونيفيل لأنّ إسرائيل ترفض استمرار دورها، بينما ترفض إسرائيل أيضًا توفير الشروط التي تسمح بولادة هذا البديل. والنتيجة ليست الانتقال من قوّة دوليّة إلى آليّة جديدة، بل الانتقال من وجود دولي موثّق إلى فراغ أمني وقانوني تستفيد منه القوّة المحتلّة.

ولا تغيّر زيارة قائد الجيش إلى روما هذه المعادلة، على أهمّيّتها. فالدعم الإيطالي المعلن للبنان، والاستعداد للبحث في سيناريوهات ما بعد اليونيفيل، لا يساويان قرارًا بإرسال قوّات. إيطاليا تستطيع تشجيع الحوار والمساهمة في بناء صيغة رقابيّة، لكنّها لا تستطيع تجاهل المخاطر الميدانيّة، ولا إرسال جنودها إلى منطقة لا يسري فيها وقف فعلي للنار.

 

معركة إسقاط الشاهد

تمثّل اليونيفيل، بالنسبة إلى إسرائيل، أكثر من قوّة عسكريّة محدودة الفاعليّة. إنّها الجهة التي توثّق الخروق وتعيد كلّ نقاش حدودي إلى الخطّ الأزرق والقرار 1701. ولذلك، فإنّ إبعادها لا يهدف إلى إزالة عقبة ميدانيّة، بل إلى إزالة مرجعيّة قانونيّة تقف بين إسرائيل وبين فرض خطوط جديدة.

فـ"الخطّ الأصفر" ليس حدودًا معترفًا بها، ولا يستند إلى قرار دولي. إنّه توصيف إسرائيلي لنطاق عسكري متحرّك، يمكن توسيعه تبعًا للحاجة الميدانيّة. وحين تؤكّد اليونيفيل أنّ الخطّ الأزرق هو المرجع الوحيد، فهي تسقط الشرعيّة عن هذا المصطلح، وتمنع تحويله إلى قاعدة ضمنيّة لأيّ تسوية لاحقة.

من هنا، لا تنفصل معركة التجديد للقوّة الدوليّة عن معركة الأرض. فبقاء اليونيفيل يعني بقاء جهة قادرة على القول إنّ الوجود الإسرائيلي شمال الخطّ الأزرق احتلال، وإنّ توسيع المناطق العازلة لا يصنع حدودًا جديدة. أمّا رحيلها من دون بديل يمتلك غطاءً دوليًّا وصلاحيّات واضحة، فيترك لبنان أمام ميزان قوى عسكري صرف.

 

علي الطاهر بوّابة التمدّد

تكتسب مرتفعات علي الطاهر أهمّيّتها من موقعها المشرف، لكنّ خطورتها السياسيّة تتجاوز قيمتها العسكريّة المباشرة. فإذا ثبّتت إسرائيل وجودًا فيها، ستطالب بنطاق حماية حولها، ثمّ بنطاق إضافي لحماية نطاق الحماية نفسه. هكذا تتمدّد السيطرة من النقطة إلى محيطها، ومن المحيط إلى شبكة من المرتفعات والطرق والقرى.

والخشية أن تصبح علي الطاهر مدخلًا نحو بركة الجبور ومرتفعات الريحان والقمم المشرفة على إقليم التفاح، بما يتيح لإسرائيل التأثير في حركة واسعة تمتدّ إلى كفرحونة وجزين وتلامس البقاع الغربي. عندها، لا يعود النقاش محصورًا بقرى حدوديّة أو نقاط متنازع عليها، بل ببنية احتلال تعيد وصل الجنوب بمنطق الأحزمة الأمنيّة الذي سبق انسحاب العام 2000.

الأخطر أنّ هذا التمدّد، إذا لم يُوقف سريعًا، سيتحوّل إلى ورقة تفاوضيّة. فإسرائيل ستفاوض على مقدار انسحابها، لا على مبدأ وجوبه، وستطالب بأثمان سياسيّة وأمنيّة مقابل التراجع عن مواقع احتلّتها خلال مرحلة تعطيل التفاوض.

 

واشنطن تمسك بالممرّ الضيّق

يبقى لبنان، في هذه المعادلة، معلّقًا على موقف واشنطن. فعودة رئيس فريق التنسيق الخاص بلبنان، جوزاف كليرفيلد، مرتبطة بتحقيق خرق في ملفّ المنطقة التجريبيّة أو وقف النار. ولا موعد رسميًّا للمفاوضات حتى الآن، فيما توحي المعطيات بأنّ إسرائيل تنتظر غطاءً أميركيًّا لأيّ توسّع جديد.

غير أنّ الرهان على واشنطن ليس مجانيًّا. فالإدارة الأميركيّة تربط الضغط على إسرائيل بتقدّم لبناني حاسم في ملفّ حصر السلاح بيد الدولة. وهكذا، يجد لبنان نفسه أمام معادلة قاسية: يُطلب منه تنفيذ التزامات داخليّة شديدة الحساسيّة، فيما لا يحصل في المقابل على ضمانة مسبقة بالانسحاب أو وقف الاعتداءات.

في الجهة المقابلة، يراهن حزب الله وإيران على الوقت وتبدّل الظروف الانتخابيّة في الولايات المتحدة وإسرائيل. لكنّ الوقت ليس عنصرًا محايدًا. فما قد يفتح نافذة سياسيّة لاحقًا، تستخدمه إسرائيل الآن لتغيير خريطة الجنوب. وكلّ يوم يمرّ بلا وقف للنار أو عودة للمفاوضات يمنحها فرصة إضافيّة لتثبيت نقطة، وتدمير قرية، وتوسيع نطاق أمني جديد.

لذلك، لا تكمن الأولويّة اللبنانيّة في انتظار التسويات، بل في منع تحوّل الوقائع الميدانيّة إلى مرجعيّة سياسيّة. وهذا يتطلّب تثبيت الخطّ الأزرق، وحماية حضور دولي فاعل، وتسريع انتشار الجيش، وربط أيّ نقاش داخلي حول السلاح بضمانات واضحة للانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي. وإلّا، سيصل لبنان إلى المفاوضات بعدما تكون إسرائيل قد رسمت بالنار الحدود التي تريد التفاوض عليها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث