لبنان والاتفاق الإطاري: استحقاق الدولة وتحديات الجيوبوليتيك

زياد الصائغالاثنين 2026/08/24
اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل (Getty)
يُخطئ من يتعامل مع الاتفاق الإطاري بمنطق المنتصر والمهزوم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يَعُد السُّؤال المطروح على لبنان، بعد توقيع الاتفاق الإطاري مع إسرائيل برعاية الولايات المتّحدة الأميركيّة في 26 حزيران 2026، هو ما إذا كان البلد دخل مرحلةً جديدةً فحسب، بل ما إذا كان قادرًا على تحويل هذه المرحلة إلى مسارٍ سياديٍّ مستدام، لا إلى هدنةٍ مؤقّتة تحكمها موازين القوى، والمواعيد الانتخابيّة، والحسابات الإقليميَّة-الدّوليّة. الاتفاق الإطاري ليس اتفاق سلامٍ نهائيًّا، وليس تسويةً تقنيّةً لوقف إطلاق النّار. إنّه، في جوهره، إطارٌ لإعادة ترتيب العلاقة بين السّيادة، والأمن، والسّلاح، والحدود، وإعادة الإعمار، ومستقبل النزاع. وقد نصَّ على مسارٍ متدرِّج ومتبادل، يستعيد بموجبه الجيش اللبناني وقوى الأمن الدّاخلي السُّلطة السياديّة الفعليّة للدَّولة على الأراضي اللبنانيّة، بالتوازي مع نزع سلاح المجموعات المسلَّحة من غير الدَّولة وتفكيك بنيتها العسكريّة، بما يتيح انسحابًا إسرائيليًّا تدريجيًّا من الأراضي اللبنانيّة، ضمن آليّات للتحقُّق وضماناتٍ وترتيبات أمنيّة. لكنّ المسألة الأكثر إلحاحًا اليوم تكمن في أنَّ زمن الاتفاق ليس هو زمن السّياسة. فالمنطقة دخلت عمليًّا في تقاطع استحقاقَيْن انتخابيَّيْن كبيرَيْن. الانتخابات الإسرائيليّة المرتقبة في تشرين الأوّل 2026، والانتخابات النصفيّة الأميركيّة في تشرين الثاني 2026. وهذان الاستحقاقان لن يكونا تفصيلًا خارجيًّا في مسار التفاوض اللبناني–الإسرائيلي، بل عاملَيْ ضغطٍ مباشرين على وتيرته، ومضمونه، وهوامش التّسوية الممكنة فيه.

 

يُخطئ من يتعامل مع الاتفاق الإطاري بمنطق المنتصر والمهزوم، كما يُخطئ من يختزله بمسألة سلاح "حزب الله" وحدها. القضيّة أعمق. هل ينتقل لبنان نهائيًّا من دولةٍ تُدار سيادتها بالتّوازن بين الدَّولة واللّادولة، إلى دولةٍ تحتكر وحدها القوَّة الشرعيّة وقرارَيْ الحرب والسّلم؟ هنا تحديدًا تكمن القيمة الاستراتيجيّة للاتفاق، كما تكمن مخاطره. لبنان لا يستطيع بناء سلامٍ مستدام إذا بقيت سيادته منقوصة. وفي المقابل، لا يمكن مطالبة لبنان باستعادة سيادته كاملةً فيما يستمرُّ الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانيّة، أو تبقى الحدود مسرحًا للعمليّات العسكريّة، أو تتحوَّل الإجراءات الإسرائيليّة الأحاديّة إلى أمرٍ واقعٍ أمنيّ دائم. هذه ليست معادلةً أخلاقيّةً، بل معادلة سياسات عامّة. التزامات متبادلة، مراحل محدَّدة، مؤشِّرات أداء، آليّات تحقُّق، جداول زمنيّة، وضمانات تنفيذ.من هنا أهمّيّة ألّا يتحوَّل الاتفاق إلى معادلةٍ أحاديّة يكون المطلوب فيها من لبنان تنفيذ التزاماته، فيما تبقى الالتزامات الإسرائيليّة خاضعةً للتّقدير الأمني الإسرائيلي. كما لا يجوز، في المقابل، أن تتحوَّل المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي ذريعةً لإبقاء ازدواجيّة السّلاح والسُّلطة والقرار داخل لبنان. السّيادة لا تُجزَّأ، ولا تُنتقى. سيادة لبنان تعني حصر السّلاح بالدَّولة، كما تعني انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة، واحترام الحدود، ووقف الاعتداءات، وتطبيق القانون الدَّولي والقرارات الدَّوليّة ذات الصّلة.

 

الانتخابات الإسرائيليّة المقبلة ليست استحقاقًا داخليًّا منفصلًا عن لبنان. بنيامين نتنياهو يدخل المعركة الانتخابيّة في ظلّ انقساماتٍ داخل "الليكود"، وضغوطٍ من اليمين، وتحوُّلاتٍ داخل الرأي العام الإسرائيلي، فيما تشير المعطيات إلى تنافسٍ حادّ حول شكل الحكومة المقبلة وهويّتها السياسيّة. هنا تظهر إحدى أخطر نقاط الضّعف في المسار الحالي. كلّ تنازلٍ أمني إسرائيلي قبل الانتخابات يمكن أن يستخدمه خصوم نتنياهو ضدّه. وكلّ انسحابٍ من الأراضي اللبنانيّة يمكن أن يُعاد تقديمه أمام جزءٍ من الناخبين/ات الإسرائيليّين/ات باعتباره تراجعًا تحت الضّغط. وفي المقابل، قد يتحوَّل التّشدُّد تجاه لبنان إلى أداةٍ لإثبات الحزم الأمني. إنَّها معضلةٌ كلاسيكيّة في إدارة النزاعاتحين يدخل السلام في زمن الانتخابات، يصبح السياسي أسيرًا للناخب قبل أن يكون شريكًا في التسوية. لقد أظهرت جولة روما الأخيرة حجم هذه المعضلة. فالمفاوضات تعثَّرت حول الانسحاب الإسرائيلي، ومفهوم المناطق التجريبيّة، وآليّات التحقُّق، في وقتٍ بقيت إسرائيل تطالب بخطوات لبنانيّة إضافيّة تجاه سلاح "حزب الله". الأخطر أنَّ التصعيد الميداني نفسه يستطيع أن يدخل اللعبة الانتخابيّة. فالضربات الإسرائيليّة الأخيرة في الجنوب، وردود الفعل عليها، تذكِّر بأنَّ أيَّ حادثٍ أمني قادرٌ على إعادة نقل الملف من منطق إدارة الانتقال إلى السلام إلى منطق إدارة الردع المتبادل. هنا على لبنان أن يكون شديد الوضوح. لا مصلحة له في الدخول طرفًا في الانتخابات الإسرائيليّة، لا عسكريًّا ولا سياسيًّا ولا إعلاميًّا.لبنان يحتاج إلى فصل المسار التفاوضي عن الروزنامة الانتخابيّة الإسرائيليّة، من خلال تثبيت المرجعيّات والالتزامات وآليّات التنفيذ، بحيث لا يصبح الاتفاق قابلًا لإعادة التفسير مع كلّ حكومةٍ إسرائيليّة جديدة.

 

في الولايات المتّحدة الأميركيّة، تجري الانتخابات النصفيّة في تشرين الثاني 2026 في ظلّ تنافسٍ قويّ بين الديموقراطيّين والجمهوريّين. هذا الأمر يعني لبنان مباشرةً. الولايات المتّحدة الأميركيّة ليست وسيطًا تقنيًّا في الاتفاق الإطاري، بل هي الضّامن السياسي المركزي لمسارهوهي المعنيّة بتوفير الضغط الدبلوماسي، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الدّاخلي، والمساهمة في بناء آليّات التحقُّق، وتأمين المظلّة الدوليّة لإعادة الإعمار، والمحافظة على التزام إسرائيل بالمسار. لكنَّ الإدارة الأميركيّة، كلّما اقتربت الانتخابات النصفيّة، ستصبح أكثر حساسيّةً تجاه السّياسة الداخليّة الأميركيّة، وموازين الكونغرس، والرأي العام، واللوبيات، والملف الإيراني، وغزّة، وأمن إسرائيل. من هنا، لا يستطيع لبنان أن يتعامل مع الوقت وكأنّه مفتوح.هناك نافذةٌ سياسيّة محدودة يجب استخدامها لتثبيت ما يمكن تثبيته مؤسَّساتيًّا قبل أن يصبح الملف اللبناني جزءًا من بازار السّياسة الأميركيّة الداخليّة. المطلوب هنا ليس استجداء ضمانةٍ أميركيّة، بل بناء شراكةٍ لبنانيّة – أميركيّة واضحة المصالح. دولة لبنانيّة سيِّدة وقادرة؛ جيش وقوى أمن داخلي يمتلكان القدرة على احتكار القوَّة الشرعيّة؛ حدود آمنة؛ إنهاء البنى العسكريّة والأمنيّة الخارجة عن الدَّولة؛ انسحاب إسرائيلي كامل؛ وبيئة سياسيّة واقتصاديّة تسمح بالانتقال من إدارة الحرب إلى بناء السلام.

 

لا يمكن قراءة الاتفاق الإطاري خارج التحوُّل الجيو-سياسي الذي أصاب موقع إيران في المنطقة. كما لا يمكن اختزال مشكلة "حزب الله" بسؤال تقني. متى وكيف يُسلِّم سلاحه؟ القضيّة هي تفكيك منظومة اللّادولة، لا جمع السّلاح فقط. لقد بُنيت خلال عقودٍ منظومة متكاملة تشمل السّلاح، والاقتصاد الموازي، والتعبئة الأيديولوجيّة، وشبكات الخدمات، والعلاقات الزبائنيّة، والإعلام، والنفوذ المؤسَّساتي، والارتباط العضوي بمحورٍ إقليمي. لذلك فإنَّ الانتقال إلى الدَّولة يحتاج إلى سياسات دمجٍ اجتماعي واقتصادي وسياسي، وإلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدَّولة، ولا سيّما داخل البيئة الشيعيّة التي دفعت أثمانًا بشريّة واجتماعيّة واقتصاديّة هائلة. لا يمكن أن تكون استعادة الدَّولة مشروع غلبةٍ على جماعةٍ لبنانيّة. بل يجب أن تكون مشروع تحرير جميع اللبنانيّين/ات من الحاجة إلى أيّ دولةٍ موازية. هذه نقطةٌ مفصليّة. إنهاء الوظيفة العسكريّة-الأمنيّة لـِ "حزب الله" يجب أن يترافق مع تثبيت الشراكة الوطنيّة الكاملة.

 

الخطأ الأخطر سيكون فصل المسار الأمني عن المسار الاقتصادي والاجتماعي. كيف يمكن مطالبة أبناء القرى الجنوبيّة بالعودة إلى منطق الدَّولة فيما منازلهم مدمَّرة، وأرزاقهم متوقِّفة، وأراضيهم غير آمنة؟ إعادة الإعمار ليست مكافأةً سياسيّة بعد نزع السّلاح. إنّها جزءٌ من هندسة السلام.لذلك يجب إنشاء آليّة عربيّة-دوليّة–لبنانيّة شفّافة لإعادة الإعمار، مرتبطة بمؤسَّسات الدَّولة، وخاضعةً لمعايير الحوكمة والمساءلة، لا لشبكات الزبائنيّة الحزبيّة. ويجب أن تتزامن عودة الجيش ومؤسَّسات الدَّولة إلى الجنوب مع عودة المدرسة والمستشفى والبلديّة والاستثمار وفرص العمل. الدَّولة لا تستعيد الأرض بالجيش فقط. تستعيدها أيضًا بالخدمة العامّة والعدالة والتنمية والثقة.

 

الامتحان اللبناني الحقيقي هو في تشكيل بنية وطنيّة لإدارة الاتفاق، لا ترك الملف في دائرةٍ ضيِّقة من التفاوض الأمني والدبلوماسي. يحتاج لبنان إلى خريطة طريق وطنيّة للتنفيذ تتضمَّن، على الأقلّ، خمسة مسارات مترابطة. مسار سياديّ وأمنيّ لحصر السّلاح واحتكار الدَّولة للقوَّة الشرعيّة؛ مسار تفاوضيّ لضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل ومعالجة المسائل الحدوديّة؛ مسار اقتصاديّ لإعادة الإعمار والتنمية؛ مسار دبلوماسيّ لبناء الضمانات والشراكات الدوليّة؛ ومسار سياسيّ داخليّ لتحصين الوحدة الوطنيّة ومنع تحويل الاتفاق إلى مادّة انقسام أهلي. يجب أن تكون لكلّ مسار أهدافٌ، ومهلٌ، ومسؤوليّات، ومؤشِّرات قياس.ما لا يمكن قياسه يصعب تنفيذه، وما لا يخضع للمساءلة يتحوَّل سريعًا إلى إدارة أزمة جديدة.

 

من منظور السياسات العامّة، نحن أمام ثلاثة سيناريوهات. الأوّل هو سيناريو التقدُّم المنضبط. خطوات لبنانيّة سياديّة موثوقة، يقابلها انسحاب إسرائيلي متدرِّج، وتهدئة مستدامة، وتفعيل آليّة التحقُّق، وانطلاق إعادة الإعمار. وهذا هو السيناريو الذي يجب العمل من أجله.الثاني هو سيناريو التجميد الانتخابيتبقى المفاوضات قائمة شكليًّا، فيما يؤجَّل القرار السياسي إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيليّة والأميركيّة. وهذا السيناريو خطير لأنَّ الفراغ بين الاتفاق والتنفيذ يسمح للقوى المعطِّلة بإعادة تنظيم نفسها. أمّا الثالث فهو سيناريو الانتكاس. تصعيدٌ ميداني يعيد إنتاج الحرب، ويُسقط منطق التدرُّج، ويمنح المتطرِّفين على طرفَي الحدود الحجّة لإعلان فشل المسار السياسي. مهمّة الدبلوماسيّة اللبنانيّة اليوم هي منع السيناريو الثالث، وعدم الاستسلام للثاني، والدفع بقوّة نحو الأوّل.

 

لقد دفع اللبنانيّون/ات طويلًا ثمن تحويل بلدهم إلى ساحةٍ لمشاريع الآخرين. واليوم، للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، تتوافر إمكانيّة الانتقال من لبنان السّاحة إلى لبنان الدَّولة. لكنَّ الفرصة ليست ضمانة. الانتخابات الإسرائيليّة ستضغط باتّجاه رفع سقوف الخطاب الأمني. والانتخابات الأميركيّة قد تقلِّص هامش الحركة لدى واشنطن. والمواجهة الأميركيّة–الإيرانيّة ستبقى عاملًا ضاغطًا على الإقليم. ولذلك فإنَّ الانتظار ليس سياسة.السياسة هي أن يعرف لبنان ماذا يريد، وبأيِّ ترتيبٍ يريد تحقيقه، ومع مَن، وضمن أيِّ ضمانات. الأولويّة هي الدَّولة. دولةٌ تستعيد كامل أراضيها. دولةٌ تحتكر السّلاح والقوَّة الشرعيّة. دولةٌ لا تقبل الاحتلال ولا السّلاح الموازي. دولةٌ تفاوض من منطلق المصلحة الوطنيّة لا من عقدة الخوف ولا من أوهام القوَّة. دولةٌ تعيد بناء الجنوب، وتؤمِّن عودة أبنائه، وتحمي حدودها، وتعيد وصل لبنان بمحيطه العربي وبالشراكات الدوليّة.السلام المطلوب ليس سلام التخلّي عن الحقوق، كما أنّ السّيادة ليست شعارًا أيديولوجيًّا. السّلام المستدام هو إحدى وظائف السّيادة، والسّيادة المكتملة هي شرط السلام المستدام.

 

من هنا، يجب ألّا يُختزل الاتفاق الإطاري بسؤال، ماذا تريد إسرائيل؟ أو ماذا تريد الولايات المتّحدة الأميركيّة؟ أو ماذا ستفعل إيران؟ السُّؤال الذي يجب أن يحكم المرحلة هو ماذا يريد لبنان؟ إذا كان يريد فعلًا الانتقال إلى دولةٍ سيِّدة، إصلاحيّة وقادرة على الصمود، فعليه أن يحوِّل الاتفاق الإطاري من نصٍّ تفاوضي إلى سياسة دولة، وأن يفصل مساره عن تقلُّبات الانتخابات في إسرائيل والولايات المتّحدة الأميركيّة، وأن يثبِّت حقوقه والتزاماته ضمن مؤسَّسات وآليّات وضمانات قابلة للاستمرار مهما تغيَّرت الحكومات. الانتخابات ستأتي وتذهب. الحكومات ستتغيَّر. الإدارات ستتبدَّل. موازين القوى الإقليميّة نفسها ليست أبديّة. أمّا ما يجب ألّا يتغيَّر فهو المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة العليا. لقد أُدير لبنان لعقودٍ بمنطق انتظار الخارج. إنتظار التسويات، وانتظار الحروب، وانتظار نتائج الانتخابات، وانتظار تبدُّل موازين القوى. آن الأوان لعكس المعادلة. ليس المطلوب أن ينتظر لبنان ما ستفرضه الانتخابات الإسرائيليّة والأميركيّة عليه، بل أن يبني مناعةً مؤسَّساتيّة تجعل نتائج تلك الانتخابات متغيِّرًا في حساباته، لا محدِّدًا لمصيره. هنا بالضبط يبدأ الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة السّياسات، ومن التكيُّف مع الوقائع إلى المشاركة في صنعها، ومن اللّادولة إلى الدَّولة.وهنا أيضًا يبدأ المعنى الحقيقي للسّيادة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث