عون يحشد أوروبا للدولة وحاصباني يدعو إلى حسم ملف السلاح

المدن - سياسةالاثنين 2026/08/24
Image-1787596680.Jpg
حجم الخط
مشاركة عبر

في موازاة التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب، يوسّع رئيس الجمهورية جوزاف عون دائرة تحرّكه الخارجي، واضعًا أمام العواصم الأوروبية معادلة لبنانية واضحة، دعم الدولة ومؤسّساتها، تثبيت الاستقرار، والضغط لإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية. وفي الداخل، يتقاطع هذا المسار مع تصاعد الخطاب الداعي إلى حصر السلاح بيد الدولة، ورفض أيّ محاولة للتعامل مع قوى سياسية أو عسكرية خارجها بوصفها صاحبة شرعية موازية.

هذا التقاطع برز بوضوح في لقاءات قصر بعبدا، حيث استقبل عون وزير الخارجية النروجي إسبن بارث آيدي، كما التقى وزير الدفاع ميشال منسى والنائب غسان حاصباني، في وقت بقيت فيه نتائج زيارة روما والمفاوضات المرتبطة بالجنوب حاضرة في أكثر من لقاء.

 

عون إلى أوروبا: ساعدوا لبنان على تثبيت الاستقرار

دبلوماسيًا، استقبل عون وزير الخارجية النروجي إسبن بارث آيدي، بحضور سفيرة النروج في لبنان هيلدا هارالدستاد والوفد المرافق، وبحث معه الأوضاع العامة في لبنان، ولا سيّما التطورات في الجنوب، إضافة إلى المستجدات الإقليمية.

وشكر عون النروج على "الاهتمام المتواصل بلبنان"، وعلى متابعتها عمل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، مذكّرًا بأنّ أوسلو كانت من المشاركين الأساسيين في القوة الدولية منذ إنشائها، وبوقوفها إلى جانب لبنان في المحافل الدولية.

لكن الرسالة الأساسية التي حملها اللقاء كانت موجّهة إلى أوروبا عمومًا، إذ طلب عون من الوزير النروجي العمل مع الدول الأوروبية الأخرى لمساعدة لبنان على تحقيق الأهداف التي وضعتها الدولة، لناحية النهوض بالمؤسسات، وترسيخ الأمن والاستقرار، والوصول إلى السلام في لبنان والمنطقة.

كما دعا إلى تعزيز المساعدات الإنسانية النروجية، خصوصًا للبنانيين النازحين من المناطق التي تعرّضت للاعتداءات الإسرائيلية.

من جهته، جدّد آيدي استعداد بلاده لتقديم الدعم للبنان لتجاوز المرحلة الراهنة، مؤكدًا وقوف النروج إلى جانب الدولة والحكومة والشعب اللبناني "في الخيارات التي يتخذونها والتي تحقق مصلحة هذا البلد"، ومشددًا على ضرورة احترام سيادة لبنان وأمنه واستقراره.

كما أكد استمرار بلاده في تأمين المساعدات الإنسانية للبنانيين ولعائلات العسكريين.

 

رهان رئاسي على المظلّة الأوروبية

ويأتي التحرك باتجاه النروج بعد زيارة عون الأخيرة إلى روما، بما يعكس سعيًا رئاسيًا لتوسيع المظلّة الأوروبية المحيطة بالمسار اللبناني، في وقت تدخل فيه ترتيبات الجنوب مرحلة دقيقة، سواء في ما يتعلق بالمفاوضات الجارية، أو بمستقبل "اليونيفيل"، أو بالبحث عن صيغة تسمح بانتشار أوسع للجيش اللبناني وانسحاب القوات الإسرائيلية.

فالمقاربة اللبنانية لا تقوم فقط على طلب الضغط لوقف الاعتداءات، بل على محاولة تثبيت دعم دولي لخيار الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة في الملفات الأمنية والعسكرية، بالتوازي مع تأمين دعم مباشر للمؤسسة العسكرية.

وفي هذا الإطار، عرض عون مع وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى الأوضاع الأمنية في البلاد وأوضاع المؤسسة العسكرية، في ظلّ ما يفرضه التصعيد الجنوبي من أعباء إضافية على الجيش.

 

حاصباني: لا شرعية خارج الدولة

أما داخليًا، فبرز موقف أكثر مباشرة للنائب غسان حاصباني بعد لقائه رئيس الجمهورية، إذ شدّد على أنّ لبنان يمتلك دولة شرعية منتخبة "تمثّل الشعب اللبناني في كافة المحافل والمنابر وتنطق باسمه"، رافضًا أيّ تفكير بوجود شرعية أخرى خارج مؤسسات الدولة.

وقال حاصباني إنّ الوضع اللبناني يختلف عن حالات دول تغيب فيها السلطة المركزية، ما يدفع إلى التواصل المباشر مع قوى الأمر الواقع، مشددًا على أنّ لبنان لديه مؤسسات شرعية ينبغي أن تمرّ من خلالها كلّ الملفات.

وربط حاصباني بين المستويات السياسية والأمنية والقضائية والمالية في التعامل مع أيّ قوة تعمل خارج سلطة الدولة، معتبرًا أنّ بسط السيادة لا يمكن أن يتم عبر معالجة ملف واحد بصورة منفصلة، بل من خلال عمل متكامل يعيد القرار إلى المؤسسات الشرعية.

وفي هذا السياق، اعتبر أنّ النشاط الخارجي الذي يقوم به عون، والاتصالات مع الدول المعنية بالملف اللبناني، يجب أن تترافق مع خطوات عملية داخلية لتنفيذ ما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري، وصولًا إلى بناء "الدولة الفعلية".

 

رسالته إلى برّاك: واشنطن وضّحت موقفها

وتوقّف حاصباني عند الرسالة التي وجّهها إلى المبعوث الأميركي توم برّاك، موضحًا أنّها عبّرت عن موقف سياسي ثابت لا عن رأي شخصي.

وقال إنّ الرسالة هدفت أولًا إلى التأكيد أنّ الدولة اللبنانية وحدها مخوّلة تمثيل اللبنانيين والتحدث باسمهم، وثانيًا إلى إعادة تثبيت الموقف من "حزب الله" بوصفه، وفق تعبيره، يعمل خارج شرعية الدولة.

وفي الوقت نفسه، شدّد حاصباني على ضرورة عدم الخلط بين "حزب الله" والطائفة الشيعية، مؤكدًا أنّ اللبنانيين الشيعة جزء أساسي من الدولة والمجتمع اللبناني، وأنّ الخلاف السياسي يتعلق بالسلاح والعمل خارج المؤسسات، لا بانتماء طائفي.

وأشار إلى أنّ برّاك عاد ووضّح موقفه بعد الجدل الذي أثارته تصريحاته، مؤكدًا أنّ الولايات المتحدة تتعامل مع الدولة اللبنانية ولا تتفاوض مع قوى خارج إطارها.

وهذا التوضيح الأميركي يلتقي مع الرسالة التي تحاول الرئاسة اللبنانية تثبيتها خارجيًا، أي منع تحوّل الاعتراف بوجود قوى أمر واقع إلى اعتراف بشرعية سياسية أو تفاوضية موازية للدولة.

 

"لا وقت لشراء الوقت"

لكن الجزء الأكثر حدّة في كلام حاصباني تعلق بملف السلاح، إذ اعتبر أنّ لبنان لم يعد يحتمل "لعبة الوقت وشراء الوقت"، وأن المرحلة تتطلب قرارات حاسمة وخطوات فعلية باتجاه حصر السلاح بيد الدولة.

ورأى أنّ أيّ مرونة يمكن إبداؤها يجب أن تبدأ من الاعتراف الواضح بقرارات الدولة وقوانينها والانضواء ضمن مؤسساتها الديمقراطية، على أن يشمل ذلك تسليم السلاح وحصره بالمؤسسات الشرعية.

كما اعتبر أنّ بعض مظاهر "الانفتاح" التي برزت في الفترة الأخيرة قد تكون محاولة لكسب مزيد من الوقت، في إشارة غير مباشرة إلى المواقف الصادرة عن "حزب الله" بشأن الحوار والمسار السياسي.

 

المفاوضات: نموذج قابل للتوسّع

وفي ما يتعلق بالمفاوضات الجارية حول الجنوب، قال حاصباني إنّ الإطار الحالي يشكل مرحلة تأسيسية لنموذج يمكن استخدامه لاحقًا في مناطق أخرى، بما يسمح بتوسيع انتشار الجيش اللبناني وتسهيل الانسحاب الإسرائيلي.

وأوضح أنّ ما يجري في "المناطق النموذجية" لا يُنظر إليه باعتباره معالجة منفصلة، بل اختبارًا لصيغة يمكن توسيعها إذا نجحت.

غير أنّ حاصباني حذّر من ضيق الوقت، مشيرًا إلى أنّ النافذة المتاحة أمام لبنان قبل استحقاقات إقليمية وأميركية مقبلة ليست واسعة، وبالتالي فإنّ إطالة المفاوضات من دون نتائج ملموسة قد تؤدي إلى خسارة فرصة سياسية لا تتكرر بسهولة.

 

روما حاضرة في بعبدا

وكانت نتائج زيارة عون إلى روما حاضرة أيضًا في لقائه النائب أحمد الخير، حيث جرى البحث في اتفاق الإطار والمباحثات التي يمكن أن تساهم في دفع التفاهمات الرامية إلى تثبيت الاستقرار.

كما بحث عون مع النائب السابق هادي حبيش نتائج الزيارة نفسها، إلى جانب القوانين التي أقرّها مجلس النواب أخيرًا، ولا سيّما قانونَي العفو والإعلام.

وفي المحصلة، تكشف حركة بعبدا عن محاولة لجمع مسارات عدّة تحت عنوان واحد، استخدام الدعم الخارجي لتعزيز موقع الدولة داخليًا، ومنع أن تتحول المفاوضات حول الجنوب إلى ترتيبات أمنية منفصلة عن مشروع استعادة السيادة.

فالرسالة التي يكررها عون أمام الأوروبيين هي أن لبنان يحتاج إلى دعم الدولة، لا إلى إدارة أزمته فقط. وفي الداخل، ترتفع في المقابل الأصوات المطالبة بترجمة هذا الدعم إلى خطوات تتصل بالسلاح والسيادة. وبين المسارين، يبقى العامل الحاسم هو الوقت، لأنّ أيّ تأخير في إنتاج نتائج ميدانية وسياسية قد يمنح إسرائيل مساحة أكبر لفرض وقائع جديدة في الجنوب، ويجعل مهمة الدولة أصعب كلما تأخر تثبيت حضورها على الأرض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث