فيما تسعى واشنطن إلى إنقاذ المسار السياسيّ وعقد جولة ثامنة من المفاوضات في روما خلال أيلول المقبل، تشي التطوّرات الميدانيّة المتسارعة في الجنوب بأنّ قرار الحسم العسكريّ قد يسبق أيّ تفاهم سياسيّ، إذ يصرّ بنيامين نتنياهو على فرض واقع أمنيّ وجغرافيّ جديد، عبر استكمال القصف والتجريف، وتطبيق سيناريو عسكريّ يبدأ بالحسم في مرتفعات علي الطاهر، وقد يتمدّد شمالًا.
اللافت أنّ العمليّات الإسرائيليّة في الجنوب تتّخذ منحًى مبرمجًا في التصعيد. ففي الأيّام الأخيرة، تكثّفت هذه العمليّات بين الغارات والقصف والنسف المنهجيّ للبنى التحتيّة والمنازل. وشهدت بلدات المنصوري وكفرتبنيت والخيام ويحمر وميس الجبل مضاعفة عمليّات النسف والتجريف، مترافقةً مع إحراق الممتلكات والحقول الزراعيّة. وبات واضحًا أنّ الهدف هو ترسيخ الأمر الواقع في المنطقة الأمنيّة المرشّحة للاتّساع. وهو ما يعكسه التمادي في التوغّل الميدانيّ، في مناطق عدّة كحداثا وحاريص والخيام.
وتبقى الحلقة الأساس في أيّ تصعيد مقبل مرتفعات علي الطاهر. ووفق صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تمكّن الجيش الإسرائيليّ من تطويق مجمّع قياديّ تحت الأرض في تلك المرتفعات، محاصرًا عشرات الكوادر من "حزب الله" وضبّاطًا من الحرس الثوريّ الإيرانيّ. وتجنّبًا لمواجهة دامية ومكلفة في متاهة الأنفاق، ولتفادي صدام إقليميّ واسع قد يدفع إيران إلى استهداف قواعد أميركيّة، تعتمد إسرائيل نهجًا شبيهًا بـ"معركة رفح"، يقوم على إحكام الحصار خنقًا، والتقدّم البطيء في فتحات الأنفاق.
توازيًا، ثمّة انسداد في مسار المفاوضات، إذ يقترح لبنان تولّي الجيش اللبنانيّ تفكيك البنية التحتيّة تحت الأرض وفوقها، ولكن بعد الانسحاب الإسرائيليّ. وتراوح المساعي الدبلوماسيّة مكانها، مع تعثّر جهود رئيس مجموعة التنسيق العسكريّ "MCG4L"، جوزيف كليرفيلد، لانتزاع انسحاب إسرائيليّ من منطقة تجريبيّة ثانية. كما تركّزت محادثات قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، في إيطاليا على صيغة التنسيق البديلة لـ"اليونيفيل" ودور إيطاليا المرتقب، في ظلّ تباينات حول طبيعة المهمّة والبقعة الجغرافيّة التي ستشملها ترتيبات ما بعد "اليونيفيل"، وضغوط إسرائيليّة تسبق الجلسة المرتقبة لمجلس الأمن في 28 آب.
وكشف مصدر رسميّ لبنانيّ أنّ الرئيس جوزاف عون لم يبحث مع المسؤولين الإيطاليين، خلال زيارته لروما، في آليّة التحقّق، لأنّ الموضوع متروك للوسيط الأميركيّ الذي يعرف تفاصيل المهمّة المطلوبة من الآليّة. وأضاف المصدر أنّ للبنان ملء الثقة بأنّ اختيار واشنطن للجهة التي ستتولّى آليّة التحقّق سيكون صائبًا، كما نفى كلّ ما نُشر عن تسلّم لبنان لائحة مختصرة بالدول التي يمكن أن تتولّى المهمّة، أو موافقته على أيّ جهة.
وسط هذا المشهد، تبدو المساعي الدبلوماسيّة والجولة المقبلة من المفاوضات ومصير الجنوب برمّته في سباق مع مشاريع التصعيد والتوسّع الإسرائيليّة، إذ يمكن أن ينحدر الوضع، بصورة مفاجئة، إلى منزلق بالغ الخطورة، إذ ثمة مخاوف من قيام نتنياهو باستخدام الجنوب ساحة لتصفية الحساب مع إيران.
وفي سياق آخر، اكتسب "بقاء" محمد رضا شيباني في بيروت دلالةً تتجاوز ملفّ الإقامة. فقد منحه الأمن العام اليوم إقامةً عاديّة لستّة أشهر، باستخدام جواز سفره غير الدبلوماسيّ، من دون أيّ حصانة أو صفة تمثيليّة، وبغطاء من الرؤساء الثلاثة. وفي المقابل، تتّجه طهران إلى منحه مهمّةً سياسيّة بوصفه مبعوثًا لشؤون لبنان وسوريا.
تعكس الصيغة رغبة لبنان الرسميّ في إبقاء قناة مع إيران، من دون التراجع عن رفض اعتماد شيباني سفيرًا. لكنّ نجاحها يتوقّف على عدم تحوّل الإقامة العاديّة إلى اعتماد دبلوماسيّ مقنّع، انطلاقاً من اقتناع الدولة بأن أيّ دور إيرانيّ يجب أن يمرّ عبر قنواتها، لا عبر تفاهمات موازية، في ما يتعلّق بالسلاح أو بمستقبل الجنوب.
نتنياهو يفاوض بالجرافة
لا تبدو العمليّات الإسرائيليّة المتّسعة مجرّد ردود أمنيّة منفصلة. فهي تتحرّك وفق منطق متدرّج. يبدأ بالقصف، يمرّ بعزل المناطق وقطع الطرق، وينتهي بالنسف والتجريف وتغيير المعالم. الهدف ليس فقط تدمير قدرة عسكريّة مفترضة، بل تعديل الجغرافيا التي ستدخل لاحقًا إلى المفاوضات.
فالمنصوري والخيام وميس الجبل وكفرتبنيت ليست نقاطًا متفرّقة في خريطة القصف. إنّها جزء من محاولة لربط المحاور الإسرائيليّة وتوسيع عمق المنطقة الأمنيّة. وحين تُحرق الحقول وتُنسف المنازل وتُرفع السواتر، يصبح منع السكّان من العودة أداةً لترسيخ السيطرة. عندها، لا تعود إسرائيل تفاوض على الانسحاب من واقع سابق، بل من واقع جديد صنعته بالقوّة.
لهذا، يكتسب التوقيت الانتخابيّ الإسرائيليّ أهميّته. فنتنياهو يحتاج إلى إنجاز يمكن عرضه على ناخبيه، لكنه لا يريد حربًا شاملة قد تنتج خسائر كبيرة. والحلّ الأنسب له هو عمليّة محدودة في ظاهرها، واسعة في نتائجها، تتيح له القول إنّه غيّر قواعد الجنوب وفرض شروطه من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
علي الطاهر: الحصار بدل الاقتحام
تمثّل مرتفعات علي الطاهر العقدة الأصعب. فهي، بحسب الرواية الإسرائيليّة، تضمّ شبكة أنفاق ومراكز قيادة، وتشرف على مساحة واسعة من النبطيّة ومحيطها. لكنّ أهميّتها تجاوزت بعدها العسكريّ. لقد تحوّلت إلى ورقة تفاوض، وإلى عنوان لقياس قدرة إسرائيل على فرض الترتيبات التي تريدها.
تفيد القراءة المنشورة في "يديعوت أحرنوت"، بأنّ الجيش الإسرائيليّ يفضّل تطويق المجمّع بدل اقتحامه سريعًا. فالأنفاق تحرم القوّة المهاجمة من تفوّقها الجويّ، وترفع احتمال وقوع خسائر. لذلك، يصبح الحصار أداةً عسكريّة وتفاوضيّة معًا، يضيّق حركة الموجودين داخل المنشأة، ويمنح إسرائيل الوقت لفرض تسليمها إلى الجيش اللبنانيّ بشروطها.
غير أنّ الموقف اللبنانيّ ينطلق من ترتيب معاكس، الانسحاب الإسرائيليّ أوّلًا، ثمّ دخول الجيش وتفكيك أيّ بنية عسكريّة غير شرعيّة. أمّا الصيغة الإسرائيليّة، فتريد التنفيذ اللبنانيّ مسبقًا، ثمّ تترك الانسحاب معلّقًا على تقييمها. وهنا يقع جوهر الخلاف، لأنّ القبول بهذا التسلسل يمنح إسرائيل حقًّا مفتوحًا في تقرير مدى التزام الدولة اللبنانيّة فوق أرضها.
روما بلا أوراق ضغط
تسعى واشنطن إلى عقد جولة ثامنة في أيلول، لكنّ المشكلة ليست في عدد الجولات. المشكلة في أنّ التفاوض لم ينتج توازنًا بين الالتزامات. لبنان يقدّم انتشار الجيش وتفكيك المنشآت، فيما لا تقدّم إسرائيل موعدًا واضحًا للانسحاب، ولا توافق على الانتقال إلى منطقة تجريبيّة ثانية.
تراجُع توم برّاك عن حديثه بشأن إشراك "حزب الله" وإيران، وتأكيده أنّ التفاوض يجري مع الحكومة اللبنانيّة حصرًا، يعيدان إلى الدولة صفتها التمثيليّة. لكنّهما لا يمنحانها قوّة تفاوضيّة إضافيّة. فإسرائيل تستفيد من الوقت لتوسيع عمليّاتها، بينما يراهن لبنان على وسيط أميركيّ لم ينجح حتّى الآن في إلزامها بخطوة مقابلة.
لهذا، يصبح نجاح جولة روما مرتبطًا بانسحاب ملموس، لا بصياغة تفاهمات جديدة. فإذا انعقدت الجولة فيما بقيت المناطق التجريبيّة معلّقة، ستتحوّل المفاوضات إلى غطاء لإدارة التصعيد، لا إلى مسار لوقفه.
آليّة التحقّق وما بعد "اليونيفيل"
لا يزال الغموض يحيط بآليّة التحقّق. وقد نفى المصدر الرسميّ اللبنانيّ أن يكون الرئيس عون ناقش تفاصيلها في روما، أو أن يكون لبنان تسلّم لائحة بالدول المرشّحة. وهذا النفي يضع المعلومات السابقة عن دور إيطاليّ شبه محسوم في إطار الاحتمالات، لا القرارات.
لكنّ السؤال يتجاوز هويّة الدولة التي ستشارك. فالمسألة تتعلّق بمرجعيّة الآليّة وصلاحيّاتها وعلاقتها بالجيش. أيّ وجود دوليّ جديد يجب أن يعمل تحت السيادة اللبنانيّة، لا أن يتحوّل إلى سلطة تفتيش موازية تسمح لإسرائيل بالاعتراض على تقارير الجيش كلّما أرادت تأجيل انسحابها.
كما ينبغي الفصل بين مهمّة التحقّق المؤقّتة ومستقبل "اليونيفيل". فالبحث في ترتيبات ما بعد القوّة الدوليّة يحتاج إلى قرار سياسيّ وقانونيّ أوسع، ولا يمكن اختصاره بإجراء تقنيّ. وتزداد حساسيّة هذا الملفّ مع اقتراب جلسة مجلس الأمن في 28 آب، ومحاولة إسرائيل توسيع مفهوم الرقابة بما يخدم حريّة حركتها داخل لبنان.
الضغط يتجاوز الحدود إلى التمويل
بالتوازي مع الضغط العسكريّ، تتّسع الحرب الماليّة على إيران و"حزب الله". فقد زعم تقرير لمركز "ألما" الإسرائيليّ، استنادًا إلى عقوبات أميركيّة صدرت في 20 آب، وجود شبكة اعتمدت سعاةً ورحلات تجاريّة وشركات صوريّة ومسارات تمرّ عبر تركيا والإمارات والعراق لنقل الأموال إلى لبنان.
أهميّة هذه المعطيات ليست في تبنّي السرديّة الإسرائيليّة، بل في فهم اتّساع شروط المواجهة. فإسرائيل لا تستهدف مواقع الحزب فقط، بل تريد منع إعادة بناء قدراته بعد أيّ اتفاق. وهذا يعني أنّ المفاوضات لن تبقى محصورةً بجنوب الليطاني، بل ستطاول التمويل والمطار وشركات الصرافة والعلاقات مع إيران. كلّما توسّعت الشروط، صار الاتفاق أصعب، وصار خطر استخدام القوّة لفرضها أكبر.
الدولة أمام لحظة القرار
دعوة الرئيس عون إلى الوحدة ضروريّة، لكنها لا تكفي. المطلوب توحيد الموقف التنفيذيّ، الانسحاب الإسرائيليّ يجب ألّا يتحوّل إلى مكافأة مؤجّلة بعد تنفيذ لبنان كلّ التزاماته، وآليّة التحقّق يجب ألّا تتقدّم على الجيش، والاتصالات مع إيران يجب ألّا تنتج مسارًا موازيًا للدولة.
المشكلة أنّ إسرائيل تتقدّم في الأرض، فيما يتقدّم لبنان في صياغة المقترحات. وإذا استمرّ هذا الاختلال حتّى جولة أيلول، ستصل بيروت إلى روما لتفاوض على وقائع تغيّرت بالفعل. عندها، لن يكون السؤال هل تنجح الجولة الثامنة، بل أيّ جنوب سيبقى متاحًا للتفاوض عليه.




