لم يعد السؤال ما إذا كان الدبلوماسيّ الإيرانيّ محمد رضا شيباني سيغادر لبنان اليوم؛ أي بانتهاء المهلة المحدّدة في 24 آب. فوفق معلومات "المدن"، بات المخرج جاهزًا لإبقائه في بيروت. السؤال انتقل إلى مكان آخر: كيف سيُمدَّد وجود رجل أعلنته وزارة الخارجيّة "شخصًا غير مرغوب فيه"، من دون إبطال قرارها، أو دفع العلاقات اللبنانيّة، الإيرانيّة نحو مواجهة مفتوحة؟
المخرج رئاسيّ بغطاء إداريّ. فقد اتّخذ المدير العام للأمن العام، اللواء حسن شقير، وبموافقة رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، قرارًا يقضي بالموافقة على منح شيباني إقامةً في لبنان، في حال تقدّم بطلبها. وبذلك، لن يغادر السفير الإيرانيّ المعيّن بيروت في المرحلة الحاليّة، على الرغم من استمرار الإشكاليّة المتعلّقة بوضعه الدبلوماسيّ.
لكنّ تمديد الإقامة لا يحلّ أصل الخلاف. إنّه يشتري وقتًا سياسيًّا، ويمنع انفجار أزمة مع طهران، لكنه يفتح داخل الدولة سؤالًا أصعب: هل يمكن الفصل بين شيباني المقيم بصفته دبلوماسيًّا سابقًا، وشيباني الذي أرسلته إيران لتمثيلها سياسيًّا في لبنان؟
"إقامة مجاملة" بدل الاعتماد الدبلوماسيّ
تقول مصادر معنيّة لـِ "المدن" إنَّ شيباني، في حال تقدّم إلى الأمن العام بطلب إقامة، سيحصل عليها استنادًا إلى التعليمات التي تجيز منح "إقامة مجاملة" لأيّ دبلوماسيّ سبق له أن خدم في لبنان. وكان شيباني قد تولّى السفارة الإيرانيّة في بيروت سابقًا، وكان على رأس البعثة خلال حرب تمّوز 2006، قبل أن تعيده طهران إلى لبنان مطلع عام 2026.
تمنح هذه القاعدة المخرج طابعًا إداريًّا. فالإقامة لا تُعطى لكون شيباني السفير الذي رفض لبنان اعتماده، بل باعتباره دبلوماسيًّا سابقًا خدم في البلاد. وهذا التفريق يسمح لبعبدا بالقول إنّها لم تتراجع عن رفض الاعتماد، وللأمن العام بأنّه طبّق تعليمات قائمة، ولطهران بأنّ ممثّلها لم يُجبر على المغادرة.
غير أنّ الحلّ القانونيّ في الشكل يبقى سياسيًّا في المضمون. فـَ "إقامة المجاملة" تتيح لشيباني البقاء، لكنها لا تعيد إليه صفته سفيرًا، ولا تمنحه حصانةً دبلوماسيّة جديدة، ولا تخوّله ممارسة مهمّات رسميّة باسم إيران. وأيّ تجاهل لهذا الحدّ سيعيد الأزمة فورًا، لأنَّ ما يُمنح بصفته إقامةً شخصيّة سيتحوّل عمليًّا إلى اعتماد دبلوماسيّ مقنّع.
رجّي: القرار لا يقبل "تسوية أوضاع"
وكان قد عاد الاشتباك الدبلوماسيّ بين وزير الخارجيّة والمغتربين يوسف رجّي وطهران إلى الواجهة، مع اقتراب انتهاء تأشيرة شيباني، يوم الاثنين في 24 آب. فالملفّ المعلّق منذ رفض لبنان اعتماده لم يعد خلافًا على اسم دبلوماسيّ أو إجراء بروتوكوليّ. لقد تحوّل إلى اختبار لقدرة الدولة على تنفيذ قرارها، من دون دفع العلاقة مع إيران إلى أزمة مفتوحة.
وكانت الخارجيّة اللبنانيّة قد سحبت، في 24 آذار، موافقتها على اعتماد شيباني، وأعلنته "شخصًا غير مرغوب فيه"، وطلبت إليه المغادرة قبل 29 آذار. لكنه بقي في بيروت، في ظلّ اعتراض "حزب الله" ورئيس مجلس النواب نبيه برّي على القرار، وفق ما أفادت به تقارير عدّة في حينه. وأعلنت طهران يومها أن شيباني سيبقى في لبنان.
ولم يترك رجّي مساحةً للاجتهاد. فقد أعلن أنّ اعتبار أيّ دبلوماسيّ شخصًا غير مرغوب فيه يُسقط مفاعيل التأشيرات والإقامات السابقة، ويلزمه بمغادرة الدولة المضيفة. ووصف الحديث عن التجديد أو "تسوية الأوضاع" بأنّه "هرطقة قانونيّة"، معتبرًا أنّ القرار سياديّ ونهائيّ، ولا يجوز الالتفاف عليه بمنح شيباني صفةً أخرى.
بالنسبة إلى وزير الخارجيّة، المشكلة ليست في نوع الإقامة. فالرجل نفسه أُعلن غير مرغوب فيه، لا صفته وحدها. ومن هنا، فإنّ مخرج الأمن العام سيُقرأ في الوزارة على أنّه تجاوز لمفاعيل القرار، ولو استند إلى تعليمات إداريّة تسمح بمنح الإقامة لدبلوماسيّ سابق.
وتكشف القضيّة تناقضًا يتجاوز الخلاف بين وزير ورئيس. فوزارة الخارجيّة تقول إنّ شيباني يجب أن يغادر تنفيذًا لقرار سياديّ. وبعبدا توافق على مخرج يسمح له بالبقاء. أمّا الأمن العام، فيستند إلى قاعدة إداريّة لا تعيد إليه صفته الدبلوماسيّة، لكنها تعطّل النتيجة العمليّة التي أرادتها الوزارة؛ أي المغادرة.




