توم باراك: حين تضبط واشنطن ردود الأفعال بدل أن تضبط إسرائيل

خلدون الشريفالاثنين 2026/08/24
Image-1765966292
باراك: ضابط إيقاع لاستراتيجية أميركيةإسرائيلية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثار المبعوث الأميركي توم باراك في الأيام الأخيرة سجالاً غير مألوف مع إسرائيل. انتقد الضربة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور في سوريا، وشكك في مبرراتها، وحذّر من أن إسرائيل وتركيا اقتربتا من مواجهة مباشرة. وذهب أبعد من ذلك حين ذكّر بأن الجولان أرض تحتلها إسرائيل خلافاً لقرارات الأمم المتحدة. وفي لبنان، تساءل كيف يمكن حل المعضلة فيه من دون إشراك حزب الله وإيران.

جاء الرد الإسرائيلي سريعاً. فقد اعتبر وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن باراك يناقض رئيسه دونالد ترامب، الذي اعترف عام 2019 بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وعاد أخيراً إلى التباهي بهذا القرار أمام الرئيس السوري أحمد الشرع.

 

يسهل أن تُقرأ هذه الوقائع باعتبارها دليلاً على خلاف يتسع بين واشنطن وتل أبيب، أو بين ترامب وبنيامين نتنياهو. لكن قراءة أخرى تبدو أكثر اتساقاً مع ما يجري: باراك لا يعمل على تغيير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، ولا يملك أصلاً صلاحية فعل ذلك، بل يحاول احتواء تداعيات ما تفعله إسرائيل وإدارتها إقليمياً.

فحتى الآن، لا تظهر أي مؤشرات جدية إلى افتراق استراتيجي بين ترامب ونتنياهو. الأهداف الكبرى متقاربة حدّ التماهي: إضعاف إيران ومنعها من إعادة بناء قدراتها وشبكتها الإقليمية المسلحة، وصولاً إلى هدف إسقاط النظام الذي بات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يعلنه صراحة؛ إنهاء القدرات العسكرية المستقلة لحماس وحزب الله؛ إبقاء سوريا خارج النفوذ الإيراني ومنعها من استعادة قدرات عسكرية وأمنية يمكن أن تغيّر موازين القوة؛ وضمان التفوق العسكري الإسرائيلي في الإقليم كله.

وفي إيران تحديداً، لم تعمل واشنطن كمجرد مؤيد للهدف الإسرائيلي، بل كشريك مباشر في تحقيقه. وفي لبنان، تواصل العقوبات والضغط المالي على حزب الله وشبكاته بالتوازي مع الدفع نحو حصر السلاح بيد الدولة، مستفيدة من الضغط العسكري الإسرائيلي. وفي غزة، تعمل واشنطن على ترتيبات يكون تجريد حماس من قدرتها العسكرية أحد أهدافها الأساسية. الأدوات مختلفة، لكن الوجهة واحدة إلى حد بعيد.

الخلاف يبدأ عند الوسائل والتوقيت وحدود استخدام القوة. فإسرائيل تنظر إلى المنطقة أساساً من زاوية أمنها وحرية حركتها العسكرية والحفاظ على تفوقها مستقبلاً، فيما على الولايات المتحدة أن تدير شبكة أوسع بكثير من المصالح: تركيا وسوريا ولبنان والخليج وإيران، وأمن الطاقة، والممرات، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات. ما تستطيع إسرائيل أن تنظر إليه باعتباره مسألة أمنية مباشرة، تضطر واشنطن إلى حساب نتائجه على نظام إقليمي كامل.

وهنا تظهر وظيفة باراك.

 

الكلام يتغير… والاستراتيجية لا تتغير

الجولان هو المثال الأبسط. يستطيع باراك أن يصفه بأنه أرض تحتلها إسرائيل، لكن واشنطن لم تسحب اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية عليه ولم تعلن مراجعته. بل إن ترامب نفسه عاد أخيراً، أمام الرئيس السوري، إلى التذكير باعترافه بالجولان باعتباره أحد القرارات التي اتخذها لمصلحة إسرائيل.

كلام باراك يمنح دمشق مساحة سياسية ويساعد في تخفيف الاحتقان مع القيادة السورية الجديدة، لكنه لا يغير القرار الأميركي. فواشنطن تريد أحمد الشرع خارج المواجهة مع إسرائيل وداخل الترتيب الجديد للمنطقة، وتريد سوريا مستقرة قدر الإمكان وخارج النفوذ الإيراني، من دون التراجع عما منحه ترامب لإسرائيل.

أما ضربة أبو الظهور فتقدم المثال الأكثر وضوحاً.

فوفق رواية باراك نفسه، أبلغت إسرائيل واشنطن على مدى خمسة أيام بمخاوفها مما يجري في المطار. راجع الأميركيون أجهزة استخباراتهم، وتواصل السوريون مع الموساد وأبلغوه بعدم وجود قوات أو قوافل أو أسلحة تركية، وعدم وجود نشاط هجومي. وكان يفترض أن يستمر الحوار ضمن آلية التنسيق القائمة.

لكن إسرائيل قررت قصف مدرجي المطار من دون إبلاغ تركيا.

بالنسبة إلى باراك، لم تكن المشكلة في الضربة وحدها، بل في خطر أن تجر إلى مواجهة أوسع. فالطائرات الإسرائيلية اقتربت، بحسب روايته، إلى نحو ثمانين كيلومتراً من حدود دولة تملك جيشاً قوياً وسلاح جو كبيراً، وسط توتر سياسي حاد بين أنقرة وتل أبيب.

 

ماذا فعلت واشنطن عملياً؟

لم تفرض قيداً جديداً على حرية الحركة الإسرائيلية، بل تحركت لإعادة تفعيل آليات منع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا واحتواء الأزمة. والأكثر دلالة أن إسرائيل عادت، بعد تصريحات باراك بأربع وعشرين ساعة، لتنفذ ضربة أخرى داخل سوريا، مستهدفة سيارة قرب بيت جن في ريف دمشق الغربي.

الاعتراض الأميركي لم يتحول، إذاً، إلى قيد على استخدام إسرائيل للقوة.

هذه ليست صورة واشنطن وهي تضبط إسرائيل؛ إنها، حتى الآن، صورة واشنطن وهي تحاول منع الآخرين من الرد عليها بطريقة تفتح حرباً لا تريدها، أو أزمة يصعب عليها احتواؤها.

وهنا يظهر النمط: إسرائيل تفعل، الأطراف الأخرى تغضب، باراك يتدخل وينتقد ويطمئن، وواشنطن تحتوي التداعيات.

يستطيع باراك أن يقول لدمشق إن الجولان محتل، من دون أن تستعيد منه شبراً؛ وأن يقول لأنقرة إن الضربة الإسرائيلية تصعيد غير ضروري، من دون أن تتقيّد حرية إسرائيل في الضرب؛ وأن يقول للبنانيين إن حزب الله وإيران لا بد أن يكونا جزءاً من الحل، فيما تواصل واشنطن الضغط عليهما للوصول إلى النتيجة التي تريدها.

هذه ليست بالضرورة تناقضات في سياسة باراك، بقدر ما هي تعبير عن وظيفته فيها: احتواء تداعيات القوة الإسرائيلية من دون تغيير الوجهة الاستراتيجية التي تتحرك فيها واشنطن وتل أبيب معاً.

 

الحوار لا يعني تغيير الهدف

لبنان هو الاختبار الأكثر حساسية.

فالولايات المتحدة وإسرائيل، ومعهما الدولة اللبنانية رسمياً، تلتقي على مبدأ حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية. لكن باراك يقول إن معالجة المعضلة لا يمكن أن تتم من دون إشراك حزب الله وإيران.

ليس في ذلك بالضرورة تناقض. فالضغط العسكري والسياسي والمالي يستطيع تغيير ميزان القوى، لكنه لا يوفر وحده آلية للانتقال من الوضع القائم إلى المطلوب. وإذا كان الهدف أن يتحول حزب الله من تنظيم يمتلك قدرة عسكرية مستقلة إلى قوة سياسية داخل الدولة، فلا بد من معالجة شروط هذا الانتقال. وإذا كانت إيران الطرف الخارجي الأكثر تأثيراً فيه، فمن الصعب تصور تسوية مستدامة تتجاهلها.

الحوار، عندئذ، لا يصبح استراتيجية بديلة، بل إحدى أدوات تنفيذها. يستطيع باراك أن يفتح الباب أمام حزب الله وإيران، فيما تواصل واشنطن العقوبات والضغط عليهما: أداتان مختلفتان لتحقيق نتيجة واحدة.

 

لكن لبنان يضع هذه الاستراتيجية أمام اختبار آخر. إسرائيل تقول إنه ليست لديها أطماع إقليمية فيه. فإذا انتشر الجيش اللبناني، وانتهت القدرة العسكرية المستقلة لحزب الله، وأُنجزت الترتيبات الأمنية المطلوبة، فهل تترجم إسرائيل ذلك بالانسحاب؟

إذا فعلت، تكون القوة قد أدت وظيفة محددة. أما إذا تحول المؤقت إلى دائم، واستمرت حرية العمل العسكري بعد زوال مبرراتها -كما يحصل في سوريا-، فعندها يتضح ما إذا كان التماهي الأميركي–الإسرائيلي يصل إلى هذه النقطة أيضاً، أم يبدأ عندها التباين الحقيقي.

فواشنطن التي تريد دولة لبنانية تحتكر السلاح تحتاج أيضاً إلى دولة تحتكر السيادة على أرضها؛ بما يعني: لا سلاح خارج الدولة، ولا احتلال داخلها.

 

ضابط إيقاع لا صانع استراتيجية

هنا يمكن فهم توم باراك.

ليس ممثلاً لسياسة أميركية مضادة لإسرائيل، ولا محامياً عنها، ولا مجرد رجل إطفاء يصل بعد وقوع الأزمة. الأقرب أنه ضابط إيقاع لاستراتيجية أميركية–إسرائيلية متقاربة في أهدافها، لكن الاندفاعة الإسرائيلية في تنفيذها تولّد تناقضات قد تهدد نجاحها.

إسرائيل تستطيع أن تسأل: ما الذي يعزز أمننا ووجودنا اليوم؟ أما واشنطن فعليها أن تسأل أيضاً: أي نظام إقليمي يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية غداً؟ وبين السؤالين يتحرك باراك.

لذلك فإن المعيار الحقيقي لقياس الخلاف الأميركي–الإسرائيلي ليس حدة ما يقوله باراك عن إسرائيل، بل عدد المرات التي تتحول فيها الاعتراضات الأميركية إلى قيود فعلية على ما تفعله.

فالولايات المتحدة تعترض أحياناً على الطريقة التي تستخدم بها إسرائيل القوة، لكنها نادراً ما تستخدم قوتها هي لمنع إسرائيل من استخدامها.

وهذا لا يجعل دور باراك هامشياً. فالقوة الإسرائيلية تستطيع تغيير الوقائع، لكنها لا تستطيع وحدها إقناع تركيا بقبولها، أو إبقاء سوريا مستقرة، أو إعادة تركيب لبنان، أو تحويل إضعاف إيران إلى نظام إقليمي قابل للحياة.

 

إسرائيل تستطيع صناعة الوقائع بالقوة، أما واشنطن فعليها إدارة ما بعد القوة.

وهنا يأتي باراك: يطمئن تركيا، ويمنح سوريا مساحة سياسية، ويفتح في لبنان باباً أمام حزب الله وإيران، ويحاول منع التكتيك الإسرائيلي من إفساد الاستراتيجية التي يخدمها.

لذلك ربما لا يكون يسرائيل كاتس محقاً تماماً حين يقول إن باراك يناقض رئيسه. فقد يكون، في الحقيقة، يؤدي واحداً من أكثر الأدوار انسجاماً مع سياسة ترامب: إدارة التداعيات التي لا تستطيع القوة الإسرائيلية وحدها إدارتها، من دون تغيير الوجهة الاستراتيجية المشتركة.

ويبقى السؤال الذي لا تستطيع مهارة باراك الدبلوماسية إخفاءه إلى الأبد:

هل لدى واشنطن فعلاً سياسة لضبط إسرائيل عندما تتعارض أفعالها مع مصالحها، أم أن لديها، حتى الآن، توم باراك لضبط ردود أفعال الآخرين عليها؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث