كشفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عن تحوّل في التكتيك الذي تعتمده قيادة المنطقة الشمالية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، يقوم على زيادة الاعتماد على القصف الجوي والمدفعي وتدمير المباني عن بُعد قبل إدخال القوات البرية، في محاولة لتقليص الخسائر البشرية وتحييد ما تعتبره إسرائيل تهديدات محتملة لـ"حزب الله" قبل وصول الجنود إلى مناطق العمليات.
وبحسب الصحيفة، جاء القرار بعد حادثة مجدل زون التي أسفرت، وفق الرواية الإسرائيلية، عن مقتل جنديين وإصابة أربعة آخرين، إضافة إلى سلسلة حوادث سابقة أُصيب خلالها جنود نتيجة انفجار مبانٍ أو اشتباكات من مسافات قريبة داخل الأزقة والمنازل.
وتشير هذه المعطيات إلى أنّ الجيش الإسرائيلي لا يغيّر أهداف عملياته في الجنوب بقدر ما يعيد ترتيب وسائل تنفيذها. فبدلًا من الاعتماد بصورة أكبر على دخول القوات إلى المباني وتفتيشها، تتجه القيادة الشمالية إلى رفع مستوى التدمير المسبق، على قاعدة إزالة الخطر المحتمل قبل وصول القوات إليه.
من الاقتحام إلى "التحييد" المسبق
وذكرت "معاريف" أنّ قيادة المنطقة الشمالية قررت "إزالة التهديد بأسلوب هجومي وصارم قبل وصول القوات البرية إلى المنطقة"، موضحةً أنّ الجيش الإسرائيلي بات ينفذ، كل بضع ساعات، ضربات مركزة على مبانٍ يعتبرها "مشبوهة" داخل ما تسميه إسرائيل منطقة "الخط الأصفر" في لبنان، أو على مقربة منها.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، تستهدف الضربات أيضًا المباني التي تكشف مواقع القوات الإسرائيلية أو تمنح إشرافًا بصريًا عليها، باعتبارها نقاطًا يمكن استخدامها لمراقبة تحركات الجنود أو استهدافهم.
وهذا التحول يعني عمليًا توسيع هامش الاستهداف. فالمعيار الإسرائيلي لا يعود مقتصرًا على وجود عناصر مسلحة أو ذخائر داخل مبنى، بل يمتد، وفق ما تنقله الصحيفة، إلى المنشآت التي تعتبرها القيادة العسكرية خطرًا محتملًا بسبب موقعها أو قدرتها على كشف القوات.
المدفعية والطيران قبل دخول الجنود
وتقول "معاريف" إنّ الجيش الإسرائيلي يستخدم في هذه العمليات القذائف المدفعية وصواريخ "بار" التابعة لسلاح المدفعية، إضافة إلى الاعتماد المكثف على سلاح الجو.
وأشارت إلى أنّ مراكز النيران التابعة للفرقتين 91 و36 كثّفت في الأيام الأخيرة طلباتها إلى سلاح الجو لتنفيذ غارات على المباني المستهدفة وإسقاطها، بهدف "تحييد التهديدات" قبل اقتراب القوات البرية منها.
وبذلك، ينتقل العبء الرئيسي في المرحلة الأولى من العملية من وحدات المناورة البرية إلى القوة النارية البعيدة. وهو خيار يعكس حساسية متزايدة داخل الجيش الإسرائيلي تجاه وقوع خسائر في صفوف الجنود، خصوصًا في المناطق المبنية التي يمكن أن تحتوي على عبوات أو كمائن أو نقاط قتال قريبة.
واللافت أنّ هذا الأسلوب لا يعني تراجع العمليات البرية الإسرائيلية، بل توفير غطاء أكثر تدميرًا لها. فالقصف يصبح خطوة تسبق الحركة البرية وتمهّد لها، لا بديلًا كاملًا عنها.
علي الطاهر في صدارة الاستهدافات
وفي هذا السياق، أفادت الصحيفة بأنّ الجيش الإسرائيلي استهدف، خلال الأيام الأخيرة، وخصوصًا خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، عددًا من المباني في منطقة تلة علي الطاهر قرب النبطية، إضافة إلى مجدل زون ومروحين ومناطق أخرى.
وأشارت إلى أنّ بعض هذه الضربات تُنفذ ليلًا بهدف تأمين حركة القوات الإسرائيلية وتقليل احتمالات تعرضها للاستهداف.
وتكتسب الإشارة إلى علي الطاهر أهمية إضافية في ضوء التصعيد المتواصل في محيطها خلال الأيام الأخيرة، إذ تحولت المرتفعات إلى واحدة من أبرز بؤر الضغط العسكري الإسرائيلي في الجنوب.
وتوحي كثافة الضربات بأنّ إسرائيل لا تتعامل مع المنطقة باعتبارها هدفًا جويًا منفصلًا، بل كجزء من مسار تمهيدي أوسع، يقوم على إنهاك المواقع المحيطة وضرب المنشآت التي تعتبرها خطرة، بما يسهّل أيّ تحرك ميداني لاحق إذا اتُّخذ قرار بالتقدم.
درس مجدل زون: تقليل الاحتكاك المباشر
وبحسب "معاريف"، فإنّ حادثة مجدل زون لم تكن سوى العامل الذي سرّع إعادة تقييم طريقة العمل. فالجيش الإسرائيلي واجه، وفق الصحيفة، أكثر من حادثة جرى فيها استهداف جنود داخل مبانٍ أو خلال اشتباكات من مسافات قصيرة، وهو ما دفع قيادة المنطقة الشمالية إلى تقليل مستوى الاحتكاك المباشر حيثما أمكن.
وهنا تكمن دلالة التحول الجديد. فالمشكلة بالنسبة إلى إسرائيل لا تتعلق فقط بقدرة "حزب الله" على إطلاق الصواريخ أو استخدام مواقع ثابتة، بل أيضًا بقدرته المحتملة على استدراج القوات الإسرائيلية إلى نقاط قتال معدّة سلفًا، حيث تصبح أفضلية الطيران والمدفعية أقل تأثيرًا.
ومن هنا، تسعى القيادة العسكرية إلى تغيير قواعد الاشتباك الميداني لمصلحتها، عبر تدمير البيئة التي يمكن أن توفر غطاءً أو كمائن قبل إدخال الجنود إليها.
تكتيك مستخدم سابقًا... لكن بوتيرة أعلى
وتشير "معاريف" إلى أنّ الجيش الإسرائيلي استخدم هذا الأسلوب سابقًا في قطاع غزة وفي أجزاء من جنوب لبنان، لكنه بات يعتمد عليه بوتيرة أكبر في المرحلة الحالية.
وتعزو الصحيفة ذلك أيضًا إلى تراجع مستوى القتال الواسع في جبهات أخرى، ما أتاح لسلاح الجو الإسرائيلي قدرة أكبر على الاستجابة لطلبات القيادة الشمالية وتنفيذ ضربات متكررة في لبنان.
وبحسب التقرير، سمح هذا الواقع للجيش برفع حجم عمليات التدمير الجوي للمباني، بدلًا من المخاطرة بإرسال القوات لتفتيشها أو اقتحامها.
لكنّ هذا التكتيك يحمل في المقابل تداعيات واسعة على القرى الجنوبية. فكلما توسع تعريف "التهديد" ليشمل المباني المطلة على القوات أو الموجودة قرب مسارات تحركها، اتسعت دائرة المنشآت المرشحة للقصف أو الهدم، وهو ما يفسّر جزئيًا تصاعد عمليات التدمير التي تشهدها قرى جنوبية عدة.
تغيير في الأسلوب لا في اتجاه العمليات
وبذلك، لا تكشف المعطيات الإسرائيلية عن استعداد لتخفيف العمليات في الجنوب، بل عن محاولة جعلها أقل كلفة بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي وأكثر اعتمادًا على القوة النارية.
فالرسالة التي تنقلها "معاريف" واضحة، قيادة المنطقة الشمالية تريد استمرار الضغط الميداني، لكن مع تقليل تعريض الجنود للكمائن والاشتباكات المباشرة. ولهذا يصبح القصف الجوي والمدفعي أداة لتهيئة الأرض، بينما تأتي القوات البرية بعد تدمير ما تعتبره القيادة العسكرية مصادر محتملة للخطر.
وفي ظل تكثيف الضربات على علي الطاهر ومجدل زون ومروحين ومناطق أخرى، يصبح هذا التحول عاملًا إضافيًا في تفسير وتيرة التصعيد الحالية. فما يجري لا يبدو سلسلة غارات منفصلة، بل جزءًا من نمط عملياتي أكثر انتظامًا، يقوم على "الضرب قبل التوغّل"، وفرض أكبر قدر ممكن من السيطرة بالنار قبل انتقال الجنود إلى الأرض.
والنتيجة أنّ تقليل المخاطر على القوات الإسرائيلية يقابله، عمليًا، رفع مستوى التدمير في الجانب اللبناني، فيما تزداد حساسية المناطق القريبة من خطوط التحرك الإسرائيلية، وعلى رأسها مرتفعات علي الطاهر، التي تبدو مجددًا في صلب أيّ تطور عسكري مقبل.




