حزب الله و"المرونة التفاوضية": خلطٌ لمعادلات الصراع؟

مانشيت - المدنالأحد 2026/08/23
الجنوب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في خضمّ تصاعد واضح للعمليّات الإسرائيليّة جنوبًا، ووسط تجاذبات إقليميّة معقّدة، شهدت المعادلة السياسيّة في لبنان تطوّرًا ذا دلالة، تمثّل بإبداء "حزب الله" استعداده للتفاوض غير المباشر مع واشنطن. ويشكّل هذا الانفتاح نقطة ارتكاز جديدة، خصوصًا أنّه تقاطع مع دعوة توم بارّاك إلى توسيع دائرة القوى التي يجري التفاوض معها لتشمل "حزب الله" وإيران. ومع هذا التطوّر، يُطرح سؤال: ماذا سيكون موقف القيادة اللبنانيّة الرسميّة، التي تدير تحرّكات دبلوماسيّة مكثّفة لوقف العمليّات الإسرائيليّة وتأمين الانسحاب من الجنوب، من خلال مفاوضات روما؟ وما الانعكاسات المحتملة لهذا التطوّر على تلك المفاوضات؟

يترجم استعداد "حزب الله" لفتح قنوات حوار غير مباشرة مع الإدارة الأميركيّة نقلةً نوعيّة في التعامل مع الأزمة. فإبداء الانفتاح على ترتيبات أمنيّة وتسوية شاملة عبر واشنطن، في هذا الظرف الحسّاس، يهدف على الأرجح إلى تجنّب الانكشاف الكامل الذي يكاد يصبح وشيكًا، سواء ميدانيًّا في الجنوب، أو على مستوى العقوبات الأميركيّة التي يجري رفعها إلى حدود قصوى. ويمكن اعتباره محاولةً لتعطيل ذرائع إسرائيل لتوسيع نطاق عمليّاتها العسكريّة وتوغّلها، وتقليص الخسائر.

حتّى الآن، لا يبدو أنّ الجانبين الأميركيّ والإسرائيليّ، وعلى الرغم من هذه المرونة، قد قلّصا من مناخات التصعيد، سواء في الميدان أو التفاوض. فتل أبيب ترفض الحلول الدبلوماسيّة قبل الشروع في تفكيك قدرات الحزب العسكريّة جنوبًا، وتستمرّ في استهداف النقاط الإستراتيجية بعنف، ولا سيّما علي الطاهر. أمّا واشنطن، فتصرّ على فرض آليّات رقابة صارمة على الحزب، وتشارك إسرائيل رفضها أيّ تفاهمات إقليميّة من دون تقديم الحزب تنازلات وضمانات أمنيّة ملموسة.

وفي أيّ حال، فإنّ إبداء "حزب الله" استعداده للتفاوض مع واشنطن من شأنه أن يغيّر طبيعة المعادلة الصراعيّة القائمة حاليًّا في لبنان، ويطلق معركةً تفاوضيّة معقّدة. وستكون على المحكّ قدرة الدولة اللبنانيّة على التعاطي مع هذا التحوّل، بحيث تأتي أيّ تسوية تحت سقف الدولة، لا تكريسًا لضعفها.

 

إسرائيل تفاوض بالنار

لا يأتي انفتاح الحزب في لحظة هدوء تسمح بتفاوض متكافئ، بل تحت ضغط عسكريّ إسرائيليّ متصاعد. فالعمليّات في الجنوب لم تعد تقتصر على ضرب أهداف محدّدة، بل تجمع بين القصف والتفجير والتجريف والتوغّل. وتشكّل المنصوري، إلى جانب مجدل زون وبيوت السيّاد، محورًا غربيًّا للضغط الإسرائيليّ، بالتوازي مع الاستهداف المتواصل لمرتفعات علي الطاهر في المحور الشرقيّ.

تكشف العمليّات في المنصوري أنّ إسرائيل لا تنتظر نتائج التفاوض، بل تعمل على تعديل الوقائع التي سيُبنى عليها. وهي توسّع نطاق سيطرتها بالنار، وتدمّر ما تعتبره بنى عسكريّة، وتفرض على الأهالي النزوح، ثم تنقل هذه الوقائع إلى الطاولة بوصفها أمرًا قائمًا. وبذلك، يتحوّل الميدان إلى أداة تفاوض، فيما يصبح الوقت نفسه وسيلة ضغط على لبنان.

يدرك "حزب الله" أنّ ترك المفاوضات للدولة وحدها، مع بقائه خارجها ورفضه نتائجها مسبقًا، قد يؤدّي إلى اتفاقات تمسّ مباشرةً سلاحه وانتشاره، من دون أن يمتلك قدرةً سياسيّة كافية على تعديلها. لذلك، يمكن فهم الانفتاح على واشنطن بوصفه انتقالًا من سياسة رفض المسار إلى محاولة التأثير فيه.

لكنّ المرونة لا تعني بعدُ قبول الحزب بحصر السلاح في يد الدولة. فالفارق كبير بين التفاوض لوقف الهجوم الإسرائيليّ، وبين الدخول في مسار يفضي إلى تسليم القرار العسكريّ للمؤسّسات الشرعيّة. وقد يستخدم الحزب الحوار لتحصيل ضمانات تمنع إسرائيل من احتلال مواقع يخليها أو تسلّمها للجيش، مع الاحتفاظ بسلاحه وعتاده في مناطق أخرى.

من هنا، لا تكمن أهميّة الانفتاح في حصول التواصل بحدّ ذاته، بل في مضمونه: هل يفاوض الحزب على شروط انتقال فعليّ إلى سلطة الدولة، أم على صيغة جديدة تحفظ موقعه العسكريّ بعد تقليص انتشاره جنوبًا؟

 

الدولة ليست طرفًا ثالثًا

تواجه القيادة اللبنانيّة معضلة دقيقة. فمن جهة، قد يسهّل التواصل الأميركيّ مع الحزب تنفيذ الترتيبات التي تتفاوض عليها الدولة، لأنّ أيّ اتفاق يتعلّق بسلاحه يحتاج عمليًّا إلى موافقته أو إلى تفادي صدام معه. ومن جهة أخرى، قد يؤدّي قيام قناة مستقلّة بين واشنطن والحزب إلى إضعاف الوفد اللبنانيّ، وتحويل الدولة إلى جهة تنفّذ تفاهمًا عُقد فوق رأسها.

هنا يبرز الفارق بين الاستعانة بقناة غير مباشرة لتذليل عقبة، والاعتراف بالحزب شريكًا مستقلًّا في تقرير مستقبل الجنوب. فالدولة لا يمكنها أن تقبل بأن تصبح واحدةً من ثلاثة أطراف لبنانيّة، إلى جانب الحزب وإيران. وهي الطرف الدستوريّ الوحيد المخوّل التفاوض باسم لبنان، كما أنّ الجيش هو الجهة الشرعيّة الوحيدة التي يفترض أن تتولّى الأرض والحدود والسلاح.

لذلك، يفترض أن تستخدم الرئاسة والحكومة أيّ مرونة يبديها الحزب لتعزيز شروط الدولة، لا لمنحه شرعيّة تفاوضيّة موازية.

 

روما معلّقة على الجواب الإسرائيليّ

في موازاة القناة المحتملة مع الحزب، تواصل الدولة العمل على مسار روما. وقد أبدت إيطاليا استعدادًا جديًّا للمشاركة، مع دول أخرى، في آليّة التحقّق من المناطق التجريبيّة. غير أنّ هذا الاستعداد لم يتحوّل إلى اتفاق تنفيذيّ أو جدول زمنيّ، بسبب امتناع إسرائيل عن إعطاء جواب نهائيّ.

وتكشف مباحثات الرئيس جوزاف عون وزيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى روما أنّ المشكلة لم تعد في العثور على دولة مستعدّة لتولّي مهمّة التحقّق، بل في استخدام إسرائيل موافقتها ورقةً لتعطيل الانتقال إلى مناطق جديدة. فهي لا ترفض الدور الإيطاليّ علنًا، لكنها لا تمنحه الضوء الأخضر. وهذا التعليق المقصود يسمح لها بمواصلة العمليّات من دون الالتزام بانسحابات مقابلة.

حدّد الجيش اللبنانيّ سقفًا واضحًا لآليّة التحقّق. فهو لا يعارض وجود جهة دوليّة مستقلّة تقنيًّا، لكنه يرفض تحرّكها داخل الأراضي اللبنانيّة بمعزل عنه. ويشترط أن تدخل أيّ قوّة برفقته وتحت مظلّته السياديّة، وألّا تتحوّل إلى جهاز رقابيّ موازٍ أو إلى أداة تمنح إسرائيل حقّ التشكيك الدائم في تقارير المؤسسة العسكريّة.

تكمن خطورة الصيغة الإسرائيليّة في احتمال تحويل التحقّق من مهمّة تقنيّة محدّدة إلى حقّ اعتراض مفتوح. عندها، ينفّذ الجيش المطلوب منه، ثم تبقى النتيجة معلّقة على تقييم إسرائيليّ يمكن استخدامه لتأجيل الانسحاب أو طلب إعادة التفتيش. لذلك، لا تدور المعركة على هويّة الدول المشاركة فقط، بل على المرجعيّة والصلاحيّات ومن يملك القرار النهائيّ فوق الأرض اللبنانيّة.

 

تركيا وقناة بارّاك

يتقاطع التحوّل مع دور تركيّ متزايد. فبحسب المعلومات عن تحرّكات أنقرة وتوم بارّاك، جرى تمرير رسائل إلى الحزب وإيران عبر الأتراك ورئيس مجلس النواب نبيه برّي، في محاولة لاستكشاف إمكان التفاهم. وتقترح أنقرة احتواء النفوذ الإيرانيّ، وإخراج أيّ وجود عسكريّ للحرس الثوريّ، ومعالجة مخازن الصواريخ، ضمن تصوّر يرفض وجود جيشين داخل الدولة الواحدة.

لكنّ الدور التركيّ، مهما اتّسع، لا يستطيع الحلول مكان الدولة اللبنانيّة. كما أنّ إشراك إيران في التسوية قد يساعد على تنفيذها، لكنه يحمل خطر تكريس لبنان ساحةً تُحدّد ترتيباتها في تفاوض إقليميّ. والمطلوب لبنانيًّا هو الاستفادة من الوسطاء لاستعادة القرار، لا توزيع القرار بينهم.

 

امتحان الدولة بدأ

قد يخفّف الحوار غير المباشر مع الحزب بعض العوائق، وقد يمنح واشنطن قدرةً أكبر على اختبار حدود التنازلات الممكنة. لكنه لن يصبح فرصةً للبنان إلّا إذا صبّ في مسار واحد تقوده الدولة، وينتهي بانسحاب إسرائيل، وانتشار الجيش، وتوحيد السلاح والقرار الأمنيّ تحت سلطتها.

أمّا قيام تفاوض رسميّ في روما، وتفاوض موازٍ مع الحزب، وتفاوض إقليميّ مع إيران، فسيحوّل لبنان إلى موضوع على ثلاث طاولات. وعندها، لن تكون التسوية استعادةً للدولة، بل إعادة تنظيم لضعفها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث