ينذر التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب، بما يحمله من غارات وتفجيرات وقصف مدفعي وتحركات ميدانية، بأنّ ملف مرتفعات علي الطاهر يقترب من لحظة أكثر حساسية. فإسرائيل تبدو كأنّها تمهّد بالنار لأيّ تحوّل ميداني في المنطقة، فيما تترقّب إيران و"حزب الله" مسار التطورات، على اعتبار أنّ أيّ معركة هناك قد تشكّل نقطة مفصلية تنقل المواجهة إلى مستوى جديد وأكثر ضراوة.
أمام هذا المشهد، يدخل لبنان في سباق بين مسارين متوازيين، تصعيد إسرائيلي متدرّج يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، ومساعٍ سياسية ودبلوماسية لاحتوائه، بالتوازي مع البحث في آلية تحقّق ومراقبة يمكن أن تملأ جزءًا من الفراغ الذي سيتركه انسحاب القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل"، وتفتح الطريق، في مرحلة لاحقة، أمام انسحاب إسرائيلي من منطقة تجريبية ثانية.
إسرائيل تسرّع تدمير البنى العسكرية جنوبًا
وفي موازاة هذا التصعيد، كشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، اليوم الأحد، أنّ الجيش الإسرائيلي سرّع وتيرة تدمير ما يصفه بالبنية التحتية العسكرية التابعة لـ"حزب الله" في جنوب لبنان، تنفيذًا لتوجيهات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس.
وقالت الصحيفة إنّ العمليات تتركّز على قرى وبلدات، بينها كفركلا والخيام وبنت جبيل والطيبة وزوطر الشرقية، حيث يدّعي الجيش الإسرائيلي العثور على مستودعات أسلحة ومراكز قيادة ومواقع مراقبة ومنصات إطلاق.
وأضافت أنّ القوات الإسرائيلية تواصل فتح طرق وتنفيذ أعمال هندسية لتدمير هذه المنشآت ومنع الحزب من إعادة بناء قدراته، فيما زعم مسؤولون أمنيون إسرائيليون أنّ الجيش اللبناني لا يتحرك بالسرعة المطلوبة لتفكيكها.
ولا تبدو هذه المعطيات منفصلة عن المشهد الميداني المتسارع في الجنوب، إذ تتقاطع عمليات الهدم والتفجير وفتح الطرق مع محاولة إسرائيلية واضحة لتثبيت وقائع جديدة على الأرض قبل الانتقال إلى أيّ ترتيبات أمنية أو سياسية لاحقة.
المنصوري وعلي الطاهر في قلب التصعيد
اتّسعت خلال الساعات الأخيرة رقعة الاعتداءات الإسرائيلية، وتنوّعت بين التفجيرات والتوغلات والقصف المدفعي والغارات الجوية وتحركات المسيّرات، فيما امتدّ النشاط الجوي الإسرائيلي إلى بيروت وجبل لبنان، في مؤشر إلى أنّ الضغط لم يعد محصورًا بالشريط الحدودي وحده.
وشهدت بلدات جنوبية عدّة سلسلة تفجيرات، أبرزها في المنصوري وزوطر الشرقية وكونين وحداثا، بالتزامن مع تحركات ميدانية للجيش الإسرائيلي وعمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة.
وفي المنصوري تحديدًا، تركز التصعيد بصورة لافتة، إذ نُفّذ تفجير بالتزامن مع توغل إسرائيلي وتمشيط بالرشاشات، قبل أن تتعرّض البلدة لقصف مدفعي. كما عمد الجيش الإسرائيلي إلى إحراق عدد من المنازل، فيما سُجّل تفجير منزلين في المنطقة الواقعة بين مشاع المنصوري ومجدل زون، قبل أن ينفّذ لاحقًا عملية تفجير جديدة في بلدة مجدل زون.
وألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية على المنصوري، فيما استهدفت مسيّرة أخرى دوحة كفررمان بعبوة متفجرة. ولاحقًا، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارة على دوحة كفررمان، من دون انفجار الصاروخ، قبل أن يجدّد غاراته بعنف على محيط مرتفعات علي الطاهر.
وبقيت علي الطاهر أحد أبرز محاور الضغط العسكري، حيث استخدمت إسرائيل، بحسب المعطيات الميدانية، قذائف فوسفورية، فيما تتزايد المؤشرات إلى أنّ المنطقة تتحول تدريجيًا إلى إحدى أكثر النقاط قابلية للاشتعال.
وفي ياطر، ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلتين صوتيتين فوق جرافة من دون تسجيل إصابات، فيما بقي نشاط الطيران المسيّر كثيفًا فوق مناطق أخرى. كما شهدت منطقة عاليه ومحيطها تحليقًا مكثفًا للمسيّرات، بالتزامن مع تحليق طيران مسيّر إسرائيلي على علو منخفض فوق بيروت، فيما حلّقت طائرات حربية إسرائيلية على علو منخفض في أجواء الجنوب.
روما ومرحلة ما بعد "اليونيفيل"
على خط موازٍ، تحرّك المسار العسكري والدبلوماسي المرتبط بمرحلة ما بعد "اليونيفيل"، مع وصول قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى العاصمة الإيطالية روما، تلبية لدعوة من قائد الجيش الإيطالي، في زيارة تكتسب أهميتها من توقيتها، فيما تعيد القوات الدولية ترتيب انتشارها تمهيدًا للانسحاب النهائي من لبنان.
وأكدت مصادر عسكرية رفيعة لـ"المدن" أنّ ملفَّي مرحلة ما بعد "اليونيفيل" ودعم الجيش اللبناني يتقدّمان جدول أعمال زيارة هيكل، في ظل البحث عن صيغة تضمن استمرار آلية المراقبة والتحقّق جنوبًا من دون إنتاج فراغ أمني أو سيادي.
ويتركّز النقاش، وفق المعطيات، على إمكان مشاركة إيطاليا في قوة أو آلية مراقبة دولية محتملة، ضمن ترتيبات مرتبطة بالمرحلة المقبلة في الجنوب، وبالتحقّق من الإجراءات المتصلة بملف السلاح وانتشار الدولة.
الجيش: لا تحرّك دوليًا خارج المظلّة السيادية
وعلمت "المدن" أنّ الجيش اللبناني حدّد ثوابته المتصلة بأيّ آلية تحقّق مستقبلية، وأبلغها إلى الجهات المعنية على المستويات المختلفة.
وبحسب هذه الثوابت، لا يعارض الجيش الاستعانة بجهة دولية متفق عليها تتمتع باستقلالية تقنية، ويمكن أن تحضر بقوة متكاملة من حيث العديد والعتاد والخبرات، لكنه يضع شرطًا أساسيًا لا يقبل المساومة، وهو أن تدخل هذه الجهة إلى المناطق اللبنانية وتتحرك فيها بمرافقة الجيش وتحت مظلته السيادية.
وبمعنى آخر، يمكن للجهة المكلّفة بالتحقّق أن تنجز مهمتها الفنية باستقلالية، لكن لا يمكنها التحرك ميدانيًا بمعزل عن المؤسسة العسكرية اللبنانية أو أن تتحول إلى سلطة موازية لها على الأرض.
وهذا الشرط، بحسب المصادر، محسوم لدى قيادة الجيش، ويحظى بغطاء كامل من رئيس الجمهورية والسلطة السياسية. فبيروت تريد تفادي تحوّل أيّ صيغة بديلة عن "اليونيفيل" إلى جهاز رقابة فوق الدولة، فيما تحاول في الوقت نفسه تأمين مظلة دولية تمنع إسرائيل من استخدام مرحلة الانتقال ذريعة لتوسيع عملياتها العسكرية.
"حزب الله" يترك باب واشنطن مواربًا
وسط هذه التطورات، برز موقف لافت لعضو المجلس السياسي في "حزب الله" محمود قماطي، عكس مرونة غير معهودة حيال إمكان التواصل المباشر مع الولايات المتحدة.
وقال قماطي إنّ الحزب لا يغلق الباب نهائيًا أمام التواصل مع الأميركيين، موضحًا أنّ أيّ قرار في هذا الاتجاه سيُتخذ "وفق المصلحة والظروف المناسبة".
ويكتسب الموقف دلالته من توقيته، إذ يأتي في لحظة تتكثف فيها الضغوط العسكرية والسياسية على الحزب، فيما تدفع واشنطن نحو إعادة ترتيب معادلات القوة في لبنان والمنطقة.
وقال قماطي إنّ "المقاومة قررت إعطاء فرصة للمسار السياسي القائم بهدف الوصول إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية"، مؤكدًا أنّ عدم الرد على كل اعتداء إسرائيلي "لا يعني ضعفًا أو عجزًا".
أما في ما يتصل بمرتفعات علي الطاهر، فقال إنّ "قرار المقاومة الحالي هو الصمود والتصدّي مع دراسة جميع الخيارات المتعلقة بالموقع"، مشيرًا إلى أنّ أيّ محاولة إسرائيلية للتقدم واحتلال نقاط جديدة ستُواجه "بما يتناسب مع التطورات الميدانية".
كما نفى وجود مقاتلين إيرانيين في صفوف الحزب في جنوب لبنان، وتطرّق إلى موقف جماعة الحوثيين في اليمن، قائلًا إنّها أبدت استعدادها للتحرك في باب المندب في حال "الإطباق على المقاومة وشعبها في لبنان"، في إشارة إلى أنّ توسّع المواجهة اللبنانية قد يعيد فتح جبهات إقليمية أخرى.
عراقجي وفضل الله... إيران تواكب التصعيد
وفي توقيت لا ينفصل عن سخونة المشهد الجنوبي، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أنّ وزير الخارجية عباس عراقجي أجرى مباحثات مع النائب في كتلة "الوفاء للمقاومة" حسن فضل الله.
وبحسب الخارجية الإيرانية، رأى فضل الله أنّ الدبلوماسية الإيرانية أسهمت في ترسيخ اقتدار إيران، معتبرًا أنّها "مصدر فخر لأصدقائها"، كما أعرب عن تقديره لدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية للشعب اللبناني.
ويكتسب التواصل دلالته من تزامنه مع تصاعد الضغط العسكري الإسرائيلي على جنوب لبنان، ومع انفتاح النقاش الأميركي، ولو بصورة غير مباشرة، على ضرورة إشراك إيران و"حزب الله" في أيّ تسوية قابلة للتنفيذ. فالرسائل المتبادلة لم تعد محصورة بالميدان، بل باتت تتحرك أيضًا عبر قنوات سياسية ودبلوماسية متوازية، بينما يبقى السؤال حول حدود الدور الإيراني في أيّ ترتيب جديد للجنوب مفتوحًا.
برّاك: التسوية تحتاج إلى أصحاب القرار
في المقابل، جاء كلام المبعوث الأميركي توم برّاك ليضيف بعدًا آخر إلى النقاش حول مستقبل التسوية في لبنان.
فقد اعتبر برّاك أنّ أيّ مسار تفاوضي لا يأخذ في الاعتبار "بنية القوة الفعلية" في لبنان سيبقى ناقصًا، وأنّ جمع الأطراف اللبنانية حول طاولة واحدة لا يكفي إذا بقيت إيران و"حزب الله" خارج المعادلة.
وتساءل: "كيف ستُحل المشكلة إذا لم يكن حزب الله وإيران مشاركين؟"، معتبرًا أنّ التسوية تصبح شبيهة بأحجية لا يمكن حلها إذا غاب عنها أصحاب القرار الأساسيون.
ويعكس هذا الطرح مقاربة أميركية تتعامل بصورة أكثر مباشرة مع موازين القوى. فبدلًا من الاكتفاء بمحاولة عزل "حزب الله"، يقرّ برّاك بأنّ أيّ تفاهم قابل للتنفيذ يحتاج عمليًا إلى التعامل مع القوى القادرة على التأثير في القرار الميداني.
لكنّ المفارقة أنّ هذا الكلام جاء بعد يوم من إعادة واشنطن تصنيف "حزب الله" على أساس أنّه يعمل "لصالح النظام الإيراني وتحت قيادة فيلق القدس في الحرس الثوري"، وهو ما ردّ عليه الحزب ببيان اعتبر فيه أنّ الإدارة الأميركية "لا تملك أيّ أهلية أخلاقية أو قانونية لتصنيف الآخرين وتوزيع شهادات الوطنية عليهم".
وهكذا، تبدو واشنطن وكأنّها تتحرك على خطين متوازيين، تشديد سياسي وقانوني على الحزب من جهة، وإقرار عملي، من جهة أخرى، بأنّ تجاوزه بالكامل قد يجعل أيّ تسوية غير قابلة للتنفيذ.
سباق بين علي الطاهر والتسوية
في ظل هذا التداخل بين الميدان والسياسة، تتحول مرتفعات علي الطاهر إلى أكثر من مجرد نقطة عسكرية. فهي باتت اختبارًا للمعادلة الجديدة كلها، من حدود التقدم الإسرائيلي، إلى قدرة الجيش اللبناني على فرض مرجعيته في الجنوب، وشكل القوة الدولية التي ستخلف "اليونيفيل"، وصولًا إلى حدود صبر "حزب الله" على المسار السياسي.
وفي الإطار الدبلوماسي، جدّدت مصر دعوتها إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وخفض التصعيد، مؤكدة ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وذلك خلال اتصال بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني جيورجوس غيرابتريتيس.
لكنّ الحراك الدبلوماسي يجري تحت ضغط الوقت. فكلما اتسعت عمليات التفجير والتوغل واقتربت من نقاط أكثر حساسية، تقلصت مساحة المناورة السياسية، وازدادت احتمالات أن تسبق الوقائع الميدانية الترتيبات التي يجري إعدادها على الطاولات الدولية.
وعليه، لا تبدو زيارة هيكل إلى روما، ولا البحث في آلية تحقّق جديدة، منفصلين عن التصعيد في المنصوري وعلي الطاهر. فالمساران يلتقيان عند سؤال واحد، من يملأ الفراغ بعد "اليونيفيل"، وبأيّ قواعد، وتحت أيّ مظلة سيادية؟
وفي المقابل، يوحي تزامن كلام قماطي مع موقف برّاك ومباحثات عراقجي وفضل الله بأنّ قنوات السياسة تتحرك بالتوازي مع المدافع. إسرائيل ترفع الضغط الميداني، و"حزب الله" يترك باب السياسة مواربًا، وإيران تحافظ على حضورها المباشر في المشهد، فيما تحاول بيروت تثبيت مرجعية الجيش ومنع تحويل مرحلة ما بعد "اليونيفيل" إلى فراغ تستخدمه إسرائيل لفرض معادلة جديدة بالقوة.
وبين كل هذه المسارات، تبقى علي الطاهر نقطة الاختبار الأكثر حساسية. فإذا انتقلت المواجهة إليها على نطاق أوسع، فقد لا يعود السؤال محصورًا بحدود موقع عسكري، بل بمصير الترتيبات كلّها التي يجري العمل عليها لجنوب لبنان.




