في كلام جديد ولافت، أبدى حزب الله مرونة تجاه إمكان التواصل مع واشنطن، إذ أعلن عضو المجلس السياسي محمود قماطي أن الحزب "لا يغلق الباب بصورة نهائية أمام إمكان التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن القرار سيُتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة"، بالمقابل، أعاد المبعوث الأميركي توم باراك، التأكيد على أن "أي تسوية جدية في لبنان لا بد أن تشمل حزب الله وإيران، معتبراً أن جمع الأطراف اللبنانية حول طاولة واحدة لا يكفي إذا لم يأخذ المسار التفاوضي في الاعتبار "بنية القوة الفعلية" في لبنان. وتساءل: "كيف ستُحل المشكلة إذا لم يكن حزب الله وإيران مشاركين؟".
وتأتي هذه المواقف المستجدة بالتزامن مع حراك سياسي وعسكري متسارع حول مستقبل الجنوب وترتيبات مرحلة ما بعد اليونيفيل.
وفي هذا السياق، يجري التداول خلف الكواليس بصيغة تقضي بتسليم تلة علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، مقابل انسحاب إسرائيلي من منطقة واسعة في جنوب لبنان، في مسار يعمل عليه رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L) جوزف كليرفيلد.
وبينما تواجه المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تعقيدات تتصل بالانسحاب وآليات التحقق ووقف الاعتداءات، تتحرك روما لبحث دور إيطاليا في الترتيبات الأمنية المقبلة. وتبرز في هذا الإطار زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى روما، والتحضيرات لزيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى العاصمة الإيطالية مطلع الأسبوع المقبل، للبحث في آلية التحقق ودور إيطاليا المحتمل في القوة التي قد تتولى مهاماً في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، إضافة إلى دعم الجيش اللبناني.
ولا تزال طبيعة هذه الترتيبات موضع تجاذب، خصوصاً في ظل الخلاف حول آلية التحقق ودور القوى الدولية، فيما يتمسك حزب الله برفض أي آلية تسمح لجهة خارجية بالتحقق من عمل الجيش اللبناني، باعتبار أن ذلك يمس بالسيادة اللبنانية.
وتأتي زيارة هيكل إلى روما استكمالاً للبحث الذي أجراه رئيس الجمهورية مع المسؤولين الإيطاليين، على أن تتناول بشكل أساسي آلية التحقق المرتبطة بالمناطق التجريبية، وإمكانية مشاركة إيطاليا في القوة التي قد تتولى مهاماً في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، إضافة إلى ملفات دعم الجيش اللبناني. وإيطاليا تبدو حتى الآن الخيار الأكثر تقدماً، في ظل تقاطع أميركي وإسرائيلي ولبناني حول دورها، لكن مشاركتها لم تُحسم نهائياً، في انتظار الاتفاق على طبيعة المهمة وحدود الانتشار وآلية العمل إلى جانب الجيش اللبناني.
والأهم أن ملف آلية التحقق نفسه لا يزال موضع تجاذب، في ظل طرح أميركي وإسرائيلي لإشراك شركات أمنية في عملية التحقق، وهو ما يرفضه الجيش اللبناني بشكل قاطع، مقابل طرح القوة الإيطالية كخيار يبدو أكثر قبولاً في المرحلة الحالية.
وفي موازاة ذلك، يبقى موقف حزب الله عاملاً أساسياً في هذا الملف، خصوصاً أن الحزب لم يُستشر في هذه الترتيبات بحسب معلومات "المدن"، ويتمسك بالقرار 1701 ومندرجاته ويرفض أي آلية تسمح لقوى خارجية بالتحقق من عمل الجيش اللبناني، باعتبار أن ذلك يمس بالسيادة اللبنانية. كما أن اعتراضه يتصل بأساس آلية التحقق المرتبطة باتفاق الإطار، الذي يرفض الحزب الاعتراف به من الأساس.
وبينما تستمر المشاورات حول شكل القوة الجديدة ودورها، لا يزال أيضاً مصير المناطق التجريبية والانسحاب الإسرائيلي منها غير محسوم، كما لم يتحدد بعد موعد الجولة الجديدة من التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل. والموضوع عينه هو محور بحث متواصل مع رئيس الفريق المتعلق بلبنان، جوزف كليرفيلد، الذي ينسق مع الجيش تفاصيل عمل آلية التحقق.
وبالتالي، يبدو أن البحث في مرحلة ما بعد اليونيفيل لا يقتصر على استبدال قوة بأخرى، بل يرتبط بتحديد شكل الترتيبات الأمنية الجديدة في الجنوب، ودور الجيش اللبناني فيها، وحدود الدور الدولي، ومن يملك القرار النهائي في رسم هذه المرحلة. وفي السياق، استبعدت مصادر سياسية مطلعة على سير هذه المباحثات أن تفضي إلى انسحاب إسرائيلي من مناطق تجريبية جديدة، كما قالت إن موعد عقد جلسة جديدة للتفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل لا يزال غير مؤكد.
حزب الله: التواصل مع واشنطن وارد
وقال عضو المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي إن حزب الله "لا يغلق الباب بصورة نهائية أمام إمكان التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن القرار سيُتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة".
وأضاف خلال مقابلة تلفزيونية: "المقاومة اتخذت قراراً بالصبر وإعطاء فرصة للمسار السياسي القائم، بهدف الوصول إلى التحرير الكامل وانسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية".
وأكد قماطي أن "المقاومة ما تزال قوية وقادرة، وأن عدم الرد على كل اعتداء لا يعني ضعفاً أو عجزاً"، مشدداً على أن "أي محاولة إسرائيلية للتقدم واحتلال أراضٍ أو نقاط جديدة ستواجهها المقاومة بما يتناسب مع طبيعة التطور الميداني".
وفي ملف علي الطاهر، أكد أن "قرار المقاومة الحالي هو الصمود والتصدي، مع دراسة جميع الخيارات المتعلقة بالموقع، نافياً بشكل قاطع وجود أي مقاتل إيراني في صفوف المقاومة في جنوب لبنان". واعتبر أن "ربط تحرير الأراضي اللبنانية بملف سلاح المقاومة يشكل مساراً خطيراً يمس بالسيادة وبحقوق لبنان"، مؤكداً أن "العقوبات والحصار المالي لن يدفعا "حزب الله" إلى التراجع عن مشروع المقاومة أو التخلي عن أهله وبيئته".
وشدد قماطي على أن "الحزب سيواصل العمل في ملفات الإيواء والترميم وإعادة الإعمار ومساندة العائلات المتضررة ضمن إمكاناته"، معتبراً أن "خيار التحرك الشعبي والنزول إلى الشارع غير ملغى، لكنه مرتبط بالتوقيت المناسب وبظروف سياسية وأمنية محددة".
وكشف قماطي أن "أنصار الله في اليمن أبدوا استعدادهم لإغلاق باب المندب في حال الإطباق على المقاومة وشعبها في لبنان، ووضع مفتاحه بيد المقاومة".
كما شدد عضو المجلس السياسي في "حزب الله" على "التمسك بالعيش المشترك واحترام جميع مكوّنات لبنان، من السنّة والشيعة والدروز والمسيحيين وسائر الأطياف“ ،قائلًا: "ما منعتبر حدا درجة أولى وحدا درجة تانية وحدا درجة ثالثة".
تسوية تشمل حزب الله وإيران
في السياق، أعاد المبعوث الأميركي توم باراك، من خلال مواقف جديدة حول الملف اللبناني، فتح النقاش حول طبيعة المسار الذي يمكن أن يقود إلى تسوية في لبنان، في وقت لا تبدو فيه جولة تفاوضية جديدة بين بيروت وتل أبيب وشيكة، فيما تتجه الأنظار إلى التحركات المرتبطة بهذا الملف. باراك قال إن "أي تسوية جدية في لبنان لا بد أن تشمل حزب الله وإيران، معتبراً أن جمع الأطراف اللبنانية حول طاولة واحدة لا يكفي إذا لم يأخذ المسار التفاوضي في الاعتبار "بنية القوة الفعلية" في لبنان. وتساءل: "كيف ستُحل المشكلة إذا لم يكن حزب الله وإيران مشاركين؟".
لم يقدّم باراك هذه المقاربة باعتبارها بديلاً عن دور الدولة اللبنانية، بل انطلق من اعتبار أن أي اتفاق قابل للحياة يحتاج إلى التعامل مع موازين القوى التي يرى أنها تؤثر مباشرة في القرار اللبناني. وهو ما يعيد طرح مسألة أوسع: هل يمكن أن يبقى التفاوض محصوراً بالإطار اللبناني ـ الإسرائيلي، أم أن تشابك الملف اللبناني مع المواجهة الإقليمية بين إيران وإسرائيل سيجعل أي تسوية مرتبطة، بشكل أو بآخر، بعوامل وقوى تتجاوز طرفي التفاوض المباشرين؟
ويأتي هذا الطرح في مرحلة دقيقة يحاول فيها لبنان تثبيت مسار تفاوضي تقوده الدولة ومؤسساتها، بالتوازي مع البحث في الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مسألة حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة ومعالجة ملف سلاح حزب الله ضمن الإطار اللبناني.
يضع كلام باراك المسار التفاوضي إذاً أمام جملة أسئلة إضافية حول حدود التفاوض اللبناني ومدى قدرة لبنان على إبقاء الملف ضمن إطاره السيادي، وما إذا كانت الأولوية ستبقى لمسار تقوده الدولة اللبنانية.
غارات لا تهدأ
أمام كل هذا المشهد، وتيرة التصعيد في جنوب لبنان لا تهدأ. ميدانياً، شن الطيران الإسرائيلي غارتين استهدفتا المنطقة الواقعة بين صربين ورشاف. ومنذ الصباح، شنّ الطيران الحربي المعادي غارتين على مرتفع علي الطاهر عند الأطراف الشمالية لبلدة النبطية الفوقا. كما نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي تفجيرات قوية في بلدات كفرتبنيت وأرنون وطلوسة. كما نفذ أيضاً تفجيرا كبيرا لعدد من المنازل في منطقة حوشين عند الأطراف الغربية لمدينة ميس الجبل.
واستهدفت المدفعية الإسرائيلية أيضاً أطراف ميس الجبل. وألقت محلّقة إسرائيلية قنبلة باتجاه أحد الرعاة في الغدير بخراج صربين جنوبي لبنان من دون تسجيل إصابات. وليلاً، قصفت المدفعية حتى فجر اليوم وبشكل مركز أطراف دوحة كفررمان ومحيط تلة الدبشة وحرج علي الطاهر، مستخدمة قذائف فوسفورية. وشهدت بلدة المنصوري ومحيط بلدة بيوت السياد وأطراف مجدل زون فجراً، قصفاً مدفعياً إسرائيلياً عنيفاً. وواصل الجيش الإسرائيلي اعتداءاته على الجنوب بحيث قام ليلاً بعمليات تفجير واسعة شملت قرى وبلدات المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد التي لم يبق فيها منزلاً واحداً من دون تدمير. وشهدت بلدات حداثا وييت ياحون وعيتا الجبل عمليات تفجير مماثلة بالإضافة إلى عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة مع الأودية المجاورة لها، ترافقت مع تحليق متواصل للطيران المسير في أجواء قرى وبلدات القطاعين الغربي والاوسط.




