لقاء روحي في دار فتوى في طرابلس بمشاركة السفير السعودي

المدن - سياسةالجمعة 2026/08/21
Image-1787316267.Jpg
لقاء روحي في دار فتوى طرابلس (وطنية)
حجم الخط
مشاركة عبر

حملت زيارة سفير المملكة العربية السعودية في لبنان، فهد بن عبد الرحمن الدوسري، إلى طرابلس، إشارات تتجاوز طابعها البروتوكولي. فالجولة جمعت بين لقاء روحي موسّع في دار الفتوى، وحركة سياسية تُوّجت بزيارة رئيس "تيار الكرامة" النائب فيصل كرامي، في مسار يعكس اهتمامًا سعوديًّا بإعادة تنشيط العلاقة مع المدينة والشمال من بوابتَي المرجعيات الدينية والقوى السياسية.

ويكتسب هذا التحرّك دلالةً إضافية في مرحلة تسعى فيها المملكة إلى تعزيز حضورها في لبنان، وربط الدعم السياسي والاقتصادي باستعادة الدولة سلطتها، وتحصين علاقاتها العربية، وعدم تحوّل لبنان إلى منصّة للإضرار بأشقّائه.

 

لقاء روحي ورسالة عابرة للطوائف

عُقد في دار الفتوى في طرابلس لقاء روحي بمشاركة السفير الدوسري، وحضور مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام، بعد أداء السفير صلاة الجمعة في مسجد الوفاء، بمنطقة الضمّ والفرز، حيث أمّ المفتي إمام المصلّين.

وشارك في اللقاء أمين الفتوى في طرابلس وشيخ القرّاء الشيخ بلال بارودي، ورئيس دائرة الأوقاف الشيخ بسام البستاني، إلى جانب راعي أبرشية طرابلس للروم الأرثوذكس المطران إفرام كرياكوس، وممثّل راعي أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف، الخوراسقف أنطوان مخايل، وممثّل راعي أبرشية طرابلس للروم الملكيين الكاثوليك المطران إدوارد ضاهر، الأب ميشال سكاف.

كما حضر ممثّلا رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ علي قدور، محمد عبد الكريم وأحمد عاصي.

ولا يبدو التنوّع الروحي في اللقاء تفصيلًا شكليًّا، إذ يقدّم الحضور السعودي من خلال إطار جامع لمكوّنات المدينة والشمال، ويعيد التأكيد على أنّ التواصل مع لبنان لا يقتصر على فئة سياسية أو طائفية محدّدة. كما يمنح الزيارة بعدًا وطنيًّا يتّصل بتحصين الاستقرار الداخلي في مدينة لطالما شكّلت توازناتها مرآةً للتحوّلات السياسية والاجتماعية اللبنانية.

 

إمام: المملكة "حجر الزاوية في الإقليم"

رحّب المفتي إمام بالسفير السعودي، مشيدًا بـ"دور المملكة العربية السعودية في لبنان والمنطقة"، ومؤكّدًا أنّ "اللبنانيين ينظرون إلى المملكة بكلّ محبّة وودّ واحتضان، تقديرًا لدعمها اللبنانيين جميعًا، من دون تمييز بين منطقة وأخرى”>

ووصف إمام المملكة بأنّها "حجر الزاوية في الإقليم"، معتبرًا أنّ استئناف التصدير البرّي من لبنان إليها يمثّل خطوةً من شأنها أن تنعكس ارتياحًا وانفراجًا على الوضع اللبناني.

وقال إنّ التحالفات الناشئة في الإقليم يُنظر إليها بتفاؤل، أملًا في أن تساهم في معالجة الأزمات وإعادة الأمور إلى نصابها، وإطلاق عجلة التعاون والاقتصاد والمشاريع، بما يؤدّي إلى تحسين أوضاع الشعوب والدول.

ويكشف الربط بين الدور السعودي واستئناف الصادرات عن طبيعة التطلّعات اللبنانية إلى المرحلة المقبلة. فالانفتاح على الرياض لا يُقرأ فقط من زاوية استعادة التوازن السياسي العربي، بل أيضًا بوصفه مدخلًا إلى إنعاش القطاعات الإنتاجية وإعادة فتح الأسواق الخليجية أمام المنتجات اللبنانية.

وبذلك، يجمع خطاب دار الفتوى بين حاجتَين مترابطتَين، الحاجة إلى مظلّة عربية تساعد على تثبيت الاستقرار، والحاجة إلى مسار اقتصادي يعيد وصل لبنان بمحيطه الطبيعي بعد سنوات من التراجع والعزلة.

 

زيارة كرامي وفتح القنوات السياسية

وفي المحطّة السياسية من الجولة، استقبل رئيس "تيار الكرامة" النائب فيصل كرامي، في منزله في طرابلس، السفير الدوسري، في أوّل زيارة له إلى منزل كرامي منذ تسلّمه مهمّاته في لبنان.

وكان في استقبال السفير نجل كرامي، رشيد كرامي، والمستشار السياسي علاء جليلاتي. وجرى خلال اللقاء البحث في الأوضاع السياسية في لبنان والمنطقة، والتطوّرات الراهنة وانعكاساتها على الساحة اللبنانية، إلى جانب العلاقات اللبنانية السعودية وسبل تعزيزها.

وتحمل الزيارة دلالة سياسية تتجاوز التعارف، إذ تشير إلى توسيع الرياض نطاق اتصالاتها في طرابلس، وفتح قنواتها مع شخصيات وقوى مختلفة داخل البيئة السياسية السنّية. وهي مقاربة توحي بأنّ الحركة السعودية في المرحلة المقبلة لن تكون محصورة بحلفاء تقليديين أو اصطفافات ثابتة، بل ستقوم على التواصل مع القوى التي تمتلك حضورًا سياسيًّا وشعبيًّا في مناطقها.

 

كرامي: لا عافية للبنان بعيدًا عن محيطه

رحّب كرامي بالسفير الدوسري، متمنّيًا له التوفيق في مهمّاته الجديدة، ومؤكّدًا أنّ "المملكة العربية السعودية لطالما كانت، وستبقى، ركنًا أساسيًّا من أركان الاستقرار العربي، ودولةً شقيقة تجمعها بلبنان علاقات تاريخية راسخة تتجاوز الظروف السياسية والمتغيّرات".

وشدّد على تقديره للدور الذي تضطلع به المملكة، بقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، في دعم لبنان واستقراره وسيادته ومؤسّساته الشرعية.

واعتبر كرامي أنّ "لبنان الذي ينشد استعادة عافيته السياسية والاقتصادية لا يمكنه إلّا أن يستعيد علاقاته الطبيعية والعميقة مع محيطه العربي"، مؤكّدًا أنّ طرابلس والشمال ينظران إلى السعودية باعتبارها "شقيقةً تاريخية"، لما لها من مكانة خاصة في وجدان أبناء المدينة والمنطقة.

كما تناول اللقاء أهمّية تحصين الاستقرار اللبناني وتعزيز العلاقات العربية، بما يخدم مصالح لبنان وشعبه ويحفظ سيادته ودوره ضمن محيطه.

 

عودة سعودية هادئة إلى الشمال

تتقاطع مواقف المفتي إمام وكرامي عند فكرة واحدة، وهي أنّ استعادة لبنان عافيته تمرّ عبر إعادة تثبيت علاقته بمحيطه العربي، سياسيًّا واقتصاديًّا. وبين دار الفتوى ومنزل كرامي، بدا التحرّك السعودي قائمًا على الجمع بين الخطاب الروحي الجامع، والانفتاح السياسي، وربطهما بمسار اقتصادي يبدأ من استئناف الصادرات ولا ينتهي عند إعادة تنشيط الاستثمارات والتعاون.

ولا توحي الجولة بأنّ الرياض تبحث عن بناء اصطفاف سياسي سريع في طرابلس، بقدر ما تعكس محاولةً لإعادة تثبيت حضورها على مستوى المؤسّسات والمرجعيات والقوى المحلية. فالسعودية تتحرّك تحت عنوان دعم الدولة وسيادتها ومؤسّساتها الشرعية، فيما تحاول القوى الطرابلسية بدورها إعادة وضع المدينة على خريطة الاهتمام العربي بعد سنوات من التراجع.

وعليه، تبدو زيارة الدوسري خطوةً ضمن مسار سعودي أوسع، عنوانه إعادة وصل لبنان بمحيطه العربي من بوابة الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي. أمّا طرابلس، فتعود لتشكّل إحدى الساحات الأساسية لهذا التحرّك،، بما تمثّله من ثقل سياسي وديني، وما تختزنه من حاجة ملحّة إلى الدعم والاستثمار وإعادة الاعتبار لدورها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث