عن قطار لا يُغادر!

رأينزيه درويشالجمعة 2026/08/21
GettyImages-1176829072.jpg
لم تستطع الدولة المنتظرة أن تستفيد من الزخم الكبير الذي أُعطي لها شعبيًا وخارجيًا. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قد تكون الحكومة اللبنانية نشيطة وعاملة، ولكن لماذا يتكوّن، يومًا بعد يوم، إحساسٌ متعاظمٌ لدى أغلب اللبنانيين بأنها خارج الخدمة؟

في لغة التنمية والأعمال، نقول إن مخرجاتها غائبة، أو غير ملموسة، أو غير قابلة للقياس. وهي عبارات ثلاث تشير، في نهاية المطاف، إلى معنى واحد: لا إنجازات.

قد يكون هذا ظلمًا لها، أو غير عادل تمامًا، أو مبالغًا فيه، أو حتى ينطوي على شيء من الافتراء. غير أن استفتاءً بسيطًا لشرائح عشوائية ممثّلة من مختلف مناطق لبنان، بعيدًاعن لمسات تجّار الإحصاءات المدفوعة، سيفضي غالب الظن إلى خلاصة مماثلة.

لا أريد فحص الواقع البائس كما يراه اللبنانيون بعيونهم. فما نحن بصدده في هذه السطور ليس جردة حساب علمية لعمل الحكومة، وهي جردة متعذّرة هنا بطبيعة الحال، لخروجها عن قدرتنا الحالية وعن المساحة المتاحة لهذا المقال على السواء. في المقابل، سأكتفي بفحص ما انتظرناه نحن، وكيف خابت ظنوننا وآمالنا، وكأن سنة ونصف السنة لم تحملا أي تقدّم حقيقي على أي صعيد.

انتظر اللبنانيون، أو معظمهم، أن يروا قطار الدولة قد عاد إلى السكة، إلى نقطة الانطلاق المرجوة، بعد انحرافه الخطير. عاد بمحركات جاهزة وفاعلة، وإن كانت ليست جديدة، قبل أن يختبروا تباعًا جودته، والكبائن، والسرعة، والسائق، والمحطات، وقاطع التذاكر، والخدمة.

ونقطة الانطلاق هذه ليست تفصيلًا تقنيًا. إنها عودة العمل المؤسسي إلى قواعد الحوكمة الحقيقية التي تتيح فرص التقدّم الموثوق نحو المحطات التالية. وهي ليست قواعد غامضة أو مبهمة أو تحتمل الاجتهاد بحسب الظرف والمصلحة. فعلى الرغم من العثرات والفجوات الكامنة في نص الدستور اللبناني، ورخاوة بعض أركانه، إلا أنه ما زال صالحًا، متى طُبّق بحزم.

ولعل أهم أركانه الصلبة هو الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية والقضائية. نصوص ومهمات ومسؤوليات واضحة، يُفترض أن تؤمّن سير القطار بتوازن وأمان. والمفارقة أن هذه الأركان الصلبة هي أكثر ما جرى انتهاكه في الدستور. فقد اختلطت السلطات ومسؤولياتها بشكل خطير طوال عقود، ما أنتج أعرافًا وممارسات كادت تنسي اللبنانيين كيف تُدار دولة بالحد الأدنى، وكيف يُعرَّف العمل السياسي أساسًا.

انتظر اللبنانيون أداءً مختلفًا. ليس بنبرة الصوت، ولا بالخطابات، ولا بالمواقف المحسوبة بعناية تحت سقف "العمل كالمعتاد" ـbusiness as usual، وإنما بالممارسات الحقيقية، وتراكمها الإيجابي، والعناد في السير بها حتى النهاية.

 

ولكن الخيبة لم تتأخر.

لم تستطع «الدولة» المنتظرة أن تستفيد من الزخم الكبير الذي أُعطي لها شعبيًا وخارجيًا، ومن التراجع النسبي والمؤقت لدويلات الأحياء والمزارع المحلية والخاصة. ببساطة، لأنها لم تُرد ذلك بما يكفي. انهارت، فور تشكيلها أو بعده بقليل، تحت وطأة الابتزازات والحسابات والرهانات والوعود الجانبية. وخضعت للدويلات كافة، بحجج واهية، في مقدمها احترام تركيبة مجلس النواب الذي «انتخب» الرئيس و«منح» الحكومة الثقة. إن صدّقنا، طبعًا، أن جذر الفعل «انتخب» أصيل في اللغة السياسية العربية!

وهي حجج واهية، ليس فقط لأنها فوّتت فرصة إجراء انتخابات نيابية في موعدها كان بمقدورها تغيّير المشهد قليلًا لصالح ما يأمله اللبنانيون، لو اجتهدت الحكومة وعدّلت قانون الانتخاب، بل لأنها قدّمت ذلك جائزة ترضية للمشكو منهم أنفسهم، في مغامرة مقايضات ضربت أول ما ضربت محطة الانطلاق آنفة الذكر.

ومن ثم استمر مسلسل الخيبات. اعتمدت الحكومة سياسة خطوة إلى الأمام وخمس خطوات إلى الخلف، لا خطوتين فقط. قرارات حكومية جيدة في ملف سيادة الدولة واستعادة سلطتها، يقابلها تهاون كبير في تطبيقها. وكأنها تتباهى بشطارتها في الرقص فوق الحبال. ترضي شريحة واسعة من اللبنانيين، طلاب حصرية السلاح وعودة الدولة واستعادة القرار، بمواقف وقرارات غير مسبوقة، ثم ترضي أخصامهم بوقف تنفيذها، والتحايل عليها، وتلعثم وزرائها وتراجع بعضهم. النتيجة ميكيافيلية بامتياز: الحفاظ على رأسها لدى الشريحتين.

إلى جانب ذلك، استمر القطار المتلكئ في تفويت المحطات واحدة تلو الأخرى. ليس بسبب سرعته، بالطبع، بل خوفًا من عدم إقلاعه مجددًا إذا ما توقف في إحداها.

فقد غابت محطات الإصلاح منذ لحظة غياب خريطة طريق واضحة وموثوقة. وانتهت التعيينات الإدارية الكثيرة والكبيرة إلى حفلة محاصصات، بلا خطط ولا رؤى ولا أسباب موجبة ولا هيكلية إدارية واضحة رغم كل الوعود. وحتى الهيئات الناظمة التي لطالما وُعدنا بأنها حلًا سحريًا، وصُوّرت وكأن شغورها هو العقبة الكبرى أمام إصلاح الإدارات وتفعيلها، أُفرغت من مضمونها و بقيت إنتاجيتها تقارب الصفر.

تفاجأ اللبنانيون بأن آمالهم بانطلاقة سريعة تحطمت بسرعة أكبر.

الكهرباء والماء: انعدما تقريبًا. الاتصالات: تحوّلت إلى أوراق بحثية. البنية التحتية والفوقية: الله يديم الصيف. التربية: طامة كبرى. الداخلية: مع وقف التنفيذ من قانون السير إلى الانتخابات. الخارجية: عطلة صيفية. الاقتصاد: رضينا أن يقتصر على حماية المستهلك في المؤتمرات. البيئة: أثرٌ بيئي لا تعنيه النفايات. الصحة: يصعب أحيانًا تذكّر دورها. والإعلام: وعدٌ شبه يتيم لم يستطع تحقيقه.. البقية لا يستحقون فعلا إلا التجاهل.

لا داعي للاسترسال في سَوق الشهادات والأدلة. فكل ركّاب القطار، في أي مقصورة حلّوا، يعاينون حشرجة القاطرة، ودخانها الأسود، وصعوبة تقدمها. ويعاينون بذهول، عودة تفكك المقصورات، وتخلخل سقوفها وشبابيكها والمراحيض، فيما قاطع التذاكر لا يني يمرّ لجباية بطاقات لا تتوقف أسعارها  عن الارتفاع مع مرور النهار.

لم يعد سؤال الركاب حول صحة تأهيل القطار كما أُذيع، ولا عن جودة المحركات أو راحة المقصورات. بل صار قلقهم: هل غادر القطار محطته الأولى حقيقةً، أم أن سائقه اكتفى فقط بصفارة الانطلاق؟

قد يقفز أحدهم ليقول: ولكنكَ نسيتَ أن البلاد كانت وما تزال في حالة حرب مدمرة، ولم ندخل بعد مرحلة الهدوء والتعافي.

حسنًا، لماذا إذًا لم تنكبّ الدولة بجدية على تخليص البلاد من الحرب أولا؟ ماذا عساها تفعل؟ لماذا أضاعت الوقت بعد الجولة الأولى بادعاءات تنفيذ الاتفاقات، وها هي اليوم تعيد الكرّة بعد الجولة الثانية؟ كم جولة ستلزم لتقنعنا بأن الخلاص لا يكون الا بكسب الوقت وليس بتضييعه؟ 

من جهتي، سأحترم عقل القارئ ووقته بالتوقف هنا ولن أضيع المزيد من الوقت لإعادة شرح كيف يُكسَبُ الوقت.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث