إسرائيل تصعّد:غارات متلاحقة على علي الطاهر والنبطية وكفررمان

المدن - سياسةالجمعة 2026/08/21
حجم الخط
مشاركة عبر

أطلقت إسرائيل العنان لتصعيد عنيف قبيل منتصف ليل الجمعة- السبت، استهدف تلة علي الطاهر والنبطية الفوقا وكفررمان والجوار. وجرى قصف التلة بالقذائف الفوسفورية، قبل شن غارات متلاحقة عليها.

وكان التصعيد الإسرائيلي اتّخذ طوال الجمعة شكل عمليّات متزامنة تشمل تفجير المنازل وإحراقها، والقصف المدفعي، والغارات الجويّة، والتحرّكات داخل ما تسمّيه إسرائيل "المنطقة الأمنيّة". وبينما تتّسع خريطة الاستهدافات من برعشيت والطيبة إلى كفرتبنيت وحداثا وبيت ياحون، يبقى مرتفع علي الطاهر نقطة التركيز الأبرز، وسط مخاوف من أن تكون إسرائيل تعيد تشكيل الميدان استعدادًا لجولة أوسع.

وفي موازاة النار، رفعت واشنطن مستوى الضغط المالي والسياسي على حزب الله، عبر فرض عقوبات على شبكة متّهمة بنقل مئات ملايين الدولارات إلى الحزب، وإعادة تصنيفه استنادًا إلى علاقته بفيلق القدس الإيراني. وهكذا، التقى الضغط الإسرائيلي في الجنوب مع محاولة أميركية لتضييق قنوات التمويل، في وقت دعا فيه الحزب الدولة اللبنانية إلى إعلان موت "صيغة الإطار" والانسحاب من المفاوضات.

 

غارات وتفجيرات من برعشيت إلى بيت ياحون

ميدانيًّا، شنّ الطيران الإسرائيلي غارةً على بلدة برعشيت، استهدفت منزلًا وفق المعلومات الأوليّة. ولاحقًا، أعلن الجيش الإسرائيلي أنّه استهدف مبنًى في البلدة، زاعمًا أنّ قوّاته رصدت عددًا من الأشخاص الذين اجتازوا ما سمّاه "خطّ المنطقة الأمنيّة"، ودخلوا إلى المبنى وشكّلوا تهديدًا لقوّاته.

وقال الجيش إنّ الغارة نُفّذت بتوجيه من قوّات لواء "كفير" التابعة للفرقة 91، مدّعيًا أنّ العمليّة جاءت لإزالة "تهديد فوري"، ومكرّرًا زعمه الالتزام بالاتفاق القائم بين لبنان وإسرائيل.

وبالتزامن، استمرّ القصف المدفعي على أطراف بلدة ميفدون، فيما نفّذت القوّات الإسرائيلية، بعد الظهر، تفجيرات عنيفة في كفرتبنيت، وسُجّل تفجير آخر في بلدة الطيبة. كما حلّق الطيران المسيّر الإسرائيلي على علوّ منخفض فوق منطقة الزهراني.

وفي تحديثات لاحقة، أقدمت القوّات الإسرائيلية على إحراق منازل في بيت ياحون، ونفّذت تفجيرًا في بلدة حداثا، ما وسّع رقعة العمليات التي توزّعت بين الغارات والتفجيرات والقصف وإحراق الممتلكات في عدد من قرى الجنوب

 

علي الطاهر هدف يتقدّم المشهد

على الرغم من اتّساع رقعة الاستهدافات، يبقى مرتفع علي الطاهر الوجهة الأكثر حساسية في الحسابات الإسرائيلية. فالموقع، الذي يشرف على مدينة النبطية ومناطق واسعة من إقليم التفاح ووادي الليطاني، يتيح قدرةً كبيرة على المراقبة والسيطرة الميدانية، ما يجعله نقطةً استراتيجيّة في أيّ ترتيب عسكري جديد جنوبًا.

وتشير كثافة الغارات والقصف حول المرتفع إلى أنّ إسرائيل لا تتعامل معه باعتباره هدفًا عابرًا، بل موقعًا مركزيًّا في تثبيت نفوذها الميداني وتوسيع نطاق تحرّكها. ويعزّز ذلك المخاوف من أن تتجاوز العمليات الجارية حدود الضغط التفاوضي، لتصبح جزءًا من إعداد مسرح المواجهة لجولة جديدة.

ويتزامن هذا التصعيد مع تعثّر الانتقال إلى منطقة تجريبيّة ثانية ضمن "صيغة الإطار"، ما يضع المسارين العسكري والتفاوضي في اتجاهين متعاكسين. فبينما يتمسّك لبنان بانسحاب إسرائيلي يتيح انتشار الجيش، تواصل إسرائيل توسيع عملياتها وتكريس وجودها الميداني.

 

عون يلتقى ميلوني

هذا والتقى رئيس الجمهورية جوزاف عون رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وبحث معها العلاقات اللبنانية الإيطالية وسبل تطويرها في مختلف المجالات، إلى جانب الأوضاع في لبنان والمنطقة.

وشكر عون ميلوني على الدعم الذي تقدّمه بلادها للبنان، وطلب منها الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها والالتزام بتنفيذ "اتفاق الإطار"، الذي جرى التوصّل إليه خلال المفاوضات اللبنانية، الأميركية، الإسرائيلية في واشنطن.

كما شكر إيطاليا على استضافتها المفاوضات الثلاثية، وعلى دورها في تثبيت الأمن والاستقرار في الجنوب. وتطرّق البحث إلى مرحلة ما بعد انتهاء مهمّة قوّات "اليونيفيل"، والدور الإيطالي المرتقب في دعم الاستقرار.

وكان عون قد التقى أيضًا الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، وبحث معه العلاقات الثنائية والأوضاع الإقليمية. وشاركت سفيرة لبنان لدى إيطاليا كارلا جزّار في اللقاءين.

Image-1787336920.Jpg

واشنطن تنقل الضغط إلى شبكات التمويل

اشتعل الميدان جنوبًا، فلاقته الولايات المتحدة سياسيًّا وماليًّا بإعلان رزمة عقوبات جديدة مرتبطة بإيران وحزب الله. وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على عشرة أفراد، قال إنّهم يشكّلون جزءًا من شبكة مسؤولة عن نقل الأموال النقدية إلى الحزب، باستخدام أشخاص يسافرون على متن رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران.

وبحسب الوزارة، نقلت الشبكة مبالغ قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات بين دول المنطقة، موفّرةً للحزب قناةً للحصول على العملات الأجنبية خارج النظام المالي الرسمي والالتفاف على العقوبات.

وقالت الخزانة إنّ حزب الله وحلفاءه يعتمدون مخطّطات تمويل تشمل تهريب النفط، والشحن غير المشروع، وبيع السلع، ونقل الأموال النقدية بكميات كبيرة، بهدف توليد التمويل وتحريكه في أنحاء المنطقة.

وربطت الوزارة الشبكة بالمسؤول المالي السابق في فيلق القدس بهنام شهرياري، الذي أشارت إلى أنّه توفّي، معتبرةً أنّها شكّلت إحدى القنوات المستخدمة لتوجيه الدعم إلى الجماعات التي تصفها واشنطن بأنّها وكلاء لإيران.

 

شبكة سعاة بين تركيا ولبنان

وفق الخزانة الأميركية، يدير رجل الأعمال التركي يونس ألبر يلماز شبكةً من السعاة المسؤولين عن نقل الأموال بين دول المنطقة ولبنان. وقالت إنّه استخدم شركات وحسابات مصرفية واجهةً لتحويلات مرتبطة بفيلق القدس، كما استفاد من محال صرافة في تركيا لتسهيل أعمال الشبكة.

وشملت العقوبات، إلى جانب يلماز، خليل إبراهيم قاجماز، وأوندر دده، ووصفي أكيوز، ومحمد أكيوز، ومحمد آجور، وفياض قره صالح، ومسعود مسافر، وغولاي كايا صاوجي، وإمره أياز. واتّهمت الوزارة هؤلاء بنقل أموال موجّهة إلى حزب الله سرًّا على متن رحلات تجاريّة إلى لبنان.

وبموجب العقوبات، تُحظر الممتلكات والمصالح العائدة إلى الأشخاص المصنّفين داخل الولايات المتحدة، أو الواقعة في حيازة أشخاص أميركيين أو تحت سيطرتهم. كما تشمل القيود الكيانات التي يملك الأشخاص المصنّفون، منفردين أو مجتمعين، نصفها أو أكثر.

 

إعادة تصنيف الحزب تحت مظلّة فيلق القدس

بالتزامن مع استهداف شبكة نقل الأموال، أعاد مكتب مراقبة الأصول الأجنبية تصنيف حزب الله بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224 وتعديلاته، على أساس أنّه يعمل لمصلحة فيلق القدس، أو تحت سيطرته أو توجيهه.

ولا يعني الإجراء أنّ واشنطن صنّفت الحزب للمرّة الأولى، إذ سبق لوزارة الخارجية الأميركية أن صنّفته "منظّمة إرهابية أجنبية" في 8 تشرين الأوّل 1997، ثمّ "كيانًا إرهابيًّا عالميًّا مصنّفًا بشكل خاص" في 31 تشرين الأوّل 2001. أمّا الخطوة الجديدة، فتربط إعادة التصنيف مباشرةً بما تصفه الخزانة بالدور القيادي لفيلق القدس في قرارات الحزب وعمليّاته.

وفي السياق، قال كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس إنّ "إيران تستخدم حزب الله لنشر الفوضى في أنحاء الشرق الأوسط، وتقويض سيادة لبنان، وتهديد حلفائنا الإقليميين".

واعتبر بولس أنّ إعادة التصنيف وفرض العقوبات على شبكة نقل الأموال يظهران عزم واشنطن على قطع شبكات تمويل الحزب.

 

حزب الله يطالب بإعلان موت "الإطار"

في المقابل، دعا حزب الله السلطات اللبنانية إلى إعلان موت "صيغة الإطار" التي أبرمتها مع إسرائيل، والانسحاب من المفاوضات، معتبرًا أنّ تل أبيب "تمعن في ممارسة الإجرام ضدّ سكّان جنوب لبنان".

واتّهمت كتلة الحزب النيابية إسرائيل بـ"القتل والتدمير وتفجير الأحياء السكنية وتجريف القرى والطرقات"، فيما وجّهت انتقادًا مباشرًا إلى السلطات اللبنانية، ووصفت أداءها بأنّه "تقاعس عن القيام بالواجبات السياسية والسيادية والدبلوماسية"، الأمر الذي قالت إنّه يشجّع إسرائيل على التمادي.

ودعت الكتلة إلى "التخلّي عن النهج التفاوضي"، معتبرةً أنّ الاتفاق لم يحقّق أيًّا من الأهداف التي أعلنتها السلطة لتبرير الانخراط فيه، وفي مقدّمتها وقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية.

ويكتسب موقف الحزب دلالةً إضافية بسبب توقيته، إذ جاء بالتزامن مع اتّساع العمليات الإسرائيلية وتشديد العقوبات الأميركية، بما يضع الحكومة أمام ضغطين متعاكسين، ضغط دولي لاستكمال المسار التفاوضي وحصر السلاح، وضغط داخلي يقوده الحزب لإسقاط الصيغة والانسحاب منها.

 

السفير الإيراني أمام مهلة الرابع والعشرين من آب

داخليًّا، عاد ملفّ بقاء السفير الإيراني محمد رضا شيباني في لبنان إلى الواجهة، بعدما أعلن وزير الخارجية يوسف رجّي انتهاء تأشيرته في 24 آب الجاري، مع رفض الوزارة تمديد إقامته مجدّدًا، من خلال عدم إحالة طلب التمديد إلى الأمن العام.

وقال رجّي إنّ استمرار وجود السفير الإيراني في لبنان "يتعارض مع قرار سيادي واجب النفاذ، لا يقبل استثناءً أو تسويةً".

ومع ذلك، يجري التداول بمخرج تقني محتمل، يقوم على تقديم شيباني طلب التأشيرة مباشرةً إلى الأمن العام باستخدام جواز سفره العادي، بدلًا من جوازه الدبلوماسي، من دون أن يتّضح ما إذا كان هذا المسار سيُعتمد رسميًّا.

ويأتي تجدّد الملفّ الدبلوماسي في لحظة تتّجه فيها واشنطن إلى إبراز العلاقة بين حزب الله وفيلق القدس بوصفها أساسًا للعقوبات الجديدة، ما يضيف إلى المواجهة المالية بُعدًا سياسيًّا يتّصل مباشرةً بعلاقة الدولة اللبنانية بطهران.

 

"اليونيفيل" تنسحب تدريجيًّا والجيش يتقدّم

وسط هذا المشهد، سلّمت قوّات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، "اليونيفيل"، موقعها القريب من مركز الجيش اللبناني في منطقة الخردلي، جنوب نهر الليطاني، إلى اللواء السابع في الجيش.

وتندرج الخطوة ضمن خطة نقل عدد من مواقع القوّات الدولية إلى الجيش، تمهيدًا لبدء الانسحاب التدريجي لـ"اليونيفيل". وكان مجلس الأمن قد مدّد مهمّتها للمرّة الأخيرة حتّى 31 كانون الأوّل 2026، على أن تبدأ بعدها عملية انسحاب منظّمة وآمنة خلال عام.

ويكتسب موقع الخردلي أهمّيةً استراتيجيّة، إذ يشكّل معبرًا أساسيًّا يربط النبطية بمرجعيون والبلدات الواقعة جنوب نهر الليطاني. لكنّ تسليمه إلى الجيش يتجاوز دلالته الجغرافيّة، إذ يؤشّر إلى انتقال تدريجي في المسؤوليات الأمنية، في لحظة يتصاعد فيها الضغط الإسرائيلي ويزداد الغموض المحيط بمصير المفاوضات.

وبذلك، يجد لبنان نفسه أمام مفارقة شديدة التعقيد، إذ يتّسع الحضور العسكري الإسرائيلي جنوبًا، وتتراجع المظلّة الدولية تدريجيًّا، فيما يُطلب من الجيش أن يتولّى مسؤوليات أكبر، بالتزامن مع ضغط أميركي متزايد على حزب الله ودعوات داخلية إلى إسقاط المسار التفاوضي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث