يتخذ لبنان الرسمي في هذه المرحلة وضعية استنفار استثنائي. وتتقاطع التحركات المكثفة التي تجريها مرجعيات الحكم، مع ضغوط ميدانية إسرائيلية متصاعدة في الجنوب. ويبدو واضحًا أن اللقاءات الرفيعة التي يجريها رئيس الجمهورية جوزاف عون، خلال هذه المرحلة، إقليميًا ودوليًا، والتي تشمل حاليًا إيطاليا والفاتيكان، هي محاولة طارئة لتثبيت مظلة دولية في الجنوب، قبل نحو 3 أشهر من موعد انتهاء ولاية قوات الأمم المتحدة المؤقتة، "اليونيفيل"، المقرر مع نهاية العام الجاري.
وفي الأيام الأخيرة، تعالت أصوات التحذير، ومنها موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، من أن غياب هذه القوات يُسقط المظلة الضامنة لتطبيق القرار 1701 ويترك الجنوب في مكشوفًا أمام أي ترتيبات أمنية جديدة. ولكن، في حال الإصرار الدولي على إنهاء الولاية الحالية، ستبرز حاجة إلى استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، لإيجاد قوة بديلة، تحظى بتوافق لبناني، في ظل تعقيدات دولية تحيط بالدور الفرنسي، والأوروبي عمومًا.
وما يفاقم المخاطر هو الوضع الميداني الذي تتجه به إسرائيل نحو مزيد من التصعيد، بالقصف والغارات فيما عمليات التفجير لا تتوقف في مناطق صور ومرجعيون والنبطية وبنت جبيل، وتطيح ما بقي من بنية تحتية ومدنية. وتبقى تلة علي الطاهر بها عنوان المواجهة المقبلة. وترى أوساط متابعة أن أي تحرك إسرائيلي صوب هذه التلة سيكون رهنًا بحسابات بنيامين نتنياهو الداخلية، إذ قد يسعى إلى استغلال أي عمل عسكري واسع، في توقيت يخدم أجندته الانتخابية.
أما في الداخل اللبناني، فالتباين مستمر حول مقاربة المسار الحالي. فلبنان الرسمي يركز على حشد الدعم الدولي لتفادي توسع الحرب، وهو يستميت في طلب التمديد للشرعية الدولية لمواكبة تسليم علي الطاهر ومناطق أخرى شمال الليطاني إلى الجيش اللبناني، فيما يبدي حزب الله تشكيكًا مستمرًا في جدوى الرهان على المفاوضات والدور الأميركي والوعود الدولية، مؤكدًا على التمسك بسلاحه، كخيار ردع رئيسي. ووسط هذا المشهد المعقد، يبدو صعبًا تقدير حدود المواجهة المقبلة في الجنوب.
سباق مع نهاية "اليونيفيل"
في جوهر التحرّك اللبناني، لا تبدو المسألة مرتبطة بالحفاظ على "اليونيفيل" بوصفها قوة عسكرية وحسب، بقدر ما تتعلّق بما تمثّله من مظلّة سياسية وقانونية دولية للجنوب. فمجلس الأمن كان قد مدّد، في القرار 2790، ولاية القوة للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ بعدها خفض عديدها وانسحابها بصورة منظّمة وآمنة خلال عام. كما طلب القرار البحث في الخيارات المتاحة لمستقبل تنفيذ القرار 1701 بعد مغادرتها.
وهنا تكمن العقدة اللبنانية. فالانسحاب لا يعني فقط إخلاء مواقع عسكرية، بل إنهاء صيغة عمرها عقود كانت تؤدّي وظيفة مراقبة واحتواء واتصال بين الأطراف، وتمنح لبنان مرجعية أممية يستند إليها في توثيق الخروقات الإسرائيلية. ولذلك، فإن السؤال الذي يشغل المسؤولين لم يعد فقط: هل تغادر "اليونيفيل"؟ بل: ماذا سيأتي بعدها؟
لبنان يريد تفادي فراغ في اللحظة التي يعاد فيها رسم الترتيبات الأمنية جنوبًا. والقلق يصبح أكبر إذا تزامن رحيل القوة الدولية مع انتقال الجيش إلى مواقع ومناطق إضافية، فيما تبقى إسرائيل قادرة على فرض وقائع ميدانية بالنار.
ومن هنا، يمكن قراءة حركة عون الخارجية بوصفها محاولة لإبقاء الملف اللبناني في دائرة الاهتمام الدولي، لا مجرّد جولة بروتوكولية. وفي الفاتيكان، طالب الرئيس اللبناني بمزيد من الضغط لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلّة، فيما عبّر الكرسي الرسولي عن قلقه من الصعوبات التي تعترض تنفيذ "الاتفاق الإطار".
إسرائيل تفاوض تحت النار
لكن الدبلوماسية اللبنانية تتحرّك تحت ضغط ميداني لا يسمح بفصل التفاوض عن الحرب. فالجيش الإسرائيلي يوسّع عملياته في الجنوب بين الغارات والقصف المدفعي والتفجيرات، في نمط يوحي بأن الهدف لا يقتصر على ضرب أهداف عسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل البيئة الميدانية في القرى والمرتفعات التي تدخل في صلب الترتيبات الجديدة.
وعليه، لا تبدو التفجيرات المتكرّرة في صور وبنت جبيل ومرجعيون والنبطية أحداثًا منفصلة عن المفاوضات. هي، في القراءة السياسية، وسيلة تفاوض إضافية. إسرائيل ترفع كلفة بقاء الوضع على حاله، وتدخل إلى أي نقاش سياسي وهي تستند إلى تفوّق ميداني يسمح لها بفرض شروطها من موقع القوة.
وفي هذا السياق تحديدًا تبرز تلة علي الطاهر. فهي لم تعد مجرّد نقطة جغرافية في المواجهة، بل تحوّلت إلى اختبار لما إذا كان المسار الحالي سيؤدي إلى انسحاب وتسليم مواقع للجيش اللبناني، أم إلى عملية إسرائيلية جديدة تسبق أي ترتيب سياسي.
وهذا ما يجعل موعد المواجهة، إن حصلت، مرتبطًا أيضًا بالحسابات الإسرائيلية الداخلية. فبنيامين نتنياهو يخوض المرحلة المقبلة تحت ضغط الاستحقاقات الانتخابية، وأي توسّع عسكري قد يتحوّل إلى أداة داخلية، خصوصًا إذا قُدّم باعتباره استكمالًا لإعادة تشكيل الحدود الشمالية وفرض ترتيبات أمنية تمنع "حزب الله" من استعادة قدرته على الحركة.
بين التفاوض ومشروع سياسي أبعد
الأخطر بالنسبة إلى لبنان أن النظرة الإسرائيلية لما يجري لا تقف بالضرورة عند حدود ترتيبات أمنية جنوبية. ففي الخطاب الإسرائيلي، بدأ يظهر اتجاه يدعو إلى استثمار التحولات الإقليمية للانتقال من وقف النار إلى مسار سياسي أوسع.
وذهبت "يديعوت أحرونوت" إلى حد اعتبار لبنان مرشحًا ليكون "الاختراق المقبل" ضمن مسار اتفاقيات أبراهام، مستندةً إلى تراجع قدرات "حزب الله"، والتحولات في سوريا، والانخراط الأميركي المباشر في الملف اللبناني. ودعت الصحيفة إسرائيل إلى عدم تفويت ما وصفته بـ"فرصة نادرة" لنقل العلاقة مع لبنان من إدارة النزاع إلى مسار سياسي أوسع.
هذه القراءة لا تعني أن لبنان ذاهب إلى التطبيع، لكنها تكشف سقف التطلّعات الإسرائيلية. فبينما يتعامل لبنان الرسمي مع المفاوضات كوسيلة لوقف الحرب واستعادة الأرض، تظهر داخل إسرائيل أصوات ترى أن اللحظة تسمح بفرض تحوّل سياسي أعمق.
وهنا تحديدًا يتولّد جزء أساسي من الشكوك الداخلية اللبنانية: هل التفاوض الحالي محصور فعلًا في تنفيذ اتفاق ووقف الاعتداءات والانسحاب، أم أنه بداية لمسار تريد إسرائيل توسيعه تدريجيًا إلى ما هو أبعد؟
"حزب الله" يرفع سقف الاعتراض
هذا السؤال بات في صلب هجوم "حزب الله" على السلطة. فكتلة "الوفاء للمقاومة" لم تعد تكتفي بالتشكيك في جدوى المفاوضات، بل انتقلت إلى المطالبة علنًا بإعلان "موت الاتفاق الإطار" والانسحاب من الجولات التفاوضية، معتبرةً أن المسار لم ينجح في وقف القتل أو تحقيق الانسحاب.
وهذا الموقف يرفع مستوى الخلاف من نقاش حول أدوات التفاوض إلى خلاف على أصل المسار. الدولة تقول، عمليًا، إن البديل من المفاوضات هو ترك إسرائيل من دون ضوابط سياسية ودولية، بينما يردّ الحزب بأن التفاوض نفسه لم يمنع إسرائيل من توسيع اعتداءاتها، وبالتالي فقدَ وظيفته الردعية.
المفارقة أن الطرفين ينطلقان من الخوف نفسه، لكنهما يصلان إلى نتيجتين متناقضتين. السلطة تخشى الحرب، فتبحث عن مزيد من الشرعية والضمانات الدولية. والحزب يرى أن الضمانات نفسها لم تمنع الحرب، فيتمسّك بعنصر القوة الذاتية والسلاح.
وهذه الفجوة ليست تفصيلًا. فأي ترتيب جديد في الجنوب يحتاج إلى توافق داخلي حول دور الجيش، والسلاح، والانتشار شمال الليطاني، وما يلي نهاية "اليونيفيل". من دون هذا التوافق، يمكن لأي تقدّم تفاوضي خارجي أن يتحوّل إلى أزمة سياسية داخلية.
برّي يتمسّك بالمظلّة الدولية
في المقابل، يتخذ بري موقعًا أكثر تركيبًا. فهو يضغط باتجاه انسحاب إسرائيلي كامل وانتشار الجيش، لكنه في الوقت نفسه يحذّر من سقوط المظلّة الدولية التي وفّرها القرار 1701 ووجود "اليونيفيل".
هذه المقاربة تعكس محاولة للإبقاء على معادلة مزدوجة: الدولة والجيش في الواجهة، لكن تحت غطاء دولي يمنع إسرائيل من تحويل تفوّقها العسكري إلى سيطرة مفتوحة على قواعد اللعبة جنوبًا.
فالجيش اللبناني يستطيع الانتشار، لكن أي انتشار في ظل استمرار الاحتلال والغارات اليومية سيبقى ناقصًا. كما أن تحميل المؤسسة العسكرية وحدها مسؤولية تثبيت الحدود بعد خروج "اليونيفيل" يعني نقل العبء من الأمم المتحدة إلى دولة تعاني أصلًا من نقص التمويل والتجهيز والقدرة على فرض الانسحاب الإسرائيلي.
ولهذا تتقدّم أيضًا المساعي الفرنسية لدعم الجيش. لكن باريس نفسها تواجه اختبارًا يتعلق بمدى قدرتها على تحويل الدعم السياسي إلى مظلّة أمنية ذات وزن، خصوصًا في ظل أولوية الدور الأميركي في التفاوض، والحساسية الإسرائيلية تجاه أي ترتيبات لا تملك واشنطن الكلمة الفصل فيها.
جنوبٌ بلا ضمانات واضحة
كل هذه المسارات تلتقي عند سؤال واحد: ماذا سيحدث للجنوب إذا انتهى العام من دون صيغة بديلة واضحة لـ"اليونيفيل"، ومن دون انسحاب إسرائيلي، ومن دون حسم ملف المواقع المتنازع عليها أو الانتقال إلى المناطق التالية؟
المشكلة أن إسرائيل تبدو أقل استعجالًا من لبنان. فهي تستفيد من الوقت لتحسين موقعها الميداني، بينما يحتاج لبنان إلى نتائج سريعة لأن استمرار النزوح والدمار وتعليق إعادة الإعمار يضاعف الكلفة السياسية والاجتماعية.
ومن هنا يصبح عامل الوقت نفسه جزءًا من ميزان القوة. فكل شهر يمرّ من دون اتفاق يسمح لإسرائيل بتكريس وقائع إضافية، فيما تضطر الدولة اللبنانية إلى إدارة صمود السكان وتأمين الخدمات وإعادة الناس إلى قرى لا تزال عرضة للقصف.
وبين تحرّك عون دوليًا، وتمسّك بري بالمظلّة الأممية، وتصعيد "حزب الله" ضد المسار التفاوضي، تتبلور ثلاث مقاربات مختلفة للخطر نفسه. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في البيانات، بل في ما إذا كانت هذه المقاربات قادرة على إنتاج حدّ أدنى من التفاهم قبل أن تفرض إسرائيل الإيقاع وحدها.
فالمرحلة المقبلة لا تختصرها مفاوضات تقنية حول منطقة هنا أو لجنة تحقق هناك. ما يجري هو صراع على شكل الجنوب بعد "اليونيفيل"، وعلى حدود الدور الإسرائيلي فيه، وعلى موقع الجيش اللبناني، وفي خلفية كل ذلك على موقع سلاح "حزب الله" في المعادلة الجديدة.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط عمّا إذا كانت الحرب ستعود، بل عمّا إذا كان لبنان قادرًا على بناء صيغة تمنع إسرائيل من اختيار توقيتها وشكلها وحدها.




