رفعت واشنطن مستوى الضغط المباشر على حزب الله، مع إعلان وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شبكة من عشرة أفراد متهمة بنقل مئات ملايين الدولارات إلى الحزب عبر لبنان وتركيا والإمارات وإيران، بالتزامن مع إعادة ربطه، ضمن تصنيفات مكافحة الإرهاب، بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، في خطوة قالت الإدارة الأميركية إنها تهدف إلى تثبيت عمل الحزب تحت توجيه طهران ولمصلحتها.
ويتزامن هذا التصعيد الأميركي مع تصعيد ميداني إسرائيلي متسارع في الجنوب، من التوغل في الأطراف الغربية لميس الجبل واستقدام شاحنات محمّلة بالمتفجرات قبل دويّ انفجار ضخم في المنطقة، إلى تحرك الآليات بين الطيبة والقنطرة والقصف على طلوسة وبرعشيت، وصولاً إلى إلقاء مسيّرة مواد متفجرة على مرتفعات علي الطاهر.
وفي ظل هذا التزامن بين الضغط المالي والسياسي الأميركي والتصعيد العسكري الإسرائيلي، لم تعد عودة الحرب إلى لبنان احتمالاً بعيداً، ولا سيما مع قطع واشنطن مسار المفاوضات مع إيران وتشديد الحصار الاقتصادي عليها، في توقيت يزداد حساسية مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول المقبل.
ولا تقتصر مؤشّرات التصعيد على الميدان. فالمسار التفاوضي اللبناني، الإسرائيلي لا يزال عالقًا من دون موعد نهائي للجولة الثامنة، فيما لم يُحسم حتى الآن شكل آلية التحقّق من المناطق التجريبية ولا حدود صلاحياتها، وسط استمرار النقاش حول العلاقة بين أي لجنة دولية محتملة ودور الجيش اللبناني على الأرض.
المفاوضات معلّقة والمنطقة الثانية مؤجّلة
في هذا السياق، يواصل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، بحث حدود عمل لجنة التحقّق التي قد تُكلّف متابعة تنفيذ الترتيبات في المناطق التجريبية، وتحديد مهامها وصلاحياتها، بما لا يتعارض مع وجود الجيش اللبناني ودوره وصلاحياته.
ويُفترض أن يعود كليرفيلد إلى لبنان بعدما يكون قد استكمل مشاوراته مع إسرائيل والدول المعنية حول الصيغة النهائية للآلية، قبل الانتقال إلى البحث في انسحاب إسرائيلي من منطقة تجريبية ثانية، وهو خيار لا يزال مستبعدًا في ظلّ المناخ التصعيدي الراهن.
وفي المقابل، توحي التطوّرات الميدانية بأن إسرائيل تواصل رفع مستوى الضغط العسكري، فيما تتزايد المؤشّرات إلى احتمال توسيع عملياتها في منطقة علي الطاهر قبل الدخول في الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي.
برّي يستنجد بترامب
وفي موازاة التعثّر التفاوضي، برز موقف لافت لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي ربط الانتشار الكامل والفوري للجيش اللبناني جنوب الليطاني بانسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية.
وقال بري، خلال استقباله وفدًا من "مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان" برئاسة السفير إدوارد غبريال، إن "الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة، والرئيس دونالد ترامب هو الوحيد الذي باستطاعته إلزام إسرائيل بإنهاء حربها ووقف إطلاق النار والانسحاب إلى الحدود الدولية في الجنوب".
وأضاف: "حينها أضمن انتشارًا فوريًا للجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني، وأن يكون الجيش اللبناني هو القوة الوحيدة الحافظة للأمن، والذي وحده يملك السلاح في تلك المنطقة"، مشدّدًا على حقّ الأهالي في العودة إلى قراهم وإعادة إعمارها.
وفي موقف يحمل رسالة سياسية تتجاوز الشقّ الميداني، شدّد بري على أن "ما يتعرّض له الجنوب لا يُحتمل"، معتبرًا أن حجم التدمير والاعتداءات على المدنيين والبنى والتراث تجاوز حدودًا خطرة، في انتهاك للقوانين والمواثيق الدولية والإنسانية.
من جهته، قال غبريال بعد اللقاء إن الوفد لمس اهتمامًا كبيرًا لدى بري بإنجاح تجربة المناطق التجريبية، مضيفًا أن الرئيس الأميركي يعمل على دفع إسرائيل نحو وقف "الموت والدمار".
وأشار إلى أن واشنطن ستواصل الضغط في هذا الاتجاه، معتبرًا أن إسرائيل، إذا كانت تريد السلام، لا يمكنها أن تواصل العمل بالمنطق العسكري نفسه.
سلام: تثبيت الناس في القرى الحدودية
وسط هذا المشهد، برز تحرّك رسمي باتجاه تثبيت صمود السكان في البلدات الحدودية. فقد استقبل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام رئيس بلدية رميش حنا العميل ورئيس بلدية دبل عقل نداف، حيث جرى عرض أوضاع الأهالي في القرى والبلدات الجنوبية الحدودية والاحتياجات الأساسية التي تتيح لهم الاستمرار في أرضهم.
وعرض رئيسا البلديتين أبرز التحدّيات التي تواجه السكان، وفي مقدّمها ضمان استدامة شريان التواصل مع الداخل اللبناني، وتأمين مادة المازوت، واستمرار عمل المدارس والخدمات الأساسية، ودعم البلديات، إضافة إلى متابعة دفعات وزارة الشؤون الاجتماعية.
وأكد سلام أن دعم صمود أهالي القرى الحدودية "أولوية وطنية"، مشدّدًا على ضرورة تأمين شريان تواصل دائم وآمن معها وتوفير مقوّمات الحياة الأساسية، ومؤكدًا أن الدولة اللبنانية ستبقى حاضرة إلى جانب أهلها.
باريس تعود من بوابة الجيش
وفي موازاة الحراك الأميركي، عادت فرنسا إلى الواجهة من بوابة دعم الجيش اللبناني، إذ تستعد لاستضافة اجتماع تحضيري في 17 أيلول المقبل، تمهيدًا لمؤتمر دعم المؤسسة العسكرية.
وكان الاجتماع نفسه مقرّرًا في الخامس من آذار، قبل أن يؤجّل على وقع اندلاع الحرب في المنطقة وتجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان.
وأعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس جوزاف عون تسلّم من القائم بالأعمال الفرنسي في لبنان، برونو دا سيلفا، رسالة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تضمّنت دعوة إلى المشاركة في الاجتماع التحضيري، بمشاركة وفود عسكرية وخبراء من دول عدّة.
علي الطاهر تحت الغارات
ميدانيًا، استمر الجنوب ساحة لقصف إسرائيلي كثيف، فيما شنّ الطيران الحربي سلسلة غارات بصواريخ ارتجاجية على مرتفع علي الطاهر ومحيط الدبشة، عند الأطراف الشمالية للنبطية الفوقا، ودوحة كفررمان، بالتزامن مع قصف مدفعي طال المنطقة.
وفي قضاء مرجعيون، استهدف القصف المدفعي الإسرائيلي بلدة حولا، فيما نفّذت القوات الإسرائيلية تفجيرًا في بلدة المنصوري، كما شهدت بلدة الخيام تفجيرًا إسرائيليًا كبيرًا.
وفي منطقة صور، تعرّض وادي السلوقي والحجير وأودية قبريخا وتولين لقصف مدفعي عنيف، فيما نُفّذت تفجيرات في بلدتي مجدل زون والمنصوري بالتزامن مع استهدافهما بالقذائف المدفعية.
ومع اتساع رقعة القصف وتعثّر الانتقال إلى منطقة تجريبية ثانية، يبدو أن المسارين العسكري والتفاوضي يتحرّكان في اتجاهين متعاكسين، فيما يبقى الجنوب عالقًا بين محاولة تثبيت ترتيبات ميدانية جديدة واحتمال انزلاقها مجددًا إلى مواجهة أوسع.




