ليس عفواً... بل اعتراف متأخر بجريمة طبقة سياسية

رأيأنطوان ع. نصراللهالخميس 2026/08/20
roumieh1.jpg
الدولة اللبنانية عذبت مواطنيها بالإهمال، ثم قررت، مضطرة، أن تخفف قليلاً من وطأة جريمتها(غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

واخيرا أقرّ المجلس النيابي اللبناني في جلسته الأخيرة قانون العفو العام، ليعيد فتح واحد من أكثر الملفات إيلاماً في حياة اللبنانيين: ملف رجال ونساء قضوا سنوات، أحياناً أكثر من عقد، خلف قضبان لم تُحاكمهم بعد. لكن قبل أن نُصفّق للرحمة التشريعية المزعومة، لا بدّ من طرح سؤال لا يريد كثيرون طرحه: هل جاء هذا القانون إنصافاً لضحايا منظومة قضائية منهارة، أم كان تسوية سياسية أخرى، صيغت بعناية لتُبقي على النفوذ وتتخلّص من العبء، دون أن تمسّ جوهر الخلل؟

 

قبل الدخول في التفاصيل القانونية، يجب أن نتذكر من نتحدث عنه. لسنا نتحدث عن "ملفات" و"مواد قانونية" مجردة، بل عن آلاف الموقوفين الذين قضوا سنوات في سجون مكتظة، بلا حكم بالإدانة يصدر نتيجة محاكمة عادلة. نتحدث عن أمهات ينتظرن أبناءهن أمام أبواب سجون لا تتسع لمن فيها. نتحدث عن رجال دخلوا شباناً وخرجوا، إن خرجوا، وقد إبيضّ شعرهم.

هذه الأزمة الإنسانية هي التي كان يجب أن تكون محور أي نقاش حول العفو. لكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن الطبقة السياسية نفسها التي تركت هؤلاء الناس يتعفنون في السجون لسنوات، بسبب إهمالها المتراكم لتعيين القضاة وتسريع المحاكمات وبناء بنية تحتية قضائية لائقة، عادت اليوم لتقدّم نفسها كمنقذ، عبر قانون كتبته بيدها، ووفقاً لمصالحها.

العفو العام، بحسب المادة 150 من قانون العقوبات اللبناني، مؤسسة قانونية تصدر عن السلطة التشريعية وتُسقط العقوبات الأصلية أو الفرعية أو الإضافية عن جرائم محددة. بعبارة أبسط: العفو العام هو أن تتنازل الدولة عن حقها في الملاحقة أو التنفيذ.

والأخطر من ذلك أن العفو العام، في جوهره، يفترض أن الدولة تعترف باستثنائية الظرف لتبرر صدوره. لكن حين يتكرر هذا الأمر في لبنان مرة بعد مرة، فإن "الاستثناء" يتحول إلى اعتراف صريح بأن المنظومة الحاكمة عاجزة بنيوياً، وأن الحل الوحيد الذي تجيده السلطة هو التستّر على فشلها بتشريع فضفاض.

بحسب الصيغة المُقرّة، يشمل العفو الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، مع استثناء مجموعة من الجرائم، ويرتب سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات والآثار التي حددها القانون. لكنَّ المجلس النيابي لم يكتفِ بذلك، بل حشر في النص الواحد أحكاماً إضافية تتعلق بأشخاص وجرائم لم يشملها العفو أصلاً، فيما يشبه فوضى تشريعية أكثر منه تشريعاً مدروساً.

المادة الثالثة من القانون الصادر تنص على استبدال بعض العقوبات: الإعدام يصبح 28 سنة، الأشغال الشاقة المؤبدة تصبح 17 سنة، وسائر العقوبات تُخفَّض بنسبة الثلث. هنا يجب أن نكون واضحين تماماً: هذا ليس عفواً بأي معنى تقني للكلمة. هذا تعديل تشريعي مقنّع، أُدرج داخل قانون العفو ليمرّ من دون النقاش الجدي الذي يستحقه.

لماذا لم يُطرح تخفيض العقوبات في نص مستقل، يُناقش علناً، وتُدرس آثاره على العدالة والردع؟ الجواب، على الأرجح، هو أن تمرير مثل هذا التعديل ضمن "قانون عفو" يمنحه غطاء أخلاقياً وإنسانياً لا يستحقه بالضرورة، ويجنّب المشرّعين مساءلة مباشرة عن قرار يمسّ بصورة مباشرة موازين العدالة الجنائية في البلاد. هذا التمويه التشريعي ليس تفصيلاً ثانويا، بل هو صورة مصغّرة عن طريقة عمل الطبقة السياسية اللبنانية: تغليف القرارات الحساسة بعناوين إنسانية برّاقة، لتمرير ما لا يمكن تمريره تحت الضوء.

من أكثر مواد القانون دلالة على التخبط التشريعي، المادة الخامسة التي تنص على أنه إذا تجاوزت مدة التوقيف الاحتياطي 14 سنة، دون صدور حكم، يُخلى سبيل الموقوف حكماً مع استمرار محاكمته. لنتوقف أمام هذه المادة للحظة. إنسان يُترك في زنزانة أربعة عشر عاماً، دون أن تكتمل محاكمته، دون أن يُدان أو يُبرَّأ، فقط لأن القضاء اللبناني عاجز عن أداء وظيفته الأساسية. وحين يقرر المشرّع أخيراً معالجة هذا العار، لا يفعل ذلك عبر إصلاح جذري لأسباب التأخير، بل عبر مادة يتيمة تُخلي سبيل الضحية شكلياً بعد أن تكون قد سُرقت منه سنوات عمره .

هذه ليست عدالة. هذا اعتراف مكتوب، بأن الدولة اللبنانية عذّبت مواطنيها بالإهمال، ثم قررت، مضطرة، أن تخفف قليلاً من وطأة جريمتها هي، لا جريمتهم.

القانون عُدّل أيضاً، بصورة استثنائية، قاعدة اجتماع الجرائم والعقوبات، بحيث تُنفَّذ العقوبة الأشد فقط عند تعدد الجرائم. هذا تدخل تقني بحت في بنية النظام الجزائي، لا علاقة له بالعفو، وقد أُقحم في النص لأسباب عملية تخص من صاغوا القانون أكثر مما تخص انسجام التشريع أو وضوحه. النتيجة هي نص هجين، غامض، لا يمّت إلى فلسفة قوانين العفو بصلة.

استثنى القانون جرائم القتل العمد، والإرهاب، والجرائم العسكرية، والخيانة، والفساد، والإثراء غير المشروع، وتبييض الأموال، والاغتصاب، والاتجار بالبشر، والعنف الأسري. من الناحية المبدئية، هذا منطقي: لا يجوز مساواة جريمة بسيطة بجريمة تهدد حياة إنسان أو أمن مجتمع بأكمله.

لكنّ السؤال الذي يتهرّب منه كل من دافع عن هذا القانون هو: من الذي وضع خط الاستثناء، وبأي معيار؟ في بلد تتحكم فيه المحاصصة السياسية بكل تفصيل تقريباً، من الساذج أن نصدّق أن معايير الاستثناء وُضعت بمعزل تام عن اعتبارات النفوذ والمصالح. حين يكون معيار من يُعفى ومن يبقى خلف القضبان نتاج مفاوضات سياسية مغلقة، فإن العفو يفقد أهم ما يفترض أن يمنحه: العدالة والمساواة أمام القانون.

والأخطر: كثير من هؤلاء الذين صاغوا هذا القانون هم أنفسهم من ساهموا، عبر عقود من سوء الإدارة والفساد وتسيس القضاء، في خلق أزمة الاكتظاظ التي يقولون اليوم إنهم يعالجونها. إنهم يمنحون أنفسهم صك براءة أخلاقي عبر قانون يُقدَّم على أنه رحمة، بينما هو في جوهره تنظيف لفوضى صنعوها بأيديهم.

وفي خضم النقاش حول من سيخرج من السجن، غاب صوت فئة أساسية بالكامل تقريباً: الضحايا وعائلاتهم. صحيح أن القانون أبقى نظرياً على إمكانية متابعة الحقوق الشخصية أمام القضاء، لكن أي شخص عايش أو تابع الواقع اللبناني يعرف أن "الإمكانية النظرية" شيء، والإنصاف الفعلي شيء آخر تماماً.

حين تسقط الدعوى العامة عن جريمة أضرّت بإنسان، فإن رسالة الدولة الضمنية هي أن حق المجتمع في المحاسبة أهم أحياناً من حق الفرد المتضرر في الإنصاف. قد يكون هذا مبرَّراً في ظروف استثنائية حقاً، لكن حين يتكرر الأمر، ويصبح نمطاً متكرراً كل بضع سنوات، فإن الرسالة التي تصل إلى الضحايا هي: "اصبروا، فالدولة ستتنازل عن حقكم في العدالة كلما احتاجت إلى تنظيف سجونها."

 

هذا ليس عدلاً انتقالياً، بل تخلٍّ متكرر عن الضحايا باسم إدارة أزمة صنعتها السلطة نفسها. لبنان جرّب هذا الطريق من قبل، مع قانون العفو العام رقم 84/91 الذي جاء بُعيد الحرب الأهلية. حينها، قيل إن العفو ضرورة لطيّ صفحة الحرب وبناء السلم الأهلي. اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود لبنان إلى الأداة نفسها، لكن هذه المرة ليس لإغلاق حرب، بل لتغطية فشل مؤسساتي مزمن في القضاء والسجون. والمفارقة المؤلمة أن الدرس الأهم من تجربة 1991 لم يُستوعب: العفو لا يصنع مصالحة حقيقية، ولا يعالج جذور الأزمة، بل يؤجلها فقط. ومع ذلك، ها هي الطبقة السياسية نفسها، التي لم تُصلح القضاء ولم تبنِ سجوناً لائقة ولم تُسرّع المحاكمات طوال هذه العقود، تعود لتستخدم الأداة ذاتها، وكأن شيئاً لم يتغيّر.

ما يجب أن يُقال صراحة أن قانون العفو لن يجعل القضاء أسرع، ولن يضع حداً للتوقيف الاحتياطي التعسفي، ولن يبني سجناً واحداً جديداً، ولن يُحسّن ظروف الاحتجاز اللاإنسانية القائمة. كل ما يفعله هو تفريغ جزئي ومؤقت لأزمة ستعود، لأن أسبابها الحقيقية، نقص القضاة، غياب الإرادة السياسية لإصلاح وزارة العدل، والفساد المستشري في إدارة الملفات، لم تُلامَس بحرف واحد في هذا القانون.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحول العفو العام إلى دورة متكررة كل عقد أو عقدين، اكتظاظ، عفو، انفراج مؤقت، تراكم جديد، عفو جديد، بينما تبقى السلطة السياسية نفسها، بلا محاسبة، وبلا أي التزام حقيقي بإصلاح ما دمّرته بيديها.

من يصفّق لهذا القانون بوصفه "إنجازاً إنسانياً" يتناسى أن أصل المأساة هو أن هذا الإنجاز كان يجب ألا يكون ضرورياً أصلاً، لو أن من يحكمون هذا البلد أدّوا واجبهم الأساسي: قضاء عادل وسريع، وسجون تُحترم فيها كرامة الإنسان.

بالمحصلة فان قانون 2026 مزيج مربك بين عفو حقيقي، وتخفيض عقوبات مقنّع، ومعالجة جزئية لأزمة التوقيف، وتعديلات تقنية أُقحمت من دون شفافية كافية. هو، في أفضل توصيف له، اعتراف متأخر بفشل الدولة اللبنانية في أبسط واجباتها تجاه مواطنيها: محاكمة عادلة وسريعة، وسجن يحفظ كرامة الإنسان بدل أن يسحقها.لكن الاعتراف بالفشل لا يكفي إن لم يُرافقه التزام حقيقي بالإصلاح، ومحاسبة لمن تسبّبوا بهذه الأزمة على مدى عقود. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى هذا القانون، مهما بدا إنسانياً بالظاهر، مجرد ضمادة موقتة على جرح لم ولن يلتئم، وضعتها اليد ذاتها التي تسببت بالجرح أصلاً.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث