لبنان من الوصاية إلى الوساطة: هل تغيّر مفهوم النفوذ الخارجي؟

رأيفراس العريضيالخميس 2026/08/20
مفاوضات (غيتي)
السيادة لا تُقاس فقط بغياب الجندي الأجنبي عن الأرض(غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يعد السؤال اليوم: من يحكم لبنان؟ بالمعنى الذي كان سائداً في زمن الوصاية المباشرة. بل بات أكثر تعقيداً: من يضع القواعد؟ ومن يحدد هامش الحركة؟ ومن يرسم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حدود الممكن والممنوع؟

بين لبنان الذي عاش سنوات تحت نفوذ سوري مباشر، ولبنان الذي دخل بعد عام 2005 في مرحلة تنافس بين قوى أميركية وفرنسية وعربية وإقليمية على ساحته، وصولاً إلى مسارات التفاوض في "روما"، تبدّل شكل النفوذ الخارجي. لم يعد الأمر يحتاج إلى جيش أجنبي على الأرض أو جهاز أمني يدير تفاصيل الحياة السياسية، بل بات يُمارس عبر شروط الدعم المالي، والضغوط السياسية، وطاولات التفاوض التي ترسم حدود الممكن والممنوع.

لكن هل يعني ذلك أن الوصاية انتهت فعلاً؟ أم أنها غيّرت أدواتها فقط؟

 

من الوصاية إلى النفوذ المتعدد

بعد الانسحاب السوري عام 2005 لم يظهر وصي جديد. بل الذي ظهر كان عبارة عن شبكة من القوى والعواصم، لكل منها أدواتها وحلفاؤها وملفاتها.

لم يعد الخارج يحكم لبنان بالمباشر، لكنه أصبح قادراً على التأثير في البيئة التي يتحرك داخلها الحكم اللبناني.

وهنا تكتسب مفاوضات روما أهميتها. فالمشهد الحالي يختلف في شكله عن مرحلة الوصاية السابقة، لكنه لا يخرج بالضرورة من منطق النفوذ الخارجي. ملفات شديدة الحساسية، من وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي إلى انتشار الجيش اللبناني ومستقبل السلاح، باتت تُبحث ضمن مسارات تفاوضية تشارك فيها قوى خارجية فاعلة.

ظاهرياً، يبدو الأمر أكثر احتراماً للسيادة اللبنانية، فلا جيش أجنبي يدير الدولة. لكن السيادة لا تُقاس فقط بغياب الجندي الأجنبي عن الأرض.

من يحدد جدول الأعمال، ومن يربط القرار السياسي بالضمانات والتمويل، ومن يقرر أي خيار يبقى مطروحاً وأيها يخرج من النقاش؟ عند هذه النقطة لا تعود الوساطة مجرد أداة لتسهيل التفاهم، بل تصبح إحدى أدوات ممارسة النفوذ.

 

من الوصي الواحد إلى النفوذ الشبكي

الملف اللبناني اليوم مشتت بين عواصم عدة، تتقاطع مصالحها أحياناً وتتناقض أحياناً أخرى. فمن حيث الشكل يبدو لبنان أكثر استقلالاً، لكنه من حيث الوظيفة بات أكثر اعتماداً على الخارج.

الدولة بطبيعتها تحتاج إلى علاقات ومساندة خارجية، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح قدرة بيروت على إنتاج قرارها مرتهنة لمدى قدرة الخارج على تمويله أو حمايته. هنا تتسع الفجوة بين سيادتنا على الورق وممارستنا الفعلية على الأرض؛ فلبنان دولة كاملة السيادة قانوناً، لكنه عاجز عنها فعلياً بفعل موازين قوى داخلية أدمنت الاستقواء بالخارج.

 

روما: نموذج جديد أم إعادة صياغة للنفوذ؟

قد تكون مفاوضات روما مؤشراً إلى طريقة مختلفة في إدارة العلاقة بين لبنان والقوى الخارجية.

الحلول لا تأتي هذه المرة بالضرورة من عاصمة واحدة، ولا تُفرض بصيغة أمر مباشر. هناك تفاوض، وخرائط، ومراحل تنفيذ، وضمانات، وآليات تحقق، وتفاهمات بين أكثر من طرف.

هذا بالتأكيد أكثر تطوراً من نموذج الوصاية التقليدي، لكنه لا يعني تلقائياً تعزيز السيادة.

فالمعيار الحقيقي هو موقع الدولة اللبنانية داخل هذا المسار.

هل تدخل بيروت إلى هذه الطاولات بأجندة وطنية واضحة وخطوط حمراء، أم تصل وفي حقيبتها "أوراق سبق إعدادها في عواصم القرار"، ثم يقتصر دورها على التنفيذ؟

لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية والطائفية وارتباطه بالأزمات الإقليمية، لن يستطيع أن يعزل نفسه عن الخارج. ولا يبدو ذلك واقعياً أصلاً.

السؤال ليس كيف نمنع الخارج من التدخل في لبنان.

بل: كيف نمنع لبنان من أن يصبح تابعاً للخارج؟

هذا يتحقق عندما تتعامل السلطات اللبنانية مع الوساطات الخارجية بمنطق الدولة التي تعرف ماذا تريد، وما الذي تستطيع التنازل عنه، وما يجب ان تتمسك به.

عندها فقط يصبح تعدد اللاعبين الخارجيين فرصة للمناورة، لا سبباً إضافياً للتبعية.

 

السيادة في زمن الوساطات

في زمن المتغيرات المتسارعة في المنطقة، أصبح النفوذ الخارجي أكثر توزيعاً، والوساطات أكثر حضوراً، والتسويات أكثر تداخلا. ولم تعد العلاقة بين الداخل والخارج تقوم بالضرورة على من يعطي الأوامر ومن ينفذها، بل على شبكة من المصالح والضمانات والضغوط والتفاهمات.

وهذا التحول قد يفتح أمام لبنان هامشاً لم يكن متاحاً سابقا. ليس لأن الخارج فقد قدرته على التأثير، بل لأن تداخل المصالح الدولية يمنح الدولة اللبنانية مساحة أكبر للمناورة واستخدام التناقضات الخارجية لمصلحتها.

لكن الفرصة لا تتحول إلى مكسب تلقائياً. فإذا بقي الداخل منقسماً، وظلت الدولة عاجزة عن إنتاج قرارها، فإن تعدد القوى الخارجية لن يعني تعدد الخيارات اللبنانية، بل يتحول إلى تعدد في مصادر الضغط، وزيادة الانقسام الداخلي.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي ليس في عدد العواصم المحيطة بالطاولة، بل في قدرة لبنان على الجلوس إليها كطرف يفاوض ليحمي مصالحه، لا كساحة يتفاوض فيها الآخرون على أشلائه

إذا نجح في ذلك، تكون الوساطة خطوة في اتجاه السيادة.

أما إذا بقي القرار اللبناني بحاجة دائماً إلى الخارج كي يُنتج أو يُحمى أو يُنفذ، فسيكون فقط قد انتقل من وصاية معلنة إلى نفوذ أكثر أناقة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث