إلغاء عقوبة الإعدام: حين تتخلى العدالة عن منطق المشنقة

مصطفى علّوشالخميس 2026/08/20
مشنقة (Getty)
لبنان أول دولة في الشرق الأوسط تلغي الإعدام لجميع الجرائم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"لا تُطفئوا دمَ مقتولٍ بمقتلةٍ    فالعدلُ يُصلحُ، لا يَشفي به الثأرُ"

 

- فيكتور هيغو أمام الجمعية التأسيسية الفرنسية، 15 أيلول 1848: "هناك ثلاثة أشياء تخصّ الله ولا يملكها الإنسان: ما لا رجعة فيه، وما لا يمكن إصلاحه، وما لا يمكن حلّه. الويل للإنسان إذا أدخلها في قوانينه، فعندئذ يصبح القانون مصدر رعبٍ للضمير" 

- روبير بادنتير أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، 17 أيلول 1981: "لأن لا إنسان مسؤول مسؤولية مطلقة، ولأن لا عدالة يمكن أن تكون معصومة تمامًا من الخطأ، فإن عقوبة الإعدام غير مقبولة أخلاقيًا" 

 

في الحادي عشر من آب 2026، اتخذ مجلس النواب اللبناني قرارًا تاريخيًا بإلغاء عقوبة الإعدام من التشريعات اللبنانية واستبدالها بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة. وبذلك انتقل لبنان من وقفٍ فعلي لتنفيذ الأحكام بالإعدام دام اثنتين وعشرين سنة، منذ آخر إعدام نُفّذ عام 2004، إلى الإلغاء القانوني الصريح. ولم يكن الانتقال شكليًا، فقد بقي القضاء، طوال سنوات وقف التنفيذ، يصدر أحكامًا بالإعدام، وكان عشرات المحكومين يعيشون في انتظار عقوبة لا تُنفّذ ولا تُلغى. أما القانون الجديد فقد أنهى هذه الازدواجية، محولًا تعليق التنفيذ بفعل الامتناع السياسي إلى حماية قانونية للحق في الحياة. وقد جعل هذا القرار لبنان أول دولة في الشرق الأوسط تلغي العقوبة لجميع الجرائم، وفق ما أعلنته الجهات الحقوقية المتابعة للملف.

 

لكن قيمة هذا القانون لا تقتصر على إنقاذ أشخاص من حبل المشنقة. إنه يفتح سؤالًا أعمق عن معنى العدالة نفسها: هل تكون العدالة أكثر عدلًا كلما اقتربت عقوبتها من الألم الذي سبّبته الجريمة؟ وهل القتل الذي ترتكبه الدولة باسم القانون يختلف أخلاقيًا عن القتل الذي تعاقب عليه؟ ثم هل وظيفة العقوبة أن تنتقم من المجرم، أم أن تحمي المجتمع وتصلح ما يمكن إصلاحه من الإنسان والعلاقة الاجتماعية؟

قبل ما يقارب القرنين، وقف فيكتور هيغو أمام الجمعية الوطنية الفرنسية ليطرح الأسئلة نفسها. كان ذلك في الخامس عشر من أيلول 1848، عندما ناقشت الجمعية إلغاء عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية. لم يكتفِ هيغو بالإلغاء الجزئي، بل طالب بأن يشمل الإلغاء الجرائم العادية أيضًا. وانطلق من سؤالين ما زالا يحكمان النقاش: هل الإعدام مشروع؟ وهل هو مفيد؟

كان جواب هيغو عن السؤال الأول أخلاقيًا وحضاريًا. فقد رأى في الإعدام "العلامة الخاصة والدائمة للبربرية"، معتبرًا أن انتشار العقوبة دليل على سيادة التوحش، بينما يعكس انحسارها تقدم الحضارة. ولم يكن يقصد أن المجرم بريء أو أن المجتمع عاجز عن الدفاع عن نفسه، بل ميّز بين حق المجتمع في الحماية وادعائه امتلاك حق قتل من أصبح تحت سلطته. فإذا قبضت الدولة على الجاني وعزلته ومنعته من تكرار الجريمة، تكون قد حققت غرض الدفاع الاجتماعي. وما يزيد على ذلك يتحول من حماية إلى انتقام. وقد تنبأ هيغو بأن القرن التاسع عشر سيلغي الإعدام كما ألغى القرن الثامن عشر التعذيب؛ أخطأ في الموعد، لكنه أصاب في اتجاه التاريخ.

 

مر أكثر من قرن قبل أن يقف وزير العدل الفرنسي روبير بادنتير، في السابع عشر من أيلول 1981، على المنبر نفسه حاملًا مشروع الإلغاء. لم يتحدث بادنتير بوصفه فيلسوفًا مجردًا، بل بوصفه محاميًا شاهد المحكومين في الساعات السابقة لإعدامهم، وعرف كيف تتحول العدالة، عند باب المقصلة، إلى عملية قتل منظمة تتولاها الدولة. واجه بادنتير حجة الرأي العام مباشرة. كانت غالبية الفرنسيين آنذاك تميل إلى إبقاء العقوبة، وكان من السهل على البرلمان أن يختبئ خلف انفعالات الناس، ولا سيما بعد تعداد الجرائم المروعة. لكنه أصر على أن مسؤولية المشرّع ليست استنساخ الغضب الشعبي، بل حماية المبادئ عندما يكون الغضب في ذروته. فالقوانين العظيمة لا تُسنّ دائمًا لأنها تحظى منذ البداية بشعبية واسعة، وإنما لأنها تنقل المجتمع من رد الفعل الآني إلى معيار أخلاقي أرفع.

ورفض بادنتير خصوصًا الادعاء بأن الإعدام يضمن حماية أكبر. فالمجرم لا يرتكب جريمته بعد حساب عقلاني يقارن فيه بين المؤبد والإعدام. كثير من جرائم القتل يقع تحت تأثير الغضب أو الخوف أو المخدرات أو الاضطراب النفسي، وبعضها يرتكبه من يظن أنه لن يُكتشف، فيما يسعى بعض مرتكبي الجرائم الإرهابية أصلًا إلى الموت وتحويل أنفسهم إلى شهداء في نظر أنصارهم. عند هذه النقطة تفقد المشنقة قدرتها المفترضة على التخويف، وقد تتحول إلى جزء من المسرح الذي يريده المجرم.

أنهى البرلمان الفرنسي ذلك النقاش بإقرار الإلغاء، وصدر القانون في التاسع من تشرين الأول 1981. واليوم، يدخل لبنان المسار نفسه بعد خمسة وأربعين عامًا، لكن تحت ضغط الاعتراض ذاته: ماذا عن الجرائم البشعة؟ وماذا نقول لأهالي الضحايا؟

 

يستحق أهل الضحايا جوابًا جديًا لا موعظة أخلاقية باردة. فالدعوة إلى الإلغاء لا تعني إنكار فظاعة الجريمة، ولا مساواة القاتل بضحيته، ولا مطالبة الأسرة المكلومة بأن تغفر. ثمة جرائم تهدم حياة عائلات كاملة، ولا يستطيع أي حكم إعادة المقتول أو ترميم العالم الذي انهار بغيابه. لكن هذه الحقيقة نفسها تكشف حدود الإعدام: فهو لا يعيد الضحية، ولا يعالج الصدمة، ولا يعوض الأسرة، ولا يصلح الخلل الذي أتاح وقوع الجريمة. إنه يضيف موتًا إلى موت، ثم يعلن أن التوازن قد استُعيد.

أما حجة الردع، وهي الحجة العملية الأقوى، فلا تجد سندًا حاسمًا في الأدلة. فقد خلص المجلس القومي للبحوث في الولايات المتحدة، بعد مراجعة الدراسات المتعلقة بعقوبة الإعدام وجرائم القتل، إلى أن الأبحاث المتاحة لا تصلح لتحديد ما إذا كانت العقوبة تخفض معدلات القتل أو ترفعها أو لا تؤثر فيها. وهذا لا يبرهن رياضيًا على انعدام أي أثر ممكن، لكنه يسقط الادعاء بأن جدواها الردعية حقيقة علمية ثابتة يمكن على أساسها إزهاق حياة لا يمكن استعادتها.

 

إن ما يردع الجريمة غالبًا ليس فظاعة العقوبة القصوى، بل احتمال اكتشاف الجاني وسرعة التحقيق وعدالة المحاكمة وحتمية تطبيق عقوبة متناسبة. ففي دولة يعجز فيها القضاء عن البت السريع في الملفات، وتُترك الجرائم أحيانًا بلا تحقيق جدي، لن تعالج المشنقة ضعف المؤسسات. تشديد عقوبة نادرة التطبيق لا يعوض غياب الشرطة العلمية، واستقلال القضاء، وحماية الشهود، والوقاية الاجتماعية، ومعالجة الإدمان والاضطرابات النفسية، وضبط انتشار السلاح.

ويزداد الاعتراض قوة بسبب استحالة التراجع عن الإعدام. يستطيع القضاء إعادة محاكمة سجين ظهرت براءته بعد عشرين سنة، وتعويضه جزئيًا، وإطلاق سراحه، لكنه لا يستطيع إحياء من أعدمه ظلمًا. ولا يوجد نظام قضائي معصوم من الخطأ، وخصوصًا نظامًا يعاني التدخل السياسي والتفاوت في القدرة على توكيل المحامين وانتزاع الاعترافات وإطالة التوقيف. لذلك لا يكون السؤال: هل نثق بالقضاة؟ بل: هل يجوز أن نمنح مؤسسة بشرية قابلة للخطأ سلطة إصدار قرار يستحيل تصحيحه؟

 

ومع ذلك، ينبغي ألا يتحول إلغاء الإعدام إلى استبداله بعقوبة انتقامية بطيئة. فالسجن المؤبد المشدد، إذا كان يعني دفن الإنسان حيًا بلا أفق للمراجعة أو التأهيل، يبقي منطق الإعدام قائمًا في صورة أخرى. يصبح الفارق أن الدولة لا تقتل المحكوم دفعة واحدة، بل تجرده تدريجيًا من الزمن والأمل والقدرة على العودة. هنا، يجب تصويب فلسفة العدالة من منطق الثأر إلى منطق المسؤولية والإصلاح. العدالة الإصلاحية لا تعني التساهل، بل تحمل الجاني مسؤولية فعلته، وتحمي المجتمع منه عندما يكون خطرًا، وتلزمه بمواجهة الضرر الذي أحدثه. وهي تميز بين العقوبة الضرورية للإدانة والحماية وبين إنتاج الألم لمجرد معادلة الألم.

تتطلب العدالة الإصلاحية سجونًا تعالج الإدمان والاضطراب النفسي، وتوفر التعليم والتدريب والعمل، وتسمح بالمراجعة القضائية الدورية المبنية على تقييم حقيقي للخطورة. كما تتطلب وضع الضحية في مركز النظام عبر التعويض، والدعم النفسي والاجتماعي، والحق في المعرفة والمشاركة، بدل استدعائها فقط لتبرير عقوبة قاسية ثم تركها وحيدة بعد صدور الحكم. ولا يمكن اختزال أسباب الجريمة في شر فردي معزول. الاعتراف بالمسؤولية الشخصية لا يمنعنا من رؤية الفقر والتهميش والعنف الأسري وانتشار السلاح والإدمان وفشل التعليم بوصفها شروطًا تزيد احتمال العنف. الدولة التي تنتظر وقوع الجريمة ثم تستعرض قوتها فوق منصة الإعدام تهرب من مسؤوليتها عن الوقاية. أما الدولة الجدية فتتدخل قبل أن يتكوّن المجرم، وتحمي من قد يصبح ضحية، وتبني مؤسسات قادرة على اكتشاف الخطر ومعالجته.

 

لقد طرح هيغو السؤال الأخلاقي: بأي حق تقتل الدولة شخصًا أصبح عاجزًا عن تهديدها؟ وطرح بادنتير السؤال السياسي: هل يقود المشرّع المجتمع وفق المبادئ أم يتبع غضبه في لحظة الخوف؟ وتضيف التجربة المعاصرة سؤالًا ثالثًا: أين الدليل على أن القتل القانوني يجعلنا أكثر أمنًا؟

بإلغاء عقوبة الإعدام، لم يعلن لبنان أن الجريمة بلا عقاب، بل قرر أن حدود سلطة الدولة يجب أن تظهر تحديدًا عندما تواجه أبشع الجرائم. فالدولة لا تثبت تفوقها الأخلاقي بأن تحاكي القاتل، بل بأن تعاقبه من دون أن تتشبه به. ولا تقاس الحضارة بما تفعله مع الأبرياء وحدهم، وإنما أيضًا بما ترفض أن تفعله حتى بالمذنبين.

إلغاء المشنقة خطوة تاريخية، لكنه ليس نهاية إصلاح العدالة. البداية الحقيقية تكون عندما يصبح هدف العقوبة حماية المجتمع، وإنصاف الضحية، ومحاسبة الجاني، وإبقاء إمكان الإصلاح مفتوحًا حيثما كان ممكنًا. عندئذ تنتقل العدالة من السؤال: كيف نرد الألم بالألم؟ إلى السؤال الأجدىكيف نمنع تكرار الجريمة، ونرمم ما يمكن ترميمه، ونحمي المجتمع من دون أن نفقد إنسانيتنا؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث