واشنطن ودبلوماسية "جس النبض":بري يضبط قواعد التفاوض والتسوية

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/08/19
النبطية (Getty)
لا يمنح الميدان الدبلوماسية ترف الوقت. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تُشكل التحركات الأميركية المكثفة الأخيرة في بيروت، من جولات رئيس "مجموعة التنسيق العسكري" الجنرال جوزيف كليرفيلد والسفير ميشال عيسى، إلى لقاءات وفد "مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان" برئاسة إدوارد غبريال، استنفارًا دبلوماسيًا يستهدف جسّ النبض واستكشاف المخارج الممكنة للأزمة. وتأتي الحركة الاستطلاعية في لحظة حاسمة، لتأمين المناخات المناسبة لعقد الجولة الثامنة من المفاوضات، وتفادي خيار الحسم العسكري الإسرائيلي، بدءًا من مرتفعات علي الطاهر، استباقًا لاحتمال خروج الأوضاع عن السيطرة نتيجة انفجار إقليمي شامل بين واشنطن وطهران، علمًا أن هذا السيناريو هو ما يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للاستفادة منه من أجل تثبيت مكتسباته.

وتتركز جهود واشنطن على محاولة تبريد الجبهة الجنوبية وفتح نافذة لاتفاق يتجنب كلفة المواجهة الشاملة. وترى الإدارة الأميركية أن الانزلاق إلى انفجار إقليمي كبير سيُدخل المنطقة في حسابات معقدة ومغامرات غير محسوبة. وهذا ما يدفعها إلى الاستعجال في تثبيت "المناطق التجريبية" وإيجاد صيغ مقبولة للسيطرة على النقاط الحاكمة مثل تلة علي الطاهر.

ويمثل رئيس مجلس النواب نبيه بري المُحاور والضامن السياسي الرئيسي في هذه اللقاءات، بالنظر إلى موقعه التفاوضي وقدرته على تمثيل موقف "حزب الله" وإدارة هوامش التنازل والاشتراطات المقابلة. وهنا تظهر الفجوة العميقة بين السقف السياسي اللبناني والمتطلبات الأميركية-الإسرائيلية، ما يهدد بدفع المسار الدبلوماسي نحو طريق مسدود. فقد ربط بري انتشار الجيش اللبناني حصرًا بوقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي الشامل إلى الحدود الدولية، متعهدًا بأن يكون الجيش هو القوة الوحيدة الحاملة للسلاح والممسكة بالأمن في منطقة جنوب الليطاني.

في المقابل، تصر الولايات المتحدة على أن أي انسحاب إسرائيلي تدريجي أو وقف للعمليات سيظل مشروطًا بالبدء العملي بسحب سلاح "حزب الله" وتفكيك بنيته التحتية بالكامل، وليس اقتصار الأمن على جنوب الليطاني، وهو ما يجعل التوافق على آليات التنفيذ أمرًا شديد الصعوبة.

وتكتسب تلة علي الطاهر أهمية رمزية وعسكرية في هذه الجولة التفاوضية. وإذ فشل الطرح الأميركي القاضي بتسليمها إلى الجيش اللبناني، يواجه ملف المناطق التجريبية تعقيدات إضافية تتعلق بتشكيل الهيئة الدولية المشرفة وآليات التحقق الميداني، بالتوازي مع تمسك لبنان بتمديد مظلة "اليونيفيل" لمنع حدوث أي فراغ أمني. وهكذا، مجددًا تصطدم "معادلة نزع السلاح الكامل"، التي تتمسك بها واشنطن وإسرائيل، بشرط جنوب الليطاني الذي يطرحه بري، ما يُبقي المبادرات الدبلوماسية في دائرة المراوحة، فيما الميدان الجنوبي مفتوح على احتمالات تصعيد لا أفق لها.

 

واشنطن تستطلع قبل أن تفاوض

لا توحي طبيعة الحراك الأميركي بأنّ واشنطن انتقلت بعد إلى مرحلة فرض تسوية مكتملة العناصر. العكس أقرب إلى الواقع. فالتوازي بين حركة كليرفيلد، واتصالات السفير الأميركي، وزيارة وفد ATFL، يكشف أنّ المرحلة الحالية مخصّصة بدرجة كبيرة لاختبار حدود الممكن لبنانيًا، وتحديد ما تستطيع المؤسسات الرسمية تنفيذه فعليًا، قبل تثبيت أي تفاهم سياسي في جولة تفاوض جديدة.

وتكتسب زيارة وفد ATFL دلالة إضافية من تركيبة الوفد نفسه. إذ ضمّ موظفين مرتبطين بلجان الشؤون الخارجية في مجلس النواب والعلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركيين، ومن الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وهذه ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، لأنّ هؤلاء يعودون إلى واشنطن بتقارير وتقييمات تدخل لاحقًا في عمل الكونغرس ولجانه، سواء عند مناقشة المساعدات أو دعم الجيش أو السياسة الأميركية تجاه لبنان. ولذلك، كان محور الزيارة الأساسي أقلّ اتصالًا بصناعة اتفاق جديد، وأكثر ارتباطًا بفحص قابلية الاتفاق الموجود للتنفيذ، من حصر السلاح إلى التحقق والإصلاحات وإعادة الإعمار.

بهذا المعنى، تقيس واشنطن اليوم مقدار المسافة بين الخطاب الرسمي اللبناني والقدرة الفعلية على تحويله إلى ترتيبات أمنية. فالقول بحصرية السلاح في يد الدولة يحظى بمساحة تقاطع واسعة، لكن الخلاف يبدأ فور الانتقال من المبدأ إلى التسلسل: من يبدأ أولًا؟ هل تنسحب إسرائيل، فينتشر الجيش ويبدأ تنفيذ التزاماته، أم يبدأ لبنان بسحب السلاح والتحقق منه، فتتحرك إسرائيل لاحقًا؟

هذه تحديدًا هي العقدة التي تجعل النقاش دائريًا. كلّ طرف يريد من الخطوة الأولى أن تكون ضمانته قبل أن يقدّم خطوته المقابلة.

 

بري يضع حدًّا للمقايضة

من هنا جاءت أهمية موقف بري أمام الوفد الأميركي. فقد صاغ معادلته بوضوح: إنهاء الحرب، وقف النار، انسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية، ثم انتشار فوري للجيش اللبناني جنوب الليطاني، على أن يكون الجيش القوة الوحيدة الحافظة للأمن والحاملة للسلاح في تلك المنطقة. كما نقل رئيس ATFL إد غبريال عن بري اهتمامه بإنجاح تجربة "المناطق التجريبية"، مع تأكيده ضرورة قبول إسرائيل بسيطرة الجيش على علي الطاهر لتفادي مزيد من الدمار.

سياسيًا، لا يرفض بري مبدأ توسيع سلطة الدولة جنوبًا، بل يعيد ترتيب شروطه. وهو يفصل، في الوقت نفسه، بين التزام يمكنه ضمانه في جنوب الليطاني وبين مطلب أميركي وإسرائيلي أوسع يتعلق بسلاح "حزب الله" على كامل الأراضي اللبنانية.

وهنا تصبح المسألة أكثر من خلاف جغرافي. فحصر التزام بري بجنوب الليطاني يمنحه قدرة على تقديم صيغة قابلة للتسويق لدى "حزب الله"، ويمنع انتقال التفاوض فورًا إلى بحث شامل في سلاحه وتركيبته العسكرية. أما واشنطن وإسرائيل، فتريدان تحويل المناطق التجريبية إلى نموذج متدرّج يمكن نقله من منطقة إلى أخرى، بما يجعل الخطوات الأولى سابقةً أمنية قابلة للتعميم، لا تسويةً محدودة في الشريط الحدودي.

وهذا هو سبب الحساسية الاستثنائية التي تحيط بكل تفصيل في آلية التحقق. لأن السؤال الحقيقي ليس من يراقب منطقة واحدة فحسب، بل أي نموذج أمني سيصبح قاعدة للمراحل التالية.

 

علي الطاهر: التلة التي تختصر النزاع

لهذا أيضًا لم تعد علي الطاهر مجرد نقطة عسكرية. لقد تحولت إلى الاختبار الأكثر وضوحًا لميزان القوة بين الدبلوماسية والميدان. إسرائيل تريد إخضاع المنطقة لمنطقها قبل الانتقال إلى جولة تفاوض جديدة، فيما يرفض "حزب الله" التعامل معها باعتبارها تفصيلًا يمكن التنازل عنه تحت الضغط، وتتمسك الدولة اللبنانية بمحاولة إدخال الجيش بوصفه المخرج الأقل كلفة.

وتشير المعطيات المنشورة إلى أنّ إسرائيل تربط أي انسحاب من المناطق التجريبية بالتأكد مسبقًا من سحب سلاح "حزب الله"، فيما تشمل المناقشات التقنية انتشار الجيش، تنظيف مخلفات الحرب، التعامل مع مخازن ومواقع السلاح، ثم دخول آلية تحقق خارجية للتثبت من التنفيذ قبل الانتقال إلى منطقة جديدة. وحتى الجهة التي ستتولى التحقق لا تزال موضع تفاوض، فيما يبرز اسم إيطاليا ضمن الدول المطروحة للمشاركة فيها.

وهكذا تصبح السيطرة على علي الطاهر اختبارًا مزدوجًا: إسرائيل تريد إثبات قدرتها على تعديل الوقائع قبل المفاوضات، فيما تريد واشنطن إثبات أنّ بإمكان التفاوض نفسه إنتاج ترتيبات تمنع العملية العسكرية. وإذا فشلت الأخيرة في ذلك، ستصبح الجولة الثامنة، حتى لو انعقدت، محكومة بميزان ميداني سبقها إلى فرض شروطه.

 

الجيش مقابل الانسحاب

في المقابل، تدرك الرئاسة اللبنانية أنّ أي صيغة مستقبلية لا يمكن أن تقوم من دون تعزيز قدرة الجيش. ولذلك يندرج مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، الذي سيُعقد اجتماعه التحضيري في باريس في 17 أيلول، ضمن المسار السياسي نفسه، لا في ملف منفصل. كما تحمل زيارة الرئيس جوزاف عون إلى روما بعدًا يتصل بدور إيطاليا المحتمل في آلية التحقق ودعم المؤسسة العسكرية. وأعاد عون بدوره ربط إعادة الإعمار بانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش حتى الحدود.

لكن دعم الجيش لا يحلّ وحده معضلة التسلسل. فالجيش يستطيع أن يتحول إلى عنوان التسوية فقط إذا حصل توافق على المهمة التي سيُطلب منه تنفيذها، وعلى المناطق التي سيدخل إليها، وعلى ما إذا كان انتشاره نتيجة للانسحاب الإسرائيلي أم شرطًا سابقًا له.

وإلا، يصبح الجيش نفسه عالقًا بين وظيفتين متناقضتين: أن يكون أداة استعادة السيادة اللبنانية، أو أن يُستخدم وجوده لضمان شروط أمنية تطلبها إسرائيل قبل إنهاء احتلالها.

 

النار تفاوض أيضًا

في الوقت نفسه، لا يمنح الميدان الدبلوماسية ترف الوقت. فاستمرار التفجيرات والعمليات في الجنوب، وتسجيل تفجيرات جديدة في حولا وطلوسة وكفرتبنيت، بالتوازي مع اعتداءات وعمليات تجريف وقصف خلال الأيام الأخيرة، يعني أنّ التفاوض يجري تحت ضغط عسكري مستمر لا في ظل وقف مستقر للنار. كما كانت "اليونيفيل" قد سجّلت أنشطة عسكرية مكثفة، شملت غارات وقصفًا وعمليات مختلفة في نطاق عملها.

وهذا الضغط ليس منفصلًا عن العملية السياسية، بل أصبح جزءًا من أدواتها. فكلما طال التعثر، تستطيع إسرائيل تحسين موقعها ميدانيًا، فيما يتحول الوقت بالنسبة إلى لبنان من ورقة تفاوض إلى عنصر استنزاف، مع اتساع كلفة الدمار وتعثر العودة وإعادة الإعمار.

وفي خلفية المشهد، جاء الكشف الإسرائيلي عن استعادة رفات الجندي يهودا كاتس، آخر المفقودين في معركة السلطان يعقوب عام 1982، بعد مسار استخباري طويل شاركت فيه أجهزة إسرائيلية عدة. ولا يشكل الملف جزءًا مباشرًا من مفاوضات الجنوب، لكنه يُقرأ، في هذا التوقيت، ضمن سياق إسرائيلي أوسع لإبراز القدرة على العمل الاستخباري والعملياتي عبر الزمن والجغرافيا، فيما تخوض إسرائيل في الوقت نفسه مفاوضات على ترتيبات أمنية جديدة مع لبنان.

 

جولة ثامنة أم تثبيت للأمر الواقع؟

المشكلة إذًا ليست في تحديد موعد الجولة الثامنة وحده، بل في تحديد ما الذي سيبقى قابلًا للتفاوض عندما يحين موعدها. فإذا تقدمت إسرائيل ميدانيًا في علي الطاهر أو فرضت وقائع جديدة في المناطق الحدودية، فلن تعود المفاوضات بحثًا في كيفية منع التصعيد، بل في كيفية إدارة نتائجه.

أما إذا استطاعت واشنطن انتزاع صيغة تتيح انتشار الجيش مقابل انسحاب إسرائيلي واضح، مع آلية تحقق لا تتحول إلى مدخل لفرض شروط مفتوحة على لبنان، فقد تتمكن من إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بالمسار التفاوضي.

حتى الآن، لا تبدو هذه المعادلة متوافرة. بري يقول: الانسحاب أولًا، والجيش وحده جنوب الليطاني. واشنطن وإسرائيل تقولان: السلاح والتحقق أولًا، ثم الانسحاب. وبين المعادلتين تقف علي الطاهر، لا كتلةً جغرافية مرتفعة فحسب، بل بوصفها النقطة التي سيُختبر عندها ما إذا كان الاتفاق سيصنع الوقائع على الأرض، أم أنّ الوقائع التي تصنعها النار هي التي ستكتب الاتفاق المقبل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث