كيف أغلقت إسرائيل لغز جنودها المفقودين في السلطان يعقوب؟

المدن - سياسةالأربعاء 2026/08/19
Image-1787119873.Jpg
، أُغلق ملف المفقودين الإسرائيليين الثلاثة في معركة السلطان يعقوب
حجم الخط
مشاركة عبر

أكد تقرير للصحافي رونين بيرغمان في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن فحص الحمض النووي أكد أن الرفات التي نُقلت أخيراً إلى إسرائيل تعود إلى الرقيب أول يهودا كاتس بعد 44 عاماً على فقدانه خلال معركة السلطان يعقوب في البقاع اللبناني عام 1982، وذلك في ختام مسار استخباري وعملياتي طويل شاركت فيه الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية و"الموساد" و"الشاباك" ووحدات متخصصة أخرى.

 

وتعود القضية إلى حزيران 1982، خلال حرب لبنان الأولى، حين أُرسلت الكتيبة 362 للسيطرة على تقاطع طرق في منطقة السلطان يعقوب، استناداً إلى تقديرات استخبارية قللت من حجم الانتشار العسكري السوري.

ودخلت القوة الإسرائيلية منطقة خاضعة لسيطرة قوات الكوماندوس والمدرعات السورية، قبل أن ينقطع الاتصال بين الدبابات وتُغلق الطرق أمامها. وأسفرت المعركة عن مقتل 20 جندياً وإصابة نحو 40 وأسر اثنين، إضافة إلى فقدان باومل وفلدمان وكاتس.

وكان باومل وفلدمان داخل دبابة واحدة مع حيزي شاي وأريك ليبرمان، اللذين وقعا في الأسر. وبعد عودتهما، قدما إفادات بشأن إصابة زميليهما.

أما كاتس، فكان داخل دبابة أخرى بقيادة زوهار ليفشيتس، على مسافة نحو 3 كيلومترات إلى الجنوب. وأصابت قذيفة برج الدبابة، ما أدى إلى مقتل ليفشيتس وتعطيل نظام الاتصال الداخلي.

 

وحاول السائق يهودا كابلان التحقق من حالة كاتس وإنعاشه، إلا أن الإفادات تضاربت بشأن ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة. وقاد كابلان الدبابة جنوباً قبل أن يتركها وينسحب، ليكون آخر شخص شاهد كاتس. واشتعلت النيران في الدبابة لاحقاً، ثم سُحبت كغنيمة بعد 4 أيام. وفي حزيران 1983، أوصت الجهات الإسرائيلية المختصة بإعلان الجنود الثلاثة قتلى مجهولي مكان الدفن، لكن رئيس شعبة القوى البشرية طلب إجراء فحص إضافي استمر أكثر من عقدين.

وتأثرت العلاقة مع عائلات المفقودين بسبب تقديرات إسرائيلية خاطئة، أبرزها الاعتقاد بدايةً أن حيزي شاي قُتل، قبل أن يتبين أنه أسير. ومنذ ذلك الحين، تعاملت العائلات بحذر مع استنتاجات الجيش والاستخبارات.

 

وأشارت المعلومات الأولية إلى أن جهات فلسطينية جمعت جثامين من ساحة المعركة ودفنتها مؤقتاً قبل نقلها إلى دمشق. إلا أن مراسم سورية أُقيمت في المقبرة اليهودية بدمشق، وعُرضت خلالها توابيت ووثائق جُمعت من ميدان القتال، دفعت التحقيقات في اتجاهات مختلفة. وفي عام 1984، أعيدت توابيت إلى إسرائيل، وتبين أن أحدها يحتوي على أجزاء من جثمان ليفشيتس، بينما ضمت توابيت أخرى جثامين مجهولة، رجح التقرير أنها تعود إلى فلسطينيين.

 

وتدفقت لاحقاً معلومات وإفادات متناقضة، كما ظهرت خلافات بين الأجهزة الإسرائيلية المعنية بالملف. وحتى عندما حصل الأميركيون عام 1999 على موافقة استثنائية من الرئيس السوري حافظ الأسد لفتح قبور، جرت أعمال الحفر في موقع لم يؤدِ إلى نتيجة.

وأدى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات دوراً في القضية، إذ سلّم رجاله إلى إسرائيل عام 1993 نصف لوحة التعريف العسكرية الخاصة بباومل، وثبتت صحتها بعد فحصها. كما سمح لاحقاً بالتحقيق مع عناصر من حركة "فتح" شاركوا في التعامل مع الجثامين.

ووفق التقرير، أشارت المعلومات إلى أن رجالاً تابعين لأبو جهاد تعاملوا مع الجثامين ونقلوها إلى مقبرة منظمة التحرير الفلسطينية قرب مخيم اليرموك. وساهمت لوحة التعريف وإفادة حفار قبور والتحقيقات مع عناصر فلسطينية في إعادة بناء مسار نقل جثماني باومل وفلدمان من ساحة المعركة إلى غرفة تبريد في دمشق، ومنها إلى المقبرة.

 

وفي عام 2004، أعلن الحاخام العسكري الإسرائيلي أن الجنود الثلاثة قتلى مجهولو مكان الدفن، استناداً إلى تقرير خلص إلى مقتلهم. لكن بيراخيا كاتس، شقيقة يهودا، طعنت بالقرار أمام المحكمة العليا، مشيرة إلى عدم ظهور معلومات جديدة تبرر تغيير موقف الجيش، ما دفع الأخير إلى التراجع عن الإعلان.

وشهد الملف تحولاً عام 2014، عندما تولى المقدم أفي كالو رئاسة قسم الأسرى والمفقودين في الاستخبارات العسكرية. وفي أواخر عام 2017 وخلال عام 2018، أعاد تشكيل فريق مشترك ضم الاستخبارات العسكرية و"الموساد" و"الشاباك" ووحدة "إيتان" المعنية بالمفقودين، إلى جانب خبراء في الاستخبارات البصرية من الوحدة "9900".

 

وجمع الفريق إفادات وتحقيقات وصوراً جوية ومعلومات ميدانية كانت موزعة بين أجهزة مختلفة، وأعاد فحص الخرائط وترتيب أولويات مواقع الدفن.

وفي عام 2019، عُثر على رفات باومل في مقبرة بدمشق. كما حدد مكان رفات فلدمان في المقبرة نفسها، إلا أن الإعلان عن العملية أدى إلى إغلاق نافذة التحرك. وبعد سقوط نظام الأسد، أصبحت العودة إلى الموقع ممكنة، واستعادت إسرائيل رفات فلدمان عام 2025.

 

واتخذ البحث عن كاتس مساراً مختلفاً، بعدما خلص المحققون إلى أن ظروف اختفائه لا تتطابق مع ظروف باومل وفلدمان، نظراً إلى وجوده داخل دبابة أخرى وفي منطقة تقع إلى الجنوب من موقعهما، إضافة إلى احتراق الدبابة ونقلها بعد المعركة. وقبل نحو عامين، بدأت الوحدة "9900" مراجعة أعداد كبيرة من صور الأقمار الاصطناعية لسوريا ولبنان، في محاولة لتحديد مسار الدبابة ومكان نقلها. وقادت هذه التحقيقات إلى فرضية بقاء رفات كاتس داخل الدبابة، قبل العثور عليها والتأكد من هويتها عبر فحص الحمض النووي.

 

وبالعثور على رفات كاتس، أُغلق ملف المفقودين الإسرائيليين الثلاثة في معركة السلطان يعقوب، بعد عقود من التحقيقات والعمليات والفرضيات المتضاربة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث