فيما كانت التفجيرات الإسرائيلية تتوالى في قرى الجنوب، من ميس الجبل وطلوسة وحولا وبني حيّان وكفرتبنيت، ويتجدّد القصف المدفعي على الخيام والهبارية والمنصوري، مضت إسرائيل في رفع مستوى الضغط الميداني بالتوازي مع حراك سياسي ودبلوماسي يتّسع على أكثر من خطّ. وبينما ينتقل رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إيطاليا حاملًا ملفّات الجنوب والمفاوضات وآليّة الإشراف على المناطق التجريبية ومستقبل الوجود الدولي، رفع رئيس مجلس النواب نبيه برّي سقف الموقف اللبناني أمام وفد مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان، واضعًا مفتاح وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي في يد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبذلك، تتكرّس معادلة لبنانية واضحة في المرحلة الحالية، مفادها أنّ أيّ تقدّم في تنفيذ الترتيبات الأمنية أو توسيع انتشار الجيش يبقى مرتبطًا بخطوة إسرائيلية مقابلة، في وقت تستمرّ تل أبيب في استخدام الميدان أداة ضغط على المسار التفاوضي، من دون إبداء استعداد واضح لتنفيذ ما يطالب به لبنان ضمن "اتفاق الإطار".
برّي لواشنطن: الانسحاب أولًا وانتشار الجيش فورًا
وأمام وفد مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان (ATFL)، برئاسة إد غبريال، قدّم برّي صيغة مباشرة للموقف اللبناني، مؤكّدًا أنّ الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على إلزام إسرائيل بإنهاء الحرب، وأنّ ترامب شخصيًّا قادر على دفعها إلى وقف النار والانسحاب إلى الحدود الدولية.
وفي المقابل، قدّم برّي ضمانة لبنانية واضحة، قائلًا إنّه عند حصول الانسحاب الإسرائيلي يضمن "انتشارًا فوريًا للجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني، وأن يكون الجيش اللبناني هو القوة الوحيدة الحافظة للأمن، والذي وحده يملك السلاح في تلك المنطقة". كما شدّد على حقّ أهالي الجنوب في العودة إلى قراهم وإعادة إعمارها.
أما غبريال، فأشار بعد اللقاء إلى أنّه لمس اهتمامًا لدى برّي بتحقيق تقدّم في ملفّ المناطق التجريبية، ولا سيّما في ما يتّصل بإمكان تسلّم الجيش اللبناني مواقع إضافية. وفي ما يخصّ تلّة علي الطاهر، اعتبر أنّ على إسرائيل أن تكون واضحة بشأن استعدادها للسماح للجيش اللبناني بتولّي السيطرة على المنطقة، مشيرًا إلى أنّ وفده سينقل موقف برّي إلى صنّاع القرار في واشنطن.
ويعكس هذا الموقف محاولة لبنانية لتثبيت معادلة "الخطوة مقابل الخطوة"، في مواجهة مسار إسرائيلي يبدو حتى الآن قائمًا على إبقاء الضغط العسكري مفتوحًا، فيما تُطالب بيروت بتنفيذ التزامات أمنية إضافية.
عون إلى روما: الجنوب والجيش وآليّة التحقّق
في المقابل، ينتقل الملفّ اللبناني إلى روما، حيث يجري عون محادثات مع الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الحكومة جورجيا ميلوني، على أن تشمل زيارته أيضًا الفاتيكان.
وتكتسب الزيارة أهميّة تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ يتقدّم ملفّ الجنوب جدول المحادثات، ولا سيّما البحث في الدور الذي قد تؤدّيه إيطاليا ضمن آليّة التحقّق في المناطق التجريبية، إضافة إلى دعم الجيش اللبناني ومستقبل الترتيبات الدولية في الجنوب. وتُطرح إيطاليا بين الدول المحتمل مشاركتها في هذه الآليّة، التي لا تزال موضع نقاش بين الأطراف المعنيّة.
وقبيل الزيارة، جدّد عون التأكيد أنّ "التحدّي الأكبر هو إعادة الإعمار بعد انسحاب إسرائيل من البلدات والقرى المحتلّة وانتشار الجيش حتى الحدود"، فيما تسلّم دعوة فرنسية للمشاركة في اجتماع تحضيري في باريس في 17 أيلول لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي.
ويتقاطع الموقف الرئاسي مع مقاربة برّي لناحية ربط إعادة الإعمار والعودة وتوسيع انتشار الدولة بانسحاب القوات الإسرائيلية، بما يضع المسار الدبلوماسي أمام عقدته الأساسية: كيف يمكن الانتقال إلى مرحلة تنفيذية جديدة، في ظلّ استمرار إسرائيل في العمليات العسكرية ورفضها تقديم خطوة مقابلة؟
الحراك الأميركي: مفاوضات جديدة بلا خرق إسرائيلي
وعلى هذا الخطّ، يتواصل الحراك الأميركي على المستويات العسكرية والرسمية والمدنية، في محاولة لتثبيت "اتفاق الإطار" والدفع نحو جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.
وفي هذا السياق، أجرى قائد الجيش العماد رودولف هيكل مباحثات مع رئيس مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان إد غبريال، بعدما كان قد التقى رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد.
وبحسب بيان الجيش، تناول اللقاء مع غبريال مهمّات المؤسسة العسكرية والتعقيدات التي تواجهها في المرحلة الحالية، فيما أكّد هيكل مواصلة الجيش تنفيذ المهمّات المرتبطة باتفاق الإطار ضمن الإمكانات المتوافرة، في وقت تستمرّ فيه الاعتداءات الإسرائيلية والخروقات للتفاهمات القائمة.
وكان كليرفيلد قد غادر بيروت بعد جولة على المسؤولين اللبنانيين، برفقة السفير الأميركي ميشال عيسى، في مسعى إلى تطبيق بنود الاتفاق والتمهيد لجلسة مفاوضات جديدة مع إسرائيل.
لكنّ العقدة لم تتغيّر. فواشنطن تحاول تأمين انعقاد جولة تفاوضية جديدة، ولو في حدّها الأدنى، والدفع نحو انسحاب إسرائيلي من منطقة تجريبية ثانية، فيما لا يبدي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حتى الآن، استعدادًا لتقديم تنازل موازٍ، الأمر الذي يجعل أيّ جلسة تفاوضية محتملة عرضة لأن تتحوّل إلى إنجاز شكلي ما لم تُقرن بخطوة إسرائيلية على الأرض.
نتنياهو واستعادة رفات كاتس: ملفّ قديم في توقيت انتخابي
وفي الداخل الإسرائيلي، جاء الإعلان عن استعادة رفات الرقيب أول يهودا يكوتئيل كاتس، آخر المفقودين الإسرائيليين في معركة السلطان يعقوب عام 1982، ليضيف عنصرًا آخر إلى المشهد السياسي عشية الانتخابات.
وأعلن نتنياهو أنّ عملية مشتركة للجيش الإسرائيلي و"الموساد" أعادت رفات كاتس، بعد نحو 44 عامًا على فقدانه، مشيرًا إلى أنّ حكوماته وافقت على عدد كبير من العمليات السرّية للبحث عن الجنود المفقودين في المعركة.
وكانت إسرائيل قد استعادت رفات زكريا باومل عام 2019، ثم رفات تسفيكا فيلدمان عام 2025، قبل أن يؤكّد فحص الحمض النووي أخيرًا هوية رفات كاتس، ما أغلق ملفّ المفقودين الإسرائيليين الثلاثة في معركة السلطان يعقوب.
ولا ينفصل الإعلان عن السياق السياسي الداخلي، إذ يمنح نتنياهو مادة رمزية ذات حساسية عالية في المجتمع الإسرائيلي، مرتبطة بمبدأ استعادة الجنود والمفقودين، في وقت يخوض فيه معركة سياسية وانتخابية بالتوازي مع استمرار الحروب والعمليات العسكرية على أكثر من جبهة.
وفي قراءة أكثر حدّة للمشهد، اعتبرت مجلة "The American Conservative" أنّ استمرار الصراعات الإقليمية يخدم حكومة نتنياهو، وأنّ انخراط الولايات المتحدة فيها يمثّل مكسبًا إضافيًا لإسرائيل. وذهبت المجلة إلى تصوير إسرائيل باعتبارها المستفيد الأكبر من التحوّلات العسكرية التي أصابت غزة ولبنان وسوريا والمواجهة مع إيران. وهي قراءة تعبّر عن موقف المجلة وتحليلها، ولا سيّما في توصيفها نتائج الحرب في لبنان وحجم الضرر الذي أصاب حزب الله، ولا يمكن التعامل معها بوصفها توصيفًا محايدًا للوقائع.
"رايتس ووتش": لا تتركوا الجنوب بلا قوّة دولية
وفي موازاة النقاش بشأن الترتيبات الأمنية والمناطق التجريبية، يعود مستقبل "اليونيفيل" إلى واجهة الاتصالات، بعدما تمسّك لبنان باستمرار وجود قوّة دولية في الجنوب، سواء عبر تمديد ولاية القوّة الحالية أو اعتماد صيغة بديلة تضمن بقاء حضور دولي فاعل.
وفي هذا السياق، دعت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الأمم المتحدة إلى إبقاء قوّة لحفظ السلام في لبنان بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" في نهاية العام الحالي.
وقال مدير شؤون الأمم المتحدة في المنظمة، لويس شاربونو، إنّ إنهاء مهمّة "اليونيفيل" من دون إيجاد قوّة دولية بديلة وقوية قد يترك ملايين المدنيين اللبنانيين في مواجهة وضع أمني بالغ الخطورة، مشدّدًا على دور قوات حفظ السلام في ردع الهجمات على المدنيين وانتهاكات حقوق الإنسان.
ويكتسب هذا الملف حساسية إضافية في ظلّ الغموض الذي يحيط بشكل الترتيبات الأمنية المقبلة جنوبًا، خصوصًا إذا انتقلت المفاوضات من نموذج "اليونيفيل" الحالي إلى صيغة جديدة تقوم على الجيش اللبناني وآليّات تحقّق دولية أكثر تحديدًا.
إعادة الإعمار: الدولة تربطها بالانسحاب
وتكتمل الصورة بملفّ إعادة الإعمار وعودة الجنوبيين، الذي بات جزءًا أساسيًا من أيّ تسوية سياسية وأمنية مقبلة.
وخلال لقائه وزير الدولة الكندي للتنمية الدولية رانديب ساراي، رحّب عون بأيّ دعم كندي يساعد الجنوبيين على العودة إلى قراهم وتأمين السكن، ولا سيّما في البلدات التي تعرّضت لدمار واسع.
وشدّد على أنّ "إعادة الإعمار ستتولاها الدولة اللبنانية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش حتى الحدود الدولية"، فيما أكّد الوزير الكندي حرص بلاده على استقرار لبنان وتعزيز التعاون والبرامج المشتركة.
وهكذا، تتحرّك بيروت بين ثلاثة مسارات متوازية ومترابطة، ضغط ميداني إسرائيلي يتصاعد في الجنوب، تحرّك أميركي يسعى إلى إبقاء قناة التفاوض مفتوحة، ومحاولة لبنانية لحشد دعم دولي لمعادلة تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي، ثم انتشار الجيش وعودة السكان وإعادة الإعمار.
لكنّ الفارق بين المسارات لا يزال واضحًا. ففيما يقدّم لبنان تعهّدات بشأن انتشار الجيش وحصرية السلاح جنوب الليطاني، تستمرّ إسرائيل في استخدام القوة من دون تقديم خطوة سياسية موازية. لذلك، لن يكون الاختبار الحقيقي في نجاح الوسطاء في جمع الطرفين إلى طاولة تفاوض جديدة، بل في قدرة هذا التفاوض على إنتاج أول تبدّل ملموس على الأرض، أي انسحاب إسرائيلي يفتح الباب أمام انتقال "اتفاق الإطار" من نصّ تفاوضي إلى مسار قابل للتنفيذ.




