منذ 14 نيسان/ أبريل 2026 وحتى اليوم، اجتمع الوفدان اللبناني والإسرائيلي في 7 جولات تفاوضية مباشرة برعاية أميركية، لبحث وقف إطلاق النار ومستقبل التهدئة والترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل، وصولًا إلى تسوية تُعيد الأراضي المحتلة والسيادة إلى الدولة اللبنانية.
ومع إعلان دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 17 نيسان / أبريل 2026، وعلى الرغم من أن الإعلان لم يُترجم فعليًا على الأرض في عدد من قرى الجنوب، بدأ أبناء الجنوب بالعودة إلى قراهم وبلداتهم، باستثناء تلك التي أبقاها الإسرائيلي محتلة خلف ما سمّاه "الخط الأصفر".
عاد الجنوبيون بأمل أن تكون الحرب قد انتهت، وأن يكون النزوح قد انتهى معها. إلا أن وقف إطلاق النار لم يُترجم إلى أمان فعلي على الأرض. وخلال الأشهر التي تلت إعلان وقف إطلاق النار، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية، وسقط عسكريون من الجيش اللبناني وصحافيون ومدنيون، فيما واصلت إسرائيل هدم المنازل، وتفجيرها، واستهداف الممتلكات، والأراضي.
كل هذا يحصل فيما يسير لبنان في مسار التفاوض مع الجانب الإسرائيلي برعاية أميركية، وفي ظل واقع مربك يعيشه أبناء الجنوب: يعودون إلى قراهم، ثم ينزحون عنها، ثم يعودون من جديد.
وها نحن اليوم على أبواب انتهاء الشهر الرابع والجولة السابعة من التفاوض مع إسرائيل. ولا يبدو أن أمام لبنان اليوم سوى التفاوض، سواء المباشر أو غير المباشر، لاسترجاع الأراضي، والحفاظ على ما تبقى من المنازل-التي ما زال الإسرائيلي يهدم بعضها أو يفجره وحماية موارد الأرض والوطن.
ولكن، بعيدًا من طاولة المفاوضات، كيف يعيش أبناء الجنوب اليوم؟ ماذا ينتظرون من الدولة؟ وهل تعلم الدولة فعلًا بما يشعر ابن الجنوب، وما ينتظر منها؟
يعيش أبناء الجنوب واقعًا لا تنقل نشرات الأخبار وطأته الحقيقية. فهدير الطائرات المسيّرة المستمر لا يُفارق السماء، ويبدو أنه رسالة دائمة بأنك مراقَب، وأن الخوف لم يغادر المكان. ويقطع هذا الهدير، بين الحين والآخر، دويّ انفجار؛ تارة يأتي من بعيد، وتارة تشعر بأنه في الحيّ المقابل. وفي بعض الأحيان تهتز المنازل، حتى يُخيل إليك أن الأرض نفسها تتألم تحت وطأة من اغتصبها. يمرّ نهار كامل قد لا تنعم خلاله بأكثر من نصف ساعة من الهدوء.
ثمّة من يعتقد أن الحرب انتهت، لأنّ الأخبار العاجلة لم تعد تتوالى على الشاشات بالوتيرة نفسها، ولأن الاعتداءات التي كانت تتصدّر التغطية اليومية باتت تُنقل اليوم كجزء من مشهدٍ مستمر في الجنوب. لكن تراجع وهج الخبر لا يعني تراجع خطورة الواقع. فما تعجز نشرات الأخبار عن نقله هو وطأة أن تعيش يوميًا تحت مراقبة المُسيّرات وتحت هول الانفجارات واحتمال أن يتحوّل أي تصعيدٍ إلى نزوح جديد.
الحقيقة أن الحرب لم تغادر الجنوب، فهي ما زالت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. اليوم، يعيش ابن الجنوب وحقيبته أمام باب منزله، جاهزة في أي لحظة. مع كل انفجار، أو غارة، أو هدير طائرة حربية، يكون مستعداً للنزوح من جديد إذا فُرض عليه ذلك. وفي تلك الحقيبة، يحمل ما تبقى من ذكريات منزله وحارته وبلدته.
نعم، إنها عودة معلّقة. عودة إلى البيت، ولكن من دون الشعور بالأمان. عودة يرافقها القلق أكثر مما يرافقها الاطمئنان، وتبقى رهينة أيّ تطور ميداني قدّ يُعيد الناس مرة أخرى إلى دائرة النزوح. ومع هذه العودة المعلّقة، تأتي المفاوضات المفخخة.
أربعة أشهر من التفاوض لم تُنتج حتى اليوم ما يكفي ليشعر ابن الجنوب بأن حياته تغيّرت فعلًا. وحتى حين ينسحب الإسرائيلي من بلدة، كما حصل في زوطر الغربية، تبقى مُسيّراته في سمائها. ولقد، تقدّم أمس إلى داخل زوطر الغربية، وأقام ساتراً بين الزوطرين، علمًا أنه لم يتوقّف عن قصف البلدة، كأنه يريد أن يذكّر أهلها بأنه أقرب إليهم من "رشقة حجر"، وأنه قد يعود ويدخلها من جديد متى أراد، فلا رادع له. وهنا تكمن قسوة ما يعيشه أبناء الجنوب اليوم.
قد يكون هذا الواقع بصعوبة الحرب نفسها؛ فهو ليس حربًا كاملة ولا سلامًا حقيقيًا، إنما حياة عالقة بين الحرب واللاحرب، وبين النزوح والعودة المعلّقة. يعيش ابن الجنوب بين أمل بأن تعود الدولة إلى الجنوب من باب اتفاق يُعيده إلى أرضه، وخوف من أن يطول الانتظار وأن يصبح المؤقت دائماً. لكن ما ينتظره أهل الجنوب من الدولة ليس التفاوض وحده.
إنهم ينتظرون دولة حاضرة. دولة تحمي الأرض، وتعيد الإعمار، وتعوّض المتضررين، وتدعم البلديات، وتعيد الخدمات والبنى التحتية، وتحفظ أرزاق الناس، وتمنح من عاد إلى بلدته سببا حقيقيًا للبقاء فيها. دولة يشعر معها ابن الجنوب بأن شبكة خلاصه هي دولته ومؤسساتها، لا أن يُدفع مجدداً إلى أحضان الإقطاع الحزبي والسياسي بحثاً عن الحماية والمساعدة والبديل من الدولة. فالعودة الحقيقية ليست أن يُفتح الطريق إلى القرى وحسب.
العودة الحقيقية هي أن يستطيع ابن الجنوب أن يعيد حقيبة النزوح إلى الخزانة، بدلاً من أن تبقى أمام باب منزله. أن يذهب المزارع إلى أرضه من دون أن يُراقب السماء وتراقبه. وأن يعرف المواطن أن خلفه دولة تحميه، وأن أمامه مستقبلاً يستطيع أن يبنيه على أرضه.
التفاوض ضرورة إذا كان البديل مزيداً من الحرب والدمار. لكن نجاحه لا يُقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بأرض تُستعاد، ومنازل تُحمى، واعتداءات تتوقف، وسيادة تُفرض، وأهل يعودون إلى بيوتهم ويبقون فيها. أهل الجنوب يريدون العودة، لكنهم يريدونها عودة نهائية، لا محطة مؤقتة بانتظار نزوح جديد. ويريدون الدولة أن تكون حاضنتهم، لا أن يضطروا مرة أخرى إلى البحث عن حاضنة حزبية أو سياسية تحلّ مكانها.
لكنّ ابن الجنوب، الذي خَبِر الحروب والاحتلال والاعتداءات، يعرف أيضاً أن العدو غدّار، وأن الأمان لا تصنعه الوعود وحدها. ولهذا يبقى اليوم واقفاً بين الأمل والخوف: أمل بأن تعيده المفاوضات إلى أرضه وتحمي دولته عودته، وخوف من أن تكون العودة معلّقة… كما المفاوضات مفخخة.
