الحراك الوحيد الذي يمكن التعويل عليه حالياً، لمنع الانهيار الكامل لاتفاق الإطار، وإنقاذ الجولة الثامنة من المفاوضات في أيلول، هو ذاك الذي تقوده الولايات المتحدة على المستويين الدبلوماسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل. وقد غادر رئيس مجموعة التنسيق العسكري (MCG4L)، الجنرال جوزيف كليرفيلد، بيروت لمواصلة اتصالاته المتعلقة بإنجاح جولة روما المقبلة. غير أن الطروحات الدبلوماسية لتوسيع "المناطق التجريبية" تصطدم بواقع ميداني متفجر، إذ تتجه إسرائيل بوضوح نحو فرض واقع أمني وجغرافي جديد في الجنوب.
وتكشف تفاصيل لقاءات كليرفيلد في اليرزة عدم التوصل إلى نتائج إيجابية في ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من منطقة تجريبية ثانية، فيما يسعى الجيش اللبناني إلى تثبيت انتشاره ضمن الإمكانات المتاحة، وسط صعوبات مختلفة. وتُظهر سلوكيات إسرائيل سعيها المؤكد إلى تثبيت السيطرة الدائمة على بلدات الحافة الأمامية. وهي ترجمت ذلك برفع الأعلام الإسرائيلية على الطريق الساحلي بين الناقورة وصور، الشريان الحيوي لـ"اليونيفيل"، ما يمثل إيحاء بالرغبة في ضم هذه النطاقات إلى الحدود الأمنية.
كذلك، تربط إسرائيل مصير انسحابها بنزع سلاح حزب الله، بينما تشير "اليونيفيل" إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات الإغارة والقصف والتجريف. وتتجه الأنظار خصوصاً نحو مرتفعات علي الطاهر، لكونها المحور الأكثر خطورة في خطة إسرائيل. فسيطرتها على هذه القمة الاستراتيجية لا تمنحها التفوق العسكري فحسب، بل تفتح أمامها خطوط الإشراف الناري على البقاع والساحل اللبناني.
ولكن، في الموازاة، توحي القراءة السياسية، بأن بنيامين نتنياهو يشترط تقييد العمليات العسكرية خارج "الخط الأصفر" بموافقة القيادة السياسية، رغبة منه في ضمان إدارة التصعيد بتوازن حذر. فهو يريد امتصاص ضغوط واشنطن لتجنب تعرض إسرائيل لحظر الأسلحة الأميركية، وفي الوقت نفسه، هو يعمل لاستخدام الورقة العسكرية في جنوب لبنان رافعةً لانتخاباته في الخريف. وأما إدارة ترامب فترغب في إبقاء جبهتي لبنان وغزة تحت السيطرة لتركيز الجهود على المواجهة مع إيران في مضيق هرمز، وهو ما دفعها إلى إيفاد جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى المنطقة، سعياً إلى خفض للتوتر لا يكون متعارضاً بالضرورة مع الإستراتيجية الإسرائيلية العريضة. وفي الخضم، يحمل التسريب الإسرائيلي بشأن العثور على رفات الجندي يهودا كاتس، المفقود منذ معركة السلطان يعقوب عام 1982، رسائل متعددة الأبعاد في هذا التوقيت.
في المحصلة، تبدو جهود واشنطن في المنطقة الحرجة، فيما المقاربة الإسرائيلية الحالية تضع لبنان بين خيارين صعبين: إما الخضوع للنار والتوسع والتدمير والتهجير، وإما الخضوع لمنطق إسرائيل على طاولة المفاوضات، بحيث تصبح واقعياً مجرد مسار دبلوماسي شكلي، يصب في خانة تكريس الأمر الواقع المفروض جنوباً.
الدولة تتولى الإعمار وقلق أممي
في السياق، برز حديث لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الذي أكد لوزير الدولة الكندية للتنمية الدولية Randeep Sarai أن لبنان يرحب بالدعم الكندي للمساعدة في عودة الجنوبيين إلى قراهم وتأمين سكنهم لاسيما في القرى والبلدات التي دمرها الاسرائيليون، مؤكدا أن اعادة الإعمار ستتولاها الدولة اللبنانية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش حتى الحدود الدولية. فيما أكد الوزير الكندي حرص بلاده على استقرار لبنان وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين وتفعيل البرامج المشتركة.
وكذلك كان موقف لقائد الجيش العماد رودولف هيكل، الذي أكد خلال استقباله رئيس منظمة American Task Force On Lebanon (ATFL) السفير الأميركي السابق إدوار غبريال، مواصلة الجيش تنفيذ المهمات كافة المتعلقة باتفاق الإطار ضمن الإمكانات المتوافرة، في حين تستمر قوات الاحتلال الإسرائيلي في اعتداءاتها وخروقاتها للتفاهمات القائمة ضمن الاتفاق.
كذلك استقبل المفتي دريان قائد الجيش العماد رودولف هيكل وبحث معه في الأوضاع على الساحة اللبنانية، وأثنى المفتي دريان على "دور الجيش وقيادته الحكيمة في حفظ أمن البلاد"، وأكد وقوفه إلى جانب الجيش ودعمه في المحافظة على استقرار الوطن وسلامته.
في غضون ذلك، حذرت الأمم المتحدة من تصعيد مقلق في جنوب لبنان في وقت سجلت فيه "اليونيفيل" أنشطة عسكرية مكثفة في منطقة عملياتها. وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك "إن قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) رصدت أنشطة حركية مكثفة عبر منطقة عملياتها خلال عطلة نهاية الأسبوع، شملت غارات جوية للجيش الإسرائيلي، وهجمات بطائرات هليكوبتر، وإطلاق نار غير مباشر، وعمليات بحرية في المياه الإقليمية اللبنانية، في تطور يعكس تصاعد التوتر على طول الخط الأزرق". أضاف دوجاريك "أن قوات حفظ السلام التابعة لليونيفيل تمكنت من اكتشاف وتحييد عدة ذخائر غير منفجرة في المنطقة، غير أنها واجهت في الوقت نفسه قيوداً على حرية تنقلها، بالإضافة إلى حوادث سلوك عدواني، ما يعيق قدرتها على تنفيذ مهامها بالشكل المطلوب، في ظل استمرار الخروقات والتجاوزات التي تهدد الاستقرار الهش في الجنوب اللبناني".
تصعيد إسرائيلي متواصل
على الأرض، استمر التصعيد الإسرائيلي. نفّذت جرافات إسرائيلية عملية تجريف في مشاع بلدة المنصوري. وافيد عن تفجير خزان المياه العمومي في مشاع المنصوري الذي يزوّد البلدة بالمياه. واستهدفت القوات الإسرائيلية صباحا، أطراف مجدل زون بعدد من القذائف المدفعية. كذلك قامت قوة معادية بالعمل على تثبيت بوابة حديدية عند أحد الممرات في وسط بلدة عين عرب، مع الإشارة إلى أن البلدة خالية من السكان، وتقع تحت الاحتلال. وفي بنت جبيل، استهدف قصف مدفعي بلدة عيناتا، قبل أن يُسمع دوي تفجير إسرائيلي في البلدة. وفي شبعا، استهدفت دبابة "ميركافا" المدرسة القديمة بقذيفة، قبل أن تدخل إلى المدرسة وتقوم بتفتيشها، ثم تغادر المكان.
اما حزب الله، فأشار على لسان نائبه حسن عز الدين إلى أن "علي الطاهر ليس أساس المعركة، إنما أساس المواجهة هو ما حدث في كل الجنوب ولبنان"، وأوضح أن "موقع علي الطاهر هو من المواقع الأساسية للمقاومة التي لن تتخلى عنها، وستواجه أي عمل عدواني بكل ما تمتلك من قدرات وإمكانيات، كما ستقوم بواجبها الوطني إذا هاجمت إسرائيل هذا الموقع، وفي حال أتت المساعدة من إيران، فذلك سيكون نورا على نور".
سلامة إلى سجن رومية
على مستوى آخر، أبقت الهيئة الاتهامية المناوبة في بيروت، برئاسة القاضي نسيب إيليا، الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة موقوفاً، بعدما صادقت على قرار قاضية التحقيق في بيروت شهرزاد ناصر، المتعلق بإصدار مذكرة توقيف وجاهية بحقه. وكان وكيل سلامة، المحامي وسيم غاوي، قد استأنف قرار ناصر أمام الهيئة الاتهامية. في المقابل، قرر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج إعادة سلامة إلى سجن رومية من مستشفى ضهر الباشق، بناءً على تقرير اللجنة الطبية المكلفة من القضاء. وكانت اللجنة قد أعدّت تقريرها ورفعته إلى الحاج، مشيرةً إلى أن وضع سلامة مستقر ولا يستدعي إبقاءه في المستشفى.




