لم تعد الخريطة التي أفرزتها انتخابات 2022 كافية لفهم مجلس النوّاب في 2026. فالحدود التي قُسّم على أساسها البرلمان بين "حزب الله" وحلفائه، وقوى المعارضة، والنوّاب التغييريّين والمستقلّين، أخذت تتآكل تدريجيًّا أمام نمط مختلف من العمل النيابيّ، تتبدّل فيه الأكثريّات بتبدّل القانون، ويلتقي الخصوم في ملفّ ليفترقوا في آخر، فيما لم يعد الانتماء إلى الكتلة الواحدة يضمن دائمًا وحدة التصويت.
ولا يظهر هذا التحوّل من نتائج التصويت وحدها. ففي الجلسات الأخيرة، أصبح الحضور والغياب، وتأمين النصاب أو إسقاطه، والانسحاب من الهيئة العامّة، والتناغم في المداخلات، والاجتماعات التي تسبق التصويت، جزءًا من قياس اتجاهات المجلس بقدر رفع الأيدي نفسه. وما جرى في مسار قانون العفو العام، منذ بدء تحريكه في نيسان وأيّار، مرورًا بتعطّله في تمّوز، وصولًا إلى إقراره في آب، قدّم نموذجًا مكثّفًا لهذه التحوّلات.
ففي 16 تمّوز مثلًا، لم يصل مجلس النوّاب أصلًا إلى التصويت على العفو. انسحب نوّاب "القوّات اللبنانيّة" ففُقد النصاب. وبذلك، لم يكن غياب التصويت غيابًا للموقف، بل أصبح إسقاط النصاب نفسه جزءًا من السلوك السياسيّ والتشريعيّ.
وبين تلك الجلسة وجلسة الإقرار، لم يبقَ العفو حبيس الهيئة العامّة. خارجها، كان النوّاب السنّة ينتقلون من لقاءات موسّعة إلى مجموعات أصغر للتفاوض، ومن التعبير عن موقف مشترك إلى محاولة صياغة سقف واحد يمكن التفاوض عليه مع رئيس المجلس والكتل الأخرى. وعندما عاد القانون إلى الهيئة العامّة في آب، كانت خلفه شبكة من الاتصالات والتفاهمات لم تكن موجودة بالوضوح نفسه في بداية المسار.
وفي المقابل، أعادت الجلسات الأخيرة إظهار تقاطعات بين "التيار الوطنيّ الحرّ" و"حزب الله"، بعد سنوات من تدهور العلاقة بينهما. لكنّ الوقائع لا تسمح بعد بالقفز من تكرار بعض المواقف المتشابهة إلى إعلان استعادة التحالف السابق. ففي جلسة إقرار العفو تحديدًا، لم يكن التلاقي تصويتًا مشتركًا على القانون، إذ غاب نوّاب الطرفين عن التصويت بعد اعتراضهم على عدم إعطاء وزير الدفاع ميشال منسى الكلام. إلّا أنّ تزامن السلوك، إلى جانب تقاطعات أخرى في الخطاب والموقف من ملفات سياسيّة وسياديّة، أعاد طرح سؤال العلاقة بين الطرفين، وحدود انتقالها من القطيعة إلى التعاون "بالقطعة".
هكذا، لا يبدو أنّ مجلس 2022 استبدل تحالفاته القديمة بتحالفات جديدة مكتملة، بل دخل مرحلة أكثر سيولة، أكثريّات متحرّكة وائتلافات تتشكّل حول القضيّة. ومن هنا، لا يعود السؤال عمّن صوّت مع من في جلسة العفو فحسب، بل عمّا إذا كان تكرار السلوك نفسه بدأ يرسم خريطة أخرى تحت الخريطة الرسميّة للكتل. وهل يبقى التقاطع بين "التيار" و"حزب الله" محصورًا بملفات محدّدة؟ وهل يتحوّل التنسيق السنّيّ من قوّة تفاوض ظرفيّة إلى مركز ثقل نيابيّ؟ وأيّ من هذه التفاهمات يستطيع الصمود عندما تنتقل المعركة من مقاعد الهيئة العامّة إلى صناديق الاقتراع؟
التيار وحزب الله: تقاطع أم عودة إلى التحالف؟
من بين الصور الّتي أفرزتها الجلسات الأخيرة، برز مجدّدًا سؤال العلاقة بين "التيار الوطنيّ الحرّ" و"حزب الله"، بعد مرحلة طويلة من التباعد السّياسيّ بين الطرفين. غير أنّ النائب غسان عطالله يرفض أصلًا قراءة المواقف من العفو العام باعتبارها مؤشّرًا إلى إعادة بناء هذا التحالف، ويفصل بين التوافق على مشروع قانون وبين الاتفاق السياسيّ.
ويقول عطالله لـِ "المدن": "لا علاقة بين التقاطعات والعفو، هناك مشروع قانون، مجموعة اختلفت عليه ومجموعة وافقت عليه، وليس هناك اتفاق سياسيّ". وبالنسبة إليه، لم يتغيّر موقف "التيار" بين المرحلة التي عارض فيها الصيغة السابقة للعفو وبين الجلسات الأخيرة، لأنّ الاعتراض، كما يشرح، كان على طبيعة الصيغة المطروحة، لا على معالجة ملفّ السجناء من حيث المبدأ.
وينطلق عطالله من وجود "مظلوميّة" تطال موقوفين أمضوا سنوات من دون محاكمة، معتبرًا أنّ معالجة هذه الحالات ممكنة من خلال تحديد أصحابها بدل الذهاب إلى عفو واسع. ويقول إنّ هناك أشخاصًا "موجودين ومعروفين ويمكن فرزهم"، مشيرًا إلى وجود موقوفين أمضوا سنوات في السجن من دون صدور أحكام بحقّهم، وهؤلاء، برأيه، يجب أن يسلك القضاء في ملفاتهم مجراه الطبيعيّ.
أمّا اعتراض "التيار" على الصيغة السابقة، فيربطه عطالله بالخشية من تحويل العفو، بالتوازي مع إلغاء عقوبة الإعدام، إلى رسالة معاكسة في بلد يشهد جرائم متزايدة. ويسأل: "ماذا تقول للمجرم؟"، معتبرًا أنّ إلغاء الإعدام، بالتوازي مع إصدار قوانين عفو دوريّة أو تخفيض العقوبات، يمكن أن يتحوّل، وفق قراءته، إلى "تحفيز للإجرام".
لكنّ الأهمّ سياسيًّا هو أنّ عطالله يستخدم المنطق نفسه لنفي وجود إعادة تموضع إلى جانب "حزب الله". فالتلاقي في موقف أو قانون، وفق رؤيته، لا يعني استعادة التحالف. ويضع في هذا الإطار تقاطع الموقفين من الاعتداءات الإسرائيليّة ومن نتائج اتفاق الإطار، رافضًا تفسير موقف "التيار" باعتباره دعمًا للحزب.
هذه الإجابة تنفي وجود قرار سياسيّ معلن بإعادة التحالف، لكنّها لا تنفي وجود مساحة تقاطع بين الطرفين. والفارق أساسيّ هنا، إذ ليس ضروريًّا أن يعود الطرفان إلى تفاهم سياسيّ شامل لكي يظهر بينهما نمط من المواقف أو السلوك النيابيّ المتشابه في ملفات محدّدة. وبذلك، يصبح السؤال أقلّ ارتباطًا باستعادة العلاقة القديمة بصيغتها السابقة، وأكثر اتصالًا بما إذا كانت مرحلة القطيعة بدأت تفسح المجال أمام تعاون سياسيّ ونيابيّ "بالقطعة".
وعندما يُسأل عطالله عن الخريطة الأوسع للمجلس، يقدّم قراءة مختلفة جذريًّا، إذ يعتبر أنّ القوى التي يصفها بـِ "الدولة العميقة" لا تزال تلتقي عند المحطّات المرتبطة، وفق رأيه، بضغوط أو مطالب خارجيّة. ويربط ذلك بما جرى في انتخاب رئيس الجمهوريّة وتشكيل الحكومة، معتبرًا أنّ هذه القوى تستطيع الالتقاء عندما تكون أمام استحقاق من هذا النوع.
وبذلك، لا يرى عطالله أنّ الاصطفافات القديمة انهارت كليًّا، بل يعتبر أنّ جزءًا منها لا يزال حاضرًا خلف التباينات الظاهرة. إلّا أنّ المفارقة تبقى في أنّ سلوك "التيار" نفسه بات بدوره أكثر قابلية للتقاطع مع "حزب الله" في بعض الملفات، من دون أن يصل ذلك، حتى الآن، إلى مستوى إعلان تفاهم سياسيّ جديد.
"خلطة غريبة عجيبة" داخل المجلس
إذا كان عطالله يرفض استخلاص اصطفاف سياسيّ من تقاطع المواقف، فإنّ بولا يعقوبيان تذهب إلى توصيف أكثر سيولة للمشهد أصلًا. فلا ترى أنّ تحالفات جديدة ثابتة حلّت مكان القديمة، بل إنّ الاصطفاف نفسه يتبدّل بحسب القانون والملفّ المطروح.
وتشير يعقوبيان في حديثها لـِ "المدن" إلى أنّه "بحسب القانون وبحسب الموضوع، الاصطفافات هي نفسها، وعلى القطعة تتغيّر هذه الاصطفافات"، مستشهدة بالملفات الماليّة والمصرفيّة، حيث يمكن أن تجتمع قوى متخاصمة سياسيًّا في الموقف من الإصلاحات أو من مطالب صندوق النقد الدوليّ.
والأكثر دلالة، بالنسبة إليها، أنّ الاختلاف لم يعد يحصل بين الكتل فقط، بل داخل الكتلة الواحدة أيضًا. ففي الجلسة الأخيرة، تشير إلى أنّ قسمًا من نوّاب "القوّات اللبنانيّة" صوّت إلى جانبها مع بعض الإصلاحات، كما فعل قسم من نوّاب "حزب الله"، في صورة لا تتطابق مع الاصطفافات السياسيّة المعلنة.
وتصف يعقوبيان المشهد بأنه "خلطة غريبة عجيبة"، لافتة إلى أنّها لاحظت، عند احتساب الأصوات برفع الأيدي، أنّ بعض الكتل لم تصوّت بكامل أعضائها بالطريقة نفسها، ولا سيّما في الملفات المصرفيّة.
وتقول: "هناك كتل صلبة تصوّت كلّها مع المصارف، وهناك داخل الكتل نوّاب للمصرفيّة"، مشيرة إلى أنّ الانقسام في بعض الأحيان وصل إلى داخل الكتلة الواحدة. كما تتحدّث عن محاولات لإسقاط النصاب لمنع مرور تعديلات في بعض القوانين الماليّة، معتبرة أنّ الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد ليست، في جوهرها، مطلبًا خارجيًّا فحسب، بل إصلاحات يحتاج إليها لبنان للوصول إلى قطاع مصرفيّ سليم.
وبذلك، يصبح المجلس أقرب إلى مجموعة دوائر متقاطعة منه إلى معسكرين متواجهين. في الملفّ السياديّ يظهر اصطفاف، وفي الملفّ الماليّ آخر، وفي العفو ثالث، فيما تستطيع المصالح السياسيّة والاقتصاديّة والطائفيّة أن تجمع في كلّ مرّة قوى مختلفة.
لكنّ يعقوبيان ترفض إسقاط هذه القراءة تلقائيًّا على اجتماعات النوّاب السنّة في ملفّ العفو، أو تفسير موقفها منه انطلاقًا من الهويّة الطائفيّة. وتؤكّد أنّها مع الإفراج عن الإسلاميين الذين تعرّضوا للظلم أو لمحاكمات سياسيّة، على الرغم من أنّها ليست نائبة سنّيّة.
وتسأل: "لماذا تسييس الملفات التي فيها حقوق؟ ولماذا مذهبتها؟"، مضيفة: "إمّا أن يكون هناك ظلم أو لا يكون هناك ظلم". وبالنسبة إليها، لا يمكن أن يتغيّر معيار العدالة بحسب الطائفة أو المذهب، خصوصًا حين يكون الحديث عن أشخاص تعرّضوا للظلم أو عن محاكمات تأثّرت بالسياسة.
أمّا عن أثر الانتخابات المقبلة في حركة المجلس، فتقرّ يعقوبيان بأنّ "الشعبويّة تلعب دورًا"، لكنّها لا تعتقد أنّ كلّ الاصطفافات الحالية يمكن تفسيرها انتخابيًّا منذ الآن. وترى أنّ المصالح المتشابكة بين القوى والعائلات السياسيّة تلعب دورًا مباشرًا في بعض المواقف، ربما أكثر من الحساب الانتخابيّ المبكر.
العفو يجمع المتفرّقين سنّيًّا
على الضفّة السنّيّة، تبدو الصورة أكثر قابلية للانتقال من التقاطع إلى التنظيم. فالنوّاب السنّة دخلوا مجلس 2022 موزّعين بين مجموعات صغيرة، ومستقلّين، وتغييريّين، وأحزاب وتكتّلات متباعدة سياسيًّا، من دون وجود كتلة مركزيّة تضبط إيقاع التمثيل السنّيّ كما كان يحصل في مراحل سابقة.
لكنّ قانون العفو قدّم قضيّة مشتركة استطاعت جمع جزء واسع من هذه الخريطة. ويشرح النائب نبيل بدر لـِ "المدن" أنّ النوّاب الذين التقوا حول الملفّ حاولوا صياغة موقف موحّد، على الرغم من أنّ الصيغة التي انتهوا إليها لم تكن تعبّر، في البداية، عن رأي أكثريّتهم.
ويقول إنّهم اتفقوا عليها في النهاية باعتبارها "سقفًا يمكن التفاوض عليه"، وهو ما سمح، وفق قراءته، بالوصول إلى إقرار قانون العفو بالصيغة التي انتهى إليها، بالتوازي مع معالجة ملفّ عقوبة الإعدام.
غير أنّ اللافت يبدأ بالنسبة إلى بدر بعد نجاح التجربة، لا قبلها. فهو لا يتحدّث عن إنشاء كتلة سنّيّة جديدة بالمعنى التنظيميّ المباشر، لكنّه يؤكّد أنّ ما حصل "سيفتح الباب" أمام محاولة تكرار الاجتماعات في ملفات أخرى.
ويقول: "في كلّ تقاطع أو محطّة سياسيّة أو برلمانيّة أو تشريعيّة يمكن أن نلتقي لنوحّد الموقف"، مشيرًا بصورة خاصّة إلى الملفات الخدميّة، والتعيينات، والاستحقاقات التي تعني المكوّن السنّيّ.
وبذلك، يتجاوز أثر العفو حدود القانون نفسه. فالاجتماع الذي وُلد لمعالجة ملفّ محدّد أنتج سابقة تنظيميّة أظهرت للنوّاب المشاركين أنّ تشتّتهم السياسيّ لا يمنعهم من التحوّل، عند الحاجة، إلى قوّة تفاوضيّة داخل البرلمان.
وبحسب بدر، لا يتّجه هؤلاء حاليًّا إلى "تشكيل إطار جامع"، لكنّ الفكرة تقوم على الاجتماع أمام الاستحقاقات ومحاولة الوصول إلى صيغة مشتركة، فإذا تمكّنت الأكثريّة من التوافق عليها، يفترض أن تصبح أساسًا لموقف موحّد.
وهنا يظهر فارق دقيق بين "الكتلة" و"المركز النيابيّ". فقد لا يولد تكتّل جديد باسم وقيادة وهيكليّة، لكنّ اجتماع العدد نفسه من النوّاب بصورة متكرّرة، وتفاوضهم مع القوى الأخرى على أساس موقف مشترك، يمكن أن يمنحهم جزءًا من الوظيفة السياسيّة التي تؤدّيها الكتل، من دون إعلان كتلة رسميّة.
من الستّة إلى الاجتماع الموسّع
وتزداد الصورة وضوحًا عند العودة إلى الاجتماعات الأصغر التي سبقت اللقاءات السنّيّة الموسّعة. فالتنسيق حول العفو لم يكن يجري دائمًا باسم النوّاب السنّة مجتمعين، بل تقدّم في مراحل مختلفة عبر مجموعات محدّدة تولّت التفاوض على الصيغة الممكنة.
ويشرح بدر أنَّ "كتلة لبنان الجديد" شاركت في المفاوضات مع نائب رئيس مجلس النوّاب إلياس بو صعب بشأن قانون العفو، معتبرًا أنّها كانت أكثر "واقعيّة وموضوعيّة" في مقاربة إمكان إقرار القانون ضمن التوازنات السياسيّة اللبنانيّة.
وفي مرحلة لاحقة، بحسب بدر، التقت "لبنان الجديد" مع "الاعتدال الوطنيّ"، إضافة إلى النائب عبد الرحمن البزري، في سياق الاجتماعات المتعلّقة بالعفو.
وهذه النقطة مهمّة في فهم ما حصل. فقبل الوصول إلى الاجتماع السنّيّ الأوسع، كانت هناك نواة أصغر تتحرّك وتتفاوض، ما يعني أنّ وحدة الموقف لم تولد دفعة واحدة داخل اجتماع جامع، بل تشكّلت تدريجيًّا عبر دوائر من التواصل، قبل أن تتّسع لتشمل عددًا أكبر من النوّاب.
هكذا، تظهر طبقتان من إعادة التنظيم، دائرة سنّيّة واسعة تحاول إنتاج موقف مشترك عند القضايا الجامعة، ودائرة أصغر من التكتّلات والنوّاب تمتلك قدرة أكبر على الحركة والتفاوض. وهذا يجعل السؤال أقلّ ارتباطًا بولادة "كتلة سنّيّة" واحدة، وأكثر اتصالًا بإمكان نشوء شبكة مرنة من الكتل الصغيرة والمستقلّين، تستطيع التحرّك كجبهة واحدة عندما تتقاطع مصالحها.
وهو نموذج يختلف جذريًّا عن النموذج الذي مثّله "تيار المستقبل"، حيث كانت الكتلة السياسيّة تسبق التنسيق النيابيّ وتحدّد اتجاهه. أمّا اليوم، فقد يسير المسار في الاتجاه المعاكس، يبدأ من تنسيق حول ملفّ، ثم ينتقل إلى ملفّ آخر، قبل أن يختبر لاحقًا إمكان إنتاج مظلّة سياسيّة أوسع.
ما بعد "المستقبل": البحث عن مركز ثقل سنّيّ
لا يفصل بدر هذه الديناميّة عن الفراغ الذي تركه خروج "تيار المستقبل" من الانتخابات النيابيّة عام 2022. ويعتبر أنّ عددًا كبيرًا من النوّاب السنّة دخلوا البرلمان للمرة الأولى، وبعضهم من دون خبرة سياسيّة أو نيابيّة طويلة، ما جعل السنوات الأولى من الولاية مرحلة بحث عن المواقع والهويّات والتحالفات.
ويكشف أنّ محاولة جمع النوّاب السنّة بدأت منذ صدور نتائج انتخابات 2022، إذ جرى العمل يومها على تشكيل كتلة تجمعهم في ظلّ غياب "زعيم أو حالة كبيرة"، لكنّ المحاولة لم تنجح. ومع تفرّق النوّاب بين التكتّلات والمواقع، ذهب كلّ منهم، وفق بدر، إلى المكان الذي ينسجم مع موقعه ومصلحته السياسيّة.
ويربط بدر جزءًا من هذا التشتّت بانتظار بعض القوى عودة "تيار المستقبل". ويقول إنّ البعض اعتقد أنّ العودة قد تحصل بعد أشهر أو سنة أو سنتين، لكنّ مرور السنوات غيّر هذه الحسابات.
فبالنسبة إليه، بات عدد من النوّاب الحاليين يمتلك حيثيّة شعبيّة مستقلّة في منطقته بعدما أمضى سنوات في البرلمان وفي التواصل مع ناخبيه، ما يجعل إعادة المشهد إلى ما كان عليه قبل 2022 أكثر صعوبة، حتى في حال عودة "المستقبل".
وهنا يتغيّر السؤال من البحث عن الجهة التي يمكن أن "ترث" تيار المستقبل إلى احتمال إنتاج مركز ثقل سنّيّ لا يقوم أصلًا على وريث واحد. أي نموذج تتوزّع فيه القوّة بين عدد من النوّاب والتكتّلات، الذين يتفاوضون في ما بينهم للوصول إلى موقف مشترك، بدل الانضواء تلقائيًّا تحت قيادة سياسيّة واحدة.
وإذا نجح هذا النموذج خارج ملفّ العفو، فقد يكون أحد أبرز التحوّلات التي شهدها التمثيل السنّيّ منذ انتخابات 2022. فالعبرة لن تكون في اجتماع النوّاب عند ملفّ يحمل أصلًا حساسيّة سنّيّة مرتفعة، بل في قدرتهم على إعادة إنتاج الوحدة نفسها عندما يصبح موضوع البحث اقتصاديًّا أو إداريًّا أو سياسيًّا، وعندما تتعارض المصالح الانتخابيّة للمجتمعين.
من التنسيق النيابيّ إلى "قطار سياسيّ واحد"
لكنّ بدر يذهب أبعد من التنسيق التشريعيّ عندما يصل الحديث إلى الانتخابات المقبلة. صحيح أنّه يربط شكل التحالفات بالواقع الانتخابيّ الذي سيكون قائمًا عند الاستحقاق، لكنّه يؤكّد أنّ التنسيق داخل "لبنان الجديد" سيكون كاملًا.
ويقول: "سنكون مع بعضنا، في عكّار أو البقاع أو بيروت أو طرابلس، سنكون جميعًا في قطار سياسيّ واحد، وإلّا لماذا نجتمع إذا لم نتفق على الخيار الانتخابيّ؟".
أمّا العلاقة مع بقيّة النوّاب السنّة، فيتركها بدر مفتوحة على أشكال مختلفة من التنسيق بحسب الدوائر والتحالفات والواقع السياسيّ عند موعد الانتخابات. لكنّه يحسم اتجاهًا أساسيًّا بقوله: "لا نريد أن نترك السنّة مفرطين"، متحدّثًا عن إمكان الذهاب إلى ثنائيّات أو ثلاثيّات سنّيّة، ومؤكّدًا أنّ المرحلة المقبلة لن تكون، وفق قراءته، مرحلة "أحاديّة" سياسيّة.
وهنا يتحوّل ما بدأ في العفو العام من حدث تشريعيّ إلى مؤشّر سياسيّ أكثر جدّيّة. فالقول إنّ اجتماعات العفو لا تؤسّس لكتلة جديدة صحيح من الناحية التنظيميّة، لكنّ الحديث عن استمرار الاجتماعات، والسعي إلى توحيد المواقف في التعيينات والاستحقاقات، ثمّ الانتقال إلى التنسيق الانتخابيّ، يعني أنّ المسار بدأ يتجاوز عمليًّا حدود القانون الذي أنشأه.
برلمان الأكثريّات المتحرّكة
الأدقّ أنّ البرلمان ينتقل من الاصطفافات الصلبة إلى أكثريّات متحرّكة تتشكّل وفق القضيّة والمصلحة. يمكن لأكثرية أن تولد حول قانون ثم تتفكّك عند القانون التالي، ويمكن للانقسام أن يعبر الكتلة الواحدة نفسها. أمّا حين يتكرّر التقاطع بين الأطراف ذاتها، وتُنشأ له قنوات تفاوض واجتماعات وصيغ مشتركة، فإنه يبدأ بالانتقال من "التصويت المتشابه" إلى "التنسيق".
وهذا هو الفارق الذي يجعل الحالة السنّيّة تحديدًا جديرة بالمراقبة. ففي العلاقة بين "التيار" و"حزب الله"، لا تزال الوقائع تشير إلى تقاطعات في الموقف والسلوك أكثر منها إلى إعادة بناء تحالف سياسيّ. وفي حالات أخرى، كما تصف يعقوبيان، يحكم القانون المطروح والمصالح المرتبطة به اتجاه التصويت. أمّا لدى مجموعة من النوّاب السنّة، فقد ظهرت عناصر إضافيّة، اجتماعات، تفاوض، محاولة لتوحيد الموقف، آليّة للعودة إلى الاجتماع، ثم حديث صريح عن التنسيق في الاستحقاقات المقبلة.
لذلك، ربما لم تُنتج جلسة العفو اصطفافًا نيابيًّا جديدًا بقدر ما كشفت التحوّل الذي كان يجري أصلًا تحت سطح المجلس. فبرلمان 2022، الذي وُلد من دون أكثريّة واضحة، يصل إلى نهاية ولايته فيما الحدود بين الأكثريّة والمعارضة أكثر ضبابيّة، وبينهما تنمو مراكز قوى أصغر وأكثر مرونة، تتقاطع وتفترق وفق الملفّ.




