إعدام بلا حكم

مروان حربالثلاثاء 2026/08/18
انتشال جثة من تحت الأنقاض جنوب لبنان (Getty)
أُهينت قيمة الحياة إلى حد باتت معه النجاة امتيازًا (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

حين تتخلى الدولة عن حقها في قتل المحكوم، فهي لا تعدّل مادة في قانون العقوبات فحسب، بل تعترف بأن ثمة ما يسبقها ويتجاوزها، شيئًا لا تملكه ولا يحق لها أن تتصرّف به كما تتصرّف بحدودها أو مؤسساتها أو قوانينها: الحياة البشرية نفسها. ومن هنا، فإن إلغاء عقوبة الإعدام باسم الحق في الحياة لا يعني فقط أن تعترف الدولة بأن لهذا الحق منزلةً تعلو على سلطانها وتضع حدًّا لقدرتها على العقاب، بل أن تقرّ، في العمق، بأن حماية الحياة هي أصل الحكم وغايته ومصدر شرعيته. فالدولة، في معناها الأول، لم تُوجد لكي تمنح الإنسان حقه في الحياة، بل لكي تحرس حقًا سابقًا عليها، وتمنع أن تصبح حياة الفرد رهينة القوة أو المصادفة أو الإهمال.

 

يحقّ للبنان، إذن، إذا ألغى عقوبة الإعدام، أن يرى في ذلك خطوةً أخلاقية مهمّة. لكن المفارقة تكمن في أن إعلان حرمة الحياة يفقد معناه الإنساني والأخلاقي والسياسي حين يصدر عن دولة لم تجعل من حماية الحياة نفسها أولوية سياسية ومقياسًا لسياساتها وشرعيتها. لسنا بحاجة إلى جردة طويلة بأسباب الموت في لبنان. يكفي أن ننظر إلى تفاصيل العيش نفسها. يموت اللبنانيون، ثم تمضي البلاد كأن شيئًا لم يحدث. لا غضب يوازي الفقد، ولا محاسبة تليق بالموت، ولا سلطة تتصرّف كما لو أن حياةً واحدة ضائعة تكفي لتهزّ حكومة أو تستدعي أزمة سياسية. تتكرر المآسي إلى أن فقدت فظاعتها، وتتراكم الخسارات إلى أن أصبح الموت خبرًا عابرًا، رقمًا في نشرة، اسمًا يُطوى بعد أيام. 

 

لقد أُهينت قيمة الحياة إلى حدّ باتت معه النجاة امتيازًا، والبقاء على قيد الحياة مهارةً فردية، لا حقًا تكفله الدولة. عليك أن تعرف كيف تتفادى الطريق الخطر، والمستشفى العاجز، والدواء المفقود، والهواء الملوّث، والبناء المتصدّع، والمؤسسة الغائبة. كأن اللبناني لا يعيش في دولة، بل يجتازها. وثمّة، بهذا المعنى، شكل آخر من الإعدام: أقل صخبًا من المقصلة، وأشدّ التصاقًا بالحياة اليومية. إعدام لا يصدر بحكم قضائي بل يتكوّن ببطء من تراكم ما يبدو، كلٌّ على حدة، محتملًا: قليل من التلوّث، قليل من الفقر، قليل من الخوف، قليل من الإهمال، قليل من انهيار الخدمات.

 

وهنا يصبح الفرق ضروريًا بين أن تمتنع الدولة عن قتل مواطنيها وأن تلتزم بحماية حياتهم. فالحق في الحياة، إذا أُخذ بجدية، ليس مجرد حق في ألا تُعدم. إنه الحق في ألا تُعامل حياتك بوصفها خسارة قابلة للاستيعاب. الحق في ألا يكون موتك نتيجة طبيعية لإهمال معروف، أو خطر متروك، أو مؤسسة تعلم ولا تتحرك، أو مسؤول يرى الكارثة آتية ثم يكتفي بتفسيرها بعد وقوعها. الدولة التي تحترم الحياة لا تتذكّرها فقط حين تفتح قانون العقوبات. تجعلها حاضرةً في الموازنة، وفي تخطيط المدن، وفي تنظيم السير، وفي مراقبة الغذاء والبيئة، وفي إدارة المستشفيات والمدارس، وفي أولويات الإنفاق، وفي قرارات الحرب والسلم. الحياة ليست بندًا في القانون؛ إنها المعيار الذي ينبغي أن يُمتحن به القانون والسياسة معًا. 

 

لهذا، يخشى المرء أن يبقى إلغاء الإعدام، على أهميته، رمزًا أخلاقيًا معلّقًا فوق واقع يناقضه: دولة ترفض قتل إنسان بقرار قضائي، لكنها تتسامح مع الموت بالإهمال؛ ترفض المقصلة من حيث المبدأ، لكنها تغضّ الطرف عن إعدامات صامتة يصنعها الفساد والاستهتار والتقصير. تراجعت الدولة عن قتل الإنسان بيدها، لكنها تتركه يموت على مرأىً منها. فلا يكتسب إلغاء الإعدام معناه الصحيح إلا حين يتجاوز كونه امتناعًا عن القتل، بل يتحول إلى التزام فعلي بالحق في الحياة. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث