من اللّادولة إلى فرضيَّة مضادَّة!

زياد الصائغالاثنين 2026/08/17
حزب الله يحي ذكرى عاشوراء في الضاحية الجنوبية(مصطفى جمال الدين)
يجب الفصل بوضوح بين الطائفة والخيار الأيديولوجي (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

من غيرِ المُتكامِل في السّياسات العامَّة اختزال أزمة الدَّولة في لبنان بمسألة السلاح غير الشرعيّ، على مركزيَّتها وخطورتها. فالتجربة التي بناها "حزب الله" بقرارٍ إيرانيٍ، على مدى عقود تجاوزت امتلاك ترسانة عسكريَّة خارج سلطة الدَّولة، لتتحوَّل إلى منظومة متكاملة للهيمنة. عقيدة وتعبئة، واقتصاد وخدمات، وإعلام وشبكات مصالح، وتحالفات سياسيَّة عابرة للطوائف، ونفوذ داخل المؤسَّسات، وصولًا إلى القدرة على التأثير في القرار الوطنيّ الاستراتيجيّ. كذا الأمرُ في ثنائيّة، استحالَت من ثمَّ ثنائيَّات، وثلاثيَّات، ورباعيَّات.

 

لم تنشأ هذه المنظومة في فراغ، ولم يصنعها الحزب بقوَّته الذاتيَّة وحدها. لقد استفاد من الحرب الأهليَّة والاحتلالات المتعاقبة، ومن ضعف الدَّولة، والدعم الإيرانيّ، والتسويات الإقليميَّة، كما من مساومات لبنانيَّة أتاحت تحويل الاستثناء إلى قاعدة. قوى سياسيَّة وطائفيَّة مختلفة تعاملت مع نفوذه بوصفه أمرًا واقعًا يمكن التكيُّف معه، وأحيانًا الاستفادة منه، بدل بناء موقف دستوريّ متماسك يعيد إلى الدَّولة وحدها السيادة والقرار. لكنَّ أخطر ما أنتجته هذه المنظومة لم يكن سياسيًّا أو عسكريًّا فقط. لقد نجحت تدريجيًّا في تضييق المجال السياسيّ داخل البيئة الشيعيَّة، وربطت بين الحزب والمقاومة والطائفة والكرامة والحماية. 

عندما تترسَّخ هذه المعادلة، يصبح نقد التنظيم قابلًا لأن يُصوَّر خيانةً للمقاومة أو تهديدًا للطائفة. هنا ينتقل الاختلاف من السياسة، حيث المساءلة حقّ، إلى الهويَّة، حيث يصبح السؤال نفسه موضع شبهة.

 

هذه إحدى سمات المنظومات العقائديَّة المغلقة. لا يعود الواقع هو الذي يحاكم السرديَّة، بل تصبح السرديَّة أداةً لإعادة تفسير الواقع مهما كانت نتائجه. الانتصار يثبت صحَّة الخيار، والخسارة تتحوَّل إلى تضحية، والدَّمار يصبح ثمنًا للكرامة، والموت شهادةً، والاعتراض على الكلفة ضعفًا أو خيانة. هكذا تتعطَّل المساءلة، لأنَّ لكلِّ نتيجة تفسيرًا يعيد إنتاج شرعيَّة المنظومة نفسها. المشكلة تبدأ عندما تتحوَّل الخيارات الدّينو-استراتيجيَّة من قيمة أخلاقيَّة إلى أداة تعبئة سياسيَّة مستدامة تضفي الإطلاقيَّة على خيارات عسكريَّة وسياسيَّة قابلة، بطبيعتها، للنَّقد والمحاسبة. الدَّولة تقيس نجاحها بقدرتها على حماية الإنسان والأرض والمؤسَّسات والاقتصاد ومستقبل الأجيال، لا بقدرتها على إنتاج المعنى من الخسائر بعد وقوعها.

 

إنَّ تفسير استمرار التأييد الشعبيّ لهذه السَّرديّة بمقولة الاستقطاب الأيديولوجي وحدها سطحيّ وخاطئ. هناك ذاكرة للحرمان والاحتلال، وشعور بالخوف والتهديد، وانتماء دينيّ واجتماعيّ، وشبكات خدمات ومصالح، واعتزاز بمواجهة إسرائيل، وغياب بدائل سياسيَّة موثوقة، وتخوين الدّولة. هناك أيضًا كلفة نفسيَّة هائلة للاعتراف بأنَّ تضحيات امتدَّت لعقود قد تكون ارتبطت بخيارات تحتاج إلى مراجعة. من ضحَّى بابن أو منزل أو سنوات من حياته يحتاج إلى معنى لتضحيته. لذلك لا يمكن بناء التحوُّل بخياراتٍ مترهِّلَة.

يجب الفصل بوضوح بين الطّائفة والخيار الأيديولوجي، لا يحقّ لأيِّ تنظيم أن يحتكر تمثيل مكوّن ما أو أمنه أو كرامته، أو أن يمتلك باسمه حقَّ الحرب والسلم خارج الدَّولة. لذلك فإنَّ تفكيك الهيمنة مسؤوليَّة وطنيَّة، لا مهمَّة ملقاة على فئة وحدها. المطلوب استعادة حصرية السلاح وقرار السلم والحرب؛ وتفكيك الاقتصاد الموازي وغير الشرعيّ؛ وحماية حرِّيَّة التعبير والعمل السياسيّ في جميع المناطق؛ وبناء حماية اجتماعيَّة رسميَّة تمنع تحويل الحاجة إلى أداة ولاء؛ وفتح المجال أمام تعدُّديَّة شيعيَّة حرَّة تنشأ من داخل المجتمع، وهذه ديناميَّة قائِمة وفاعِلَة.

 

لكنَّ المساءلة يجب أن تشمل الآخرين أيضًا. من عقد التسويات؟ من غطَّى اختلال السيادة مقابل حصَّة في السلطة؟ من استفاد من نفوذ الحزب في صراعاته الداخليَّة؟ ومن سكت عن اللَّادولة عندما كان الصمت مربحًا؟ مسؤوليَّة امتلاك السلاح خارج الدَّولة نوعيَّة واستثنائيَّة، لكنَّ ثقافة التسوية مع اللَّادولة كانت، في مراحل كثيرة، عابرة للطوائف. يبقى التحوُّل الأهمّ، الانتقال من مفهوم "المقاومة" الخاصَّة إلى سياسة أمن قوميّ لبنانيَّة. الدَّولة وحدها تقرِّر متى تحارب ومتى تفاوض ومتى تستخدم القوَّة، لأنَّها وحدها مسؤولة عن جميع اللبنانيّين/ات. عندها يصبح الجيش والقوى الأمنيَّة والدبلوماسيَّة والتنمية وحماية الحدود والأمن الاجتماعيّ عناصر متكاملة في حماية الوطن. 

 

المطلوب، إذن، ليس هزيمة مكوّن، ولا انتِقالًا من مربَّع طائفيّ إلى آخر. المطلوب تحرير كلّ اللبنانيّين/ات، من الخوف والاحتكار، واستعادة حقِّه في السؤال والمحاسبة والاختيار. ماذا حقَّق هذا الخيار للبنان؟ ماذا حقَّق للمواطنين/ات اللّبنانيّين/ات؟ ما كلفته الإنسانيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة؟ ومن يملك حقَّ اتخاذ قرار الحرب؟ حين تصبح هذه الأسئلة مشروعة من دون تخوين، يبدأ جدار الهيمنة بالتصدُّع.

البديل ليس سرديَّة مضادَّة، بل جمهوريَّة جديَّة. دولة مواطنة سيِّدة حرَّة عادلة مستقلَّة، تحتكر القوَّة الشرعيَّة وقرار السّلم والحرب، وتحمي المواطنة الحاضنة للتنوّع، ويكون الدستور، المستوحى من عقدٍ اجتماعيّ متماسِك، فيها المرجعيَّة الناظمة للجميع. هذه ليست معركةً ضدَّ فئة. إنَّها معركة استعادة الدَّولة، واستعادة الإنسان من الخوف، واستعادة السياسة من السلاح، واستعادة لبنان من جميع منظومات اللَّادولة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث