وضعت صحيفة "معاريف" الإسرائيليّة التصعيد المتواصل في مرتفعات علي الطاهر ضمن سياق عسكريّ يتجاوز حدود المعركة الموضعيّة في جنوب لبنان، إذ كشفت أنّ الجيش الإسرائيليّ يعتبر نفسه قريبًا من "حسم المعركة" في المنطقة، التي يضعها في صلب حساباته لأيّ مواجهة برّيّة أوسع مستقبلًا. والأخطر أنّ القراءة الإسرائيليّة لأهمّيّة المرتفعات تنطلق من اعتبار السيطرة عليها قادرة على فتح محاور عسكريّة باتجاه البقاع وبيروت، وغربًا نحو الساحل، في وقت تحاول فيه إسرائيل استكمال ما تصفه بـ"إنجازاتها العسكريّة"، من دون تجاوز السقف الأميركيّ الذي يضغط لمنع انفجار جبهتَي لبنان وغزّة، فيما تتركّز الأولويّة الأميركيّة على إيران وأزمة مضيق هرمز.
ولا يعني ذلك أنّ إسرائيل تستعدّ، وفق التقرير، لعمليّة برّيّة باتجاه بيروت، بقدر ما يكشف طبيعة الحسابات التي تحكم إصرارها على مرتفعات علي الطاهر. فالمنطقة لم تعد، في المقاربة الإسرائيليّة، مجرّد موقع تريد منع "حزب الله" من استخدامه، بل نقطة استراتيجيّة تسعى إلى تغيير ميزان الحركة العسكريّة انطلاقًا منها، إذا انتقلت المواجهة مستقبلًا من العمليات المحدودة إلى حرب أوسع.
واشنطن تريد جبهات أكثر هدوءًا
وبحسب "معاريف"، تتحرّك إسرائيل في لبنان وغزّة تحت ضغط أميركيّ واضح لخفض مستوى التصعيد، في ظلّ انتقال مركز الثقل الإقليميّ إلى المواجهة مع إيران وأزمة مضيق هرمز.
وترى الإدارة الأميركيّة، وفق التقرير، أنّ إيران أصبحت ساحة المواجهة الأساسيّة، ما يجعل انفجار جبهات إضافيّة في لبنان وغزّة عاملًا معقّدًا للحسابات الأميركيّة، خصوصًا في ظلّ عدم الوصول إلى حسم في المواجهة مع طهران.
ومن هنا، تضغط واشنطن على إسرائيل لضبط تحرّكاتها على الجبهتين، بالتوازي مع المسار الدبلوماسيّ الذي يقوده جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. وتريد الإدارة الأميركيّة إبقاء العمليات ضمن مستوى لا يقود إلى حرب واسعة، بما يسمح لها بتركيز الجهد السياسيّ والعسكريّ على الملفّ الإيرانيّ.
لكنّ هذه المقاربة لا تعني، وفق الوقائع الميدانيّة، وقف العمليات الإسرائيليّة، بل ضبط مستواها وتوقيتها. وهذا تحديدًا ما يجعل المرحلة الحاليّة شديدة الحساسيّة في لبنان، إذ تحاول إسرائيل استثمار هامش العمليات المتاح لها لتثبيت وقائع عسكريّة قبل أن تتغيّر الحسابات الإقليميّة.
علي الطاهر: لماذا تريد إسرائيل "الحسم"؟
في الجبهة اللبنانيّة، تصف "معاريف" الوضع بأنه أكثر تعقيدًا من غزّة. وتزعم أنّ الجيش الإسرائيليّ بات "على وشك حسم المعركة" ضدّ "حزب الله" في مرتفعات علي الطاهر، التي تعتبرها الصحيفة موقعًا مركزيًّا في المنظومة الدفاعيّة للحزب في جنوب لبنان.
وتكتسب هذه القراءة أهمّيّة خاصة في ظلّ العمليات الإسرائيليّة المكثّفة التي شهدتها المنطقة أخيرًا، من القصف والتفجيرات إلى محاولات تدمير البنى الموجودة تحت الأرض.
ولا تتوقّف أهمّيّة علي الطاهر، وفق القراءة الإسرائيليّة، عند حدود المنطقة نفسها. إذ تعتبر الصحيفة أنّ السيطرة عليها يمكن أن تجعل الطريق "مفتوحة بصورة شبه كاملة" أمام الجيش الإسرائيليّ باتجاه البقاع وبيروت، وكذلك غربًا في اتجاه الساحل، إذا اتُخذ قرار مستقبلًا بتوسيع العمليّات البرّيّة.
وهذه النقطة هي الأكثر حساسيّة في التقرير. فالحديث الإسرائيليّ لا يعني وجود قرار حاليّ بالتقدّم نحو العاصمة، لكنّه يكشف أنّ المؤسسة العسكريّة تقرأ معركة علي الطاهر وفق جغرافيا حرب محتملة أوسع، لا وفق حدود المواجهة القائمة وحدها.
وبذلك، يصبح الإصرار على حسم المرتفعات جزءًا من محاولة بناء أفضليّة استراتيجيّة مسبقة. فإذا بقيت المواجهة محدودة، تكون إسرائيل قد أضعفت موقعًا تعتبره أساسيًّا لـ"حزب الله"، وإذا توسّعت الحرب لاحقًا، تكون قد حسّنت نقطة انطلاقها الميدانيّة.
معادلة إسرائيليّة بين التصعيد والاحتواء
لكنّ إسرائيل تتحرّك، وفق "معاريف"، أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، تريد المؤسسة العسكريّة الحفاظ على ما تعتبره "إنجازات" حقّقتها ميدانيًّا، ومنع "حزب الله" من استعادة قدراته في المواقع التي استهدفتها، وحماية الجنود الإسرائيليّين المنتشرين على الجبهة.
ومن جهة أخرى، لا تريد تل أبيب أن يصل التصعيد إلى مستوى يدفع الولايات المتّحدة إلى ممارسة ضغوط دبلوماسيّة أكبر عليها، أو يؤدي إلى انفجار حرب إقليميّة في توقيت لا يتلاءم مع الأولويّات الأميركيّة والإسرائيليّة.
لذلك، تتحدّث المصادر العسكريّة والأمنيّة التي تنقل عنها الصحيفة عن ضرورة خفض مستوى بعض العمليات باعتباره عنصرًا لمنع تدهور الأوضاع، من دون التخلّي عن مواصلة الضغط العسكريّ.
وهنا تكمن مفارقة الاستراتيجيّة الإسرائيليّة الحالية، إذ تحاول تل أبيب رفع المكاسب من دون رفع مستوى الحرب بالقدر نفسه. أي استخدام القوّة لتغيير الوقائع الميدانيّة، مع إبقاء حجمها دون العتبة التي تؤدّي إلى مواجهة شاملة.
نتنياهو يضبط الاغتيالات في غزّة
ويظهر هذا المنطق بصورة أكثر وضوحًا في قطاع غزّة. فبحسب "معاريف"، طلب رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو من المؤسسة العسكريّة العودة إلى المستوى السياسيّ للحصول على موافقته قبل تنفيذ عمليات اغتيال أو أيّ تحرّك يتجاوز ما تصفه إسرائيل بـ"الخطّ الأصفر".
ويُستثنى من ذلك وجود خطر فوريّ على الجنود الإسرائيليّين أو المستوطنات في غلاف غزّة، حيث تبقى القوات مخوّلة بالتدخّل لإزالة التهديد.
ولا يعني القرار وقف الاغتيالات، إذ تشير الصحيفة إلى أنّ المستوى السياسيّ وافق خلال الأيام الماضية على أربع عمليات مخطّط لها، فيما نفّذ الجيش الإسرائيليّ ضربتين خلال ساعة واحدة، استهدفتا عنصرًا من "الجهاد الإسلاميّ" في خان يونس وآخر من "حماس" في النصيرات.
لكنّ نقل قرار بعض العمليات إلى المستوى السياسيّ يكشف محاولة لضبط توقيت القوّة العسكريّة وفق الحسابات الدبلوماسيّة، وهي المعادلة نفسها التي تحاول إسرائيل، وفق التقرير، تطبيقها بصورة أكثر تعقيدًا في لبنان.
ضربات "حزب الله" تضغط لرفع السقف
في المقابل، تعتبر "معاريف" أنّ "حزب الله" و"حماس" يحاولان استغلال هذا السقف السياسيّ لتحدّي الجيش الإسرائيليّ وفرض وقائع ميدانيّة عليه.
وتوقّفت الصحيفة عند إصابة ضابط وجنديين إسرائيليّين بجروح خطيرة إثر استهداف قوة من وحدة "يهلوم" بمسيّرة مفخّخة في جنوب لبنان، بالتوازي مع انفجار عبوة ناسفة بدبابة إسرائيليّة في جنوب قطاع غزّة.
وتضع إسرائيل هذه العمليات في سياق محاولة خصومها اختبار حدود "ضبط النفس" الذي تفرضه الحسابات السياسيّة والدبلوماسيّة على الجيش.
لكنّ استمرار مثل هذه الهجمات يضع القيادة الإسرائيليّة أمام ضغط معاكس، إذ ترتفع المطالب الداخليّة بتوسيع الردّ، فيما تحاول واشنطن إبقاء الجبهات ضمن مستوى يمكن احتواؤه.
وبذلك، يصبح خطر التصعيد نابعًا تحديدًا من التناقض بين المسارين، كلّ طرف يحاول تحسين موقعه تحت سقف الحرب المحدودة، فيما يمكن لأيّ عملية كبيرة أن تدفع السقف نفسه إلى الانهيار.
الجنوب في حسابات الحرب الأكبر
تكمن دلالة تقرير "معاريف"، في النهاية، في أنّ إسرائيل لم تعد تقرأ ما يجري في مرتفعات علي الطاهر باعتباره مواجهة منفصلة عن الصورة الإقليميّة. فالمؤسسة العسكريّة، بحسب الصحيفة، تحاول إنهاء المعركة في موقع تعتبره استراتيجيًّا، فيما تعمل القيادة السياسيّة على منع تحوّل هذا الضغط إلى حرب شاملة في اللحظة الحاليّة.
وهو ما يجعل التهدئة القائمة، إذا صحّ توصيفها كذلك، شديدة الهشاشة. فإسرائيل لا تخفّض عملياتها بهدف العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة، بل تحاول الحفاظ على أكبر هامش ممكن من الحركة العسكريّة تحت سقف سياسيّ أميركيّ يمنع الانفجار.
أما الحديث عن إمكان فتح الطريق باتجاه البقاع وبيروت، فلا يعني أنّ القوات الإسرائيليّة تستعدّ للسير في هذا الاتجاه الآن، لكنه يكشف الهدف الاستراتيجيّ الذي تنسبه إسرائيل إلى السيطرة على علي الطاهر، وما يمكن أن تمنحه هذه السيطرة من خيارات إذا اتّسعت المواجهة لاحقًا.
وبين الضغط الأميركيّ لخفض التصعيد، والإصرار الإسرائيليّ على "حسم" علي الطاهر، ومحاولات "حزب الله" منع إسرائيل من تثبيت واقع عسكريّ جديد، يدخل الجنوب مرحلة تتحرّك فيها الأطراف على حافة معادلة دقيقة، مواصلة الحرب بما يكفي لتحسين المواقع، ومنعها، في الوقت نفسه، من التحوّل إلى الحرب الإقليميّة التي يستعدّ الجميع لاحتمالها.




