مع انتهاء مهلة الـ60 يومًا التي حدّدتها مذكّرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة من دون الوصول إلى اتفاق نهائيّ، دخل جنوب لبنان مرحلة أكثر خطورة، عنوانها ارتفاع منسوب التصعيد الإسرائيليّ بالتوازي مع تعثّر المسار التفاوضيّ، واستعداد الجيش الإسرائيليّ لاحتمال خوض قتال يستمرّ أيّامًا في لبنان. وبينما تواصل إسرائيل عملياتها في مرتفعات علي الطاهر، وتوسّع غاراتها وتوغّلاتها وعمليات التجريف جنوبًا، تبدو الرسالة الميدانيّة أكثر وضوحًا من أيّ إشارات دبلوماسيّة، إذ لا تتصرّف تل أبيب باعتبار جولة روما المقبلة مدخلًا إلى تهدئة، بل باعتبار الوقت الفاصل عنها فرصة لفرض وقائع عسكريّة جديدة، تحت مظلّة أميركيّة تربط أيّ تقدّم لبنانيّ إضافيّ في "المناطق التجريبيّة" بالتحقّق من نزع السلاح.
انتهاء المهلة لا يعني، في ذاته، انتقالًا آليًّا إلى حرب إقليميّة جديدة، لكنه يزيل واحدًا من القيود السياسيّة التي أحاطت بالمرحلة السابقة. فالجنوب اللبنانيّ يدخل هذه اللحظة وهو أصلًا تحت ضغط عسكريّ متزايد، فيما لا يظهر أن الوساطة الأميركيّة نجحت في انتزاع أيّ مقابل إسرائيليّ واضح، لا انسحابًا من نقاط إضافيّة، ولا توسيعًا للمناطق التجريبيّة، ولا حتى اتفاقًا نهائيًّا على آليّة التحقّق. وبهذا، يصبح الميدان أسرع من الدبلوماسيّة، فيما تحاول إسرائيل استثمار الفاصل الزمنيّ قبل أيّ تحوّل إقليميّ أكبر لتثبيت شروطها جنوبًا.
علي الطاهر في قلب التصعيد
أخطر المؤشّرات جاءت من الإعلام الإسرائيليّ نفسه. فقد أفادت القناة 12 بأنّ الجيش الإسرائيليّ يستعدّ لاحتمال خوض قتال في لبنان يستمرّ عدّة أيّام، بالتزامن مع استمرار عملياته في الجنوب، ولا سيّما في مرتفعات علي الطاهر.
وبحسب الرواية الإسرائيليّة، يصرّ الجيش على استكمال تدمير ما يعتبره "بنى تحتيّة لحزب الله" في المنطقة، مدّعيًا أنّ عشرات من عناصر الحزب لا يزالون محاصرين تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، وأنّه أحبط محاولات لإمدادهم أو الوصول إليهم. ويأتي ذلك ضمن سرديّة إسرائيليّة متصاعدة منذ أيام، تصوّر علي الطاهر باعتبارها عقدة عسكريّة لا تريد تل أبيب تركها من دون "حسم".
لكنّ أهمية هذه المعطيات لا تكمن فقط في الرواية عن عناصر محاصرين أو منشآت تحت الأرض. فالإصرار الإسرائيليّ على مواصلة العمليات، إلى جانب الكلام عن الاستعداد لأيام من القتال، يرفع ما يجري من مستوى الضربات المحدودة إلى مستوى التحضير لاحتمال جولة أوسع.
وهذا يتقاطع مع ما سبق أن نشرته "معاريف" عن نظرة المؤسسة العسكريّة الإسرائيليّة إلى علي الطاهر باعتبارها موقعًا استراتيجيًّا تريد إسرائيل حسمه، من دون الذهاب، في الوقت نفسه، إلى حرب إقليميّة واسعة قبل أن تقتضي حساباتها ذلك. فالهدف الإسرائيليّ يبدو مزدوجًا، رفع الكلفة على "حزب الله" وتحسين الوضع الميدانيّ جنوبًا، مع محاولة إبقاء التصعيد تحت سقف يمكن التحكّم به.
"ضبط النفس" الإسرائيليّ تحت النار
وفي مفارقة واضحة بين اللغة والميدان، زعمت القناة 12 أنّ القيادة الإسرائيليّة مارست "ضبط النفس" خلال الأيام الماضية، خشية الإضرار بالمفاوضات التي تجريها الحكومة اللبنانيّة بوساطة أميركيّة، وأنّ المستوى السياسيّ لم يوافق على عدد من العمليات التي اقترحها الجيش.
لكنّ الوقائع الميدانيّة تجعل مفهوم "ضبط النفس" الإسرائيليّ نسبيًّا إلى حدّ بعيد. فالغارات، والتفجيرات، والتوغّلات، وعمليات التجريف، والقصف المتكرّر في أكثر من منطقة جنوبيّة، استمرّت خلال الساعات الماضية، فيما لم يظهر أيّ تغيير إسرائيليّ في قواعد التعامل مع الأراضي اللبنانيّة.
ومن هنا، يمكن قراءة الحديث الإسرائيليّ عن ضبط النفس باعتباره تحديدًا لسقف أعلى لم يُستخدم بعد، لا إشارة إلى تهدئة. أي أنّ تل أبيب تقول، عمليًّا، إنّ ما يجري اليوم ليس أقصى ما تستطيع القيام به، وإنّ توسيع العمليات يبقى مطروحًا إذا قرّرت القيادة السياسيّة الانتقال إلى مستوى آخر.
وهو ما عبّر عنه وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس بقوله إنّ إسرائيل لن تترك "أيّ حساب، في أيّ جبهة، مفتوحًا"، فيما ذهب وزير الأمن القوميّ إيتمار بن غفير إلى موقف أكثر حدّة، مطالبًا بمنح الجيش حرّيّة تحرّك كاملة، ومهاجمة "حزب الله" وصولًا إلى بيروت.
ولا تعني مواقف بن غفير بالضرورة وجود قرار إسرائيليّ نهائيّ بالحرب، لكنّها تكشف حجم الضغط الداخليّ باتجاه رفع مستوى العمليات، خصوصًا بعد إصابة عسكريّين إسرائيليّين في الجنوب. كما أنّها توفّر غطاءً سياسيًّا لأيّ انتقال لاحق من العمليات الموضعيّة إلى جولة أوسع.
واشنطن تربط التهدئة بنزع السلاح
في المقابل، لم يحمل الموقف الأميركيّ الجديد ضغطًا مماثلًا على إسرائيل. بل أعادت واشنطن تثبيت رؤيتها التي تربط أيّ تقدّم في الجنوب بنجاح خطة "المناطق التجريبيّة"، وبالتحقّق من نزع سلاح "حزب الله".
وقال متحدّث باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة إنّ الولايات المتّحدة تتوقّع أن يستكمل الجيش اللبنانيّ ما وصفه بعمليات "تطهير" المناطق التجريبيّة الأولى، على أن تتوسّع العملية بعد التحقّق من نجاحها، معتبرًا أنّ نزع سلاح "حزب الله" "جزء لا يتجزّأ" من هذا المسار.
وهنا تكمن المشكلة الأساسيّة التي تواجه المسار اللبنانيّ. فواشنطن تربط الانتقال إلى مرحلة جديدة بعملية تحقّق لم تُحسم آليّتها أصلًا، فيما لا تزال الدول التي قد تشارك فيها موضع نقاش، كما لا يزال هناك خلاف حول المعايير والصلاحيات، ولا سيّما في ما يتعلّق بتفتيش المنازل والملكيّات الخاصّة.
الأكثر دلالة أنّ الخارجية الأميركيّة حمّلت "حزب الله" المسؤولية عن استمرار الوجود الإسرائيليّ على الأراضي اللبنانيّة، وقدّمت نزع سلاحه بوصفه مفتاح الخروج من الأزمة. وعمليًّا، يمنح هذا الموقف إسرائيل حجّة إضافيّة لربط انسحابها بتقدّم ملفّ السلاح، بدل التعامل مع الانسحاب باعتباره استحقاقًا قائمًا بذاته.
وهكذا، تصبح المعادلة الأميركيّة أقرب إلى الضغط على لبنان لإنجاز شروط إضافيّة قبل الضغط الفعليّ على إسرائيل للانسحاب.
روما أمام مسار أكثر تعقيدًا
هذه المعادلة تضع الجولة الثامنة المرتقبة من المفاوضات في روما أمام سقف منخفض منذ البداية. فالولايات المتّحدة لا تزال تقول إنّها تدعم الإطار الثلاثيّ والمسار التفاوضيّ، لكنّها في الوقت نفسه تربط توسيع المناطق التجريبيّة بالتحقّق، فيما لا تبدي إسرائيل استعدادًا للانسحاب قبل الحصول على ضمانات إضافيّة.
وبالتالي، فإنّ المشكلة لم تعد فقط في تحديد موعد الجولة المقبلة، بل في أنّ الطرفين يدخلانها من موقعين مختلفين جذريًّا. لبنان يريد ترجمة تقدّمه في المناطق التجريبيّة إلى انسحاب إسرائيليّ وخفض للعمليات، فيما تريد إسرائيل تحويل التقدّم اللبنانيّ إلى بداية لمسار أوسع لنزع السلاح، قبل أن تقدّم مقابله خطوات ميدانيّة كبيرة.
هذا الخلل يسمح لتل أبيب بشراء الوقت. فكلّما طال النقاش على آليّة التحقّق، بقيت المناطق التجريبيّة محدودة، واستمرّ الاحتلال والعمليات في مناطق أخرى، فيما تستطيع إسرائيل القول إنّ التنفيذ اللبنانيّ لم يُستكمل بعد.
وتشير مصادر سياسيّة متابعة للمسار إلى أنّ هذا الربط يجعل مفاوضات روما أكثر تعقيدًا، لأنّ التحقّق نفسه لم يتحوّل إلى آليّة قابلة للعمل حتى الآن، في ظلّ المماطلة الإسرائيليّة والخلاف على الجهة الثالثة التي ستتولّى المهمّة.
الجنوب تحت ضغط الانتخابات الإسرائيليّة
وفوق ذلك كلّه، يدخل العامل الانتخابيّ الإسرائيليّ تدريجيًّا إلى الحسابات. فمع اقتراب الانتخابات في تشرين الأوّل، ترتفع الحاجة لدى الحكومة الإسرائيليّة إلى إظهار أنّها لا تتراجع أمنيًّا في أيّ جبهة، خصوصًا أمام قواعد يمينيّة تطالب بتوسيع العمليات.
وهذا لا يعني أنّ الحرب حتميّة لأسباب انتخابيّة، لكنّه يجعل تقديم تنازلات للبنان أكثر كلفة سياسيًّا على الحكومة الإسرائيليّة، ويزيد إغراء توظيف العمليات العسكريّة في تعزيز صورة الحزم.
وبهذا المعنى، تصبح الأشهر الفاصلة عن الاستحقاق أكثر صعوبة على لبنان، لأنّ المسار الذي يفترض أن يقود إلى انسحابات وتهدئة يتقاطع مع مرحلة داخليّة إسرائيليّة تدفع في الاتجاه المعاكس.
الميدان يسبق المفاوضات
ميدانيًّا، واصلت إسرائيل عملياتها في الجنوب، إذ أغار الطيران الإسرائيليّ بعد منتصف الليل على وادي الحجير من جهة القنطرة، فيما نفّذت القوّات الإسرائيليّة عمليات تمشيط بالأسلحة الرشّاشة في الخيام.
كما شهد الحيّ الغربيّ من بلدة حداثا في قضاء بنت جبيل تمشيطًا بالأسلحة الرشّاشة بالتزامن مع تحرّك آليّات إسرائيليّة، فيما استمرّت الغارات والعمليات على مرتفعات علي الطاهر والمنطقة المحيطة بها، إلى جانب التفجيرات التي طالت بلدات جنوبيّة أخرى.
وهذه الوقائع لا تبدو منفصلة عن الصورة السياسيّة الأكبر. فالجيش الإسرائيليّ لا ينتظر نهاية المفاوضات كي يقرّر ما يريد الاحتفاظ به على الأرض، بل يعمل على تكريس واقع ميدانيّ يمكنه أن يدخل به إلى أيّ تفاوض لاحق من موقع أقوى.
وهنا تكمن أخطر دلالة في المرحلة الحاليّة. فالمفاوضات لم تعد تسبق الميدان وتحدّد إيقاعه، بل أصبح الميدان هو الذي يضع حدود ما يمكن للمفاوضات الوصول إليه.
ومع انتهاء المهلة الأميركيّة – الإيرانيّة، وارتفاع الحديث الإسرائيليّ عن الاستعداد لجولة قتال تمتدّ أيّامًا، يصبح الجنوب أكثر ارتباطًا بالتوقيت الإقليميّ. فإذا فشل احتواء المواجهة بين واشنطن وطهران، فإنّ إسرائيل ستكون قد أمضت المرحلة السابقة في محاولة تحصين مواقعها وتوسيع هامشها العسكريّ على الجبهة اللبنانيّة.
وبذلك، لا تبدو جولة روما المقبلة وحدها قادرة على عكس الاتجاه، ما لم تترافق مع تغيير فعليّ في الموقف الأميركيّ تجاه الاعتداءات الإسرائيليّة والانسحاب. وحتى ذلك الحين، يبقى لبنان أمام معادلة غير متوازنة، يُطلب منه تنفيذ المزيد على الأرض، فيما تستخدم إسرائيل النار لرفع شروطها، وتستعدّ لاحتمال أن تصبح الجولة المقبلة عسكريّة قبل أن تكون تفاوضيّة.




