بدا المشهد في جنوب لبنان اليوم مكشوفًا في شكل مباشر على التصعيد الإقليميّ الشامل. ومع انقضاء مهلة الـ60 يومًا المنبثقة عن مذكّرة التفاهم الأميركيّة، الإيرانيّة من دون التوصّل إلى صيغة تسوية نهائيّة، جاء إعلان طهران الانتقال من استراتيجيّة "الدفاع" إلى "الهجوم" ليرسم شكوكًا جدّيّة حول أيّ رهانات قريبة على التهدئة على مستوى الإقليم بأسره، كما يفتح جبهة الجنوب اللبنانيّ على سيناريوهات تصعيديّة. وفي هذا السياق، يكتسب التصعيد الإسرائيليّ الشرس على مرتفعات علي الطاهر دلالات أكثر خطورة. فالجيش الإسرائيليّ، كما جاء في تقرير نشرته "معاريف"، يرصد التحوّل في الاستراتيجيّة الإيرانيّة ويستعجل حسم السيطرة على النقاط الاستراتيجيّة جنوبًا، وفي مقدّمها تلّة علي الطاهر التي تشكّل مفتاحًا دفاعيًّا وهجوميًّا يشرف على الداخل اللبنانيّ والبقاع والساحل. ويمكن النظر إلى استعجال إسرائيل السيطرة عليها، والتمهيد لذلك بالقصف المكثّف والفوسفوريّ والمواد المتفجّرة، باعتباره محاولة منها لتحصين السيطرة جنوبًا، قبل اندلاع أيّ مواجهة جديدة مع إيران. وتوحي المؤشّرات جنوبًا بأنّ المواجهة المقبلة لن تقف عند حدود قواعد الاشتباك القديمة.
أمام هذه القراءة الإقليميّة، يتحرّك لبنان للإبقاء على دور لقوّات "اليونيفيل". وهذا ما أكّد عليه اليوم الرئيس جوزاف عون. وفي الموازاة، أوضحت مصادر عسكريّة لـ"المدن" أنّ اجتماع قائد الجيش رودولف هيكل بالجنرال الأميركيّ جوزيف كليرفيلد بحث في مواصلة التنسيق في ظلّ المرحلة والاعتداءات المتزايدة. كما يستمرّ البحث بآليّة التحقّق والدول التي ستشارك بهذه المهمّة. ويستمرّ التداول بأسماء المزيد من الدول في هذا الشأن، وهناك دول عديدة تبدي استعدادها للمشاركة. ولكن، حتى الآن، لا اتفاق على توسيع المناطق التجريبيّة ولا انسحاب إسرائيليّ من أيّ نقطة.
وفي ضوء هذه التطوّرات، لم يعد السؤال اليوم: هل تنجح المفاوضات في روما أو جولات الوساطة، بل كيف سيبدو الجنوب عندما تبدأ المواجهة الإقليميّة المباشرة؟ فالميدان هناك يتهيّأ لمعركة قد لا يكون فيها مكان للتسويات الجزئيّة.
إسرائيل تحصّن الجبهة قبل اتّساع الحرب
ما يجري في الجنوب لا يمكن فصله، بهذا المعنى، عن انتهاء المهلة الأميركيّة - الإيرانيّة من دون اتفاق نهائيّ، ولا عن اللهجة الجديدة الصادرة من طهران. فمذكّرة التفاهم الموقّعة في حزيران وضعت مهلة 60 يومًا للوصول إلى اتفاق أوسع، لكنّ الخلاف على مضيق هرمز والعقوبات والترتيبات النوويّة دفع المسار إلى مأزق، فيما أعلن مسؤول إيرانيّ رفيع انتقال بلاده إلى سياسة "هجوميّة بالكامل" إذا فشلت الدبلوماسيّة.
وهنا تكتسب العمليّات الإسرائيليّة جنوبًا وظيفة تتخطّى الردّ المباشر على "حزب الله". فمنطق تل أبيب، كما يظهر في القراءة العسكريّة التي نقلتها "معاريف"، يقوم حاليًّا على معادلة دقيقة، الحفاظ على المكتسبات الميدانيّة وتثبيتها، من دون التسبّب، قبل الأوان، بانفجار إقليميّ واسع يتعارض مع الأولويّات الأميركيّة. فالولايات المتّحدة تريد إبقاء جبهتَي لبنان وغزّة تحت سقف يمكن التحكّم به، فيما تتركّز المواجهة الأساسيّة على إيران ومضيق هرمز.
غير أنّ "ضبط التصعيد" هنا لا يعني العودة إلى الهدوء. العكس هو الأقرب. فإسرائيل تحاول استخدام الوقت المتاح قبل اتّساع الحرب لتحسين شروطها الميدانيّة، بما يجعل المرحلة الحاليّة أقرب إلى تثبيت خطوط ما قبل المواجهة منها إلى مرحلة تهدئة.
وهذا ما يمنح مرتفعات علي الطاهر موقعًا مختلفًا في الحسابات الإسرائيليّة. فالصحيفة الإسرائيليّة تصفها بموقع مركزيّ في المنظومة الدفاعيّة لـ"حزب الله"، وترى أنّ السيطرة عليها تمنح إسرائيل، في حال انتقال العمليات إلى مستوى برّيّ أوسع، إمكانات حركة باتجاه البقاع وبيروت، وغربًا نحو الساحل.
ليس الحديث، إذًا، عن تلّة إضافيّة في حرب مواقع، بل عن نقطة يمكن أن تدخل في بنية أيّ عمليّة عسكريّة أكبر لاحقًا.
علي الطاهر: من معركة موضعيّة إلى عقدة استراتيجيّة
من هذه الزاوية، يصبح الإصرار الإسرائيليّ على "حسم" علي الطاهر أكثر وضوحًا. فالقصف الكثيف، واستعمال المواد المتفجّرة، ومحاولات التقدّم والسيطرة، لا تبدو منفصلة عن التفكير الإسرائيليّ في اليوم التالي لانهيار المسار الأميركيّ، الإيرانيّ.
إسرائيل تريد، قبل أيّ انتقال محتمل إلى حرب إقليميّة أكثر اتّساعًا، تقليص المساحات التي يمكن لـ"حزب الله" أن يستخدمها للضغط على قواتها أو إعادة بناء قدرة هجوميّة جنوب الليطاني. وهي، في الوقت نفسه، تتحرّك تحت سقف سياسيّ أميركيّ يطالبها بعدم إشعال الجبهة اللبنانيّة على نحو يشتّت الجهد العسكريّ والسياسيّ عن إيران. بحسب "معاريف"، تحاول المؤسسة الإسرائيليّة حماية ما تعتبره "إنجازاتها العسكريّة" مع تجنّب عمليّات واسعة تؤدّي إلى الانفجار الكامل.
لكنّ هذه المعادلة تحمل تناقضها في داخلها. فكلّ محاولة لتحسين الموقع العسكريّ من دون الحرب تحتاج إلى المزيد من القوّة، وكلّ استخدام إضافيّ للقوّة يجعل الانزلاق إلى الحرب أكثر احتمالًا.
وهذا تحديدًا ما يظهر في الجنوب، حيث لم تعد العمليّات الإسرائيليّة محصورة بنقاط ثابتة. فالتصعيد الميدانيّ توسّع اليوم بين الغارات والتوغّل والجرف والاعتداءات على أكثر من منطقة، في مناخ إقليميّ بات أكثر قابلية للاشتعال مع انتهاء مهلة التفاهم الأميركيّ، الإيرانيّ.
وعليه، فإنّ إسرائيل لا تنتظر بالضرورة قرار الحرب كي تعيد ترتيب الجبهة، بل تفعل ذلك الآن، تحسّبًا لاحتمال أن يُفرض القرار عليها لاحقًا.
لبنان يفاوض على "المظلّة" لا على الانسحاب
في مقابل الحركة الإسرائيليّة الميدانيّة، يبدو الهامش اللبنانيّ أضيق بكثير. بيروت لا تزال تعمل على أدوات الاحتواء، بقاء "اليونيفيل"، دعم الجيش، تطوير آليّة التحقّق، والحفاظ على المسار التفاوضيّ الأميركيّ.
لكنّ المشكلة أنّ هذه العناصر كلّها لم تنتج حتى الآن مقابلًا إسرائيليًّا فعليًّا. فلا اتفاق على توسيع المناطق التجريبيّة، ولا انسحاب من نقاط إضافيّة، ولا صيغة نهائيّة لآليّة التحقّق. وبهذا، يتحرّك لبنان على مستوى بناء الأدوات التي يفترض أن تدير التسوية، فيما إسرائيل تتحرّك على الأرض لتعديل الوقائع التي ستفاوض عليها أصلًا.
زيارة الرئيس جوزاف عون المرتقبة إلى إيطاليا تدخل في هذا السياق. فالملفّ الجنوبيّ سيكون حاضرًا في لقاءاته، وخصوصًا البحث في الدور الإيطاليّ المحتمل ضمن آليّة التحقّق، إلى جانب دعم الجيش اللبنانيّ. وإيطاليا ليست تفصيلًا في هذا المسار، بحكم حضورها في "اليونيفيل"، وكذلك استضافة روما الجولات الأخيرة من المفاوضات اللبنانيّة، الإسرائيليّة برعاية أميركيّة.
لكنّ المفارقة أنّ الدبلوماسيّة اللبنانيّة تبحث في من سيراقب تنفيذ الترتيبات فيما لا تزال الترتيبات نفسها غير مكتملة، ويواصل الطرف الإسرائيليّ تعديل الجغرافيا العسكريّة بالقوّة.
"اليونيفيل": معركة منع الفراغ جنوبًا
لذلك، تأخذ معركة الإبقاء على "اليونيفيل" معنى يتجاوز مستقبل بعثة دوليّة. المسألة بالنسبة إلى الدولة هي منع انتقال الجنوب، في لحظة إقليميّة بالغة الهشاشة، إلى فراغ أمنيّ ودوليّ تصبح فيه العلاقة الميدانيّة محصورة بين الجيش اللبنانيّ والقوّات الإسرائيليّة و"حزب الله".
عون كشف أنّ إسرائيل تضغط منذ نحو عام لإنهاء وجود "اليونيفيل"، في مقابل تمسّك لبنان بالتمديد لها. والأكثر دلالة أنّ الرئاسة بدأت تتعامل أيضًا مع سيناريو تعذّر التمديد، إذ تحدّث عون عن خيار ثانٍ يقوم على إنشاء قوّة دوليّة رديفة تعمل إلى جانب الجيش اللبنانيّ وبتنسيق معه. كما حملت العريضة النيابيّة المطالبة باستمرار الحضور الدوليّ توقيع 86 نائبًا.
هذا الاستعداد للخيار البديل يكشف حجم القلق اللبنانيّ. فالمسألة لم تعد الدفاع عن صيغة "اليونيفيل" الحاليّة بقدر ما أصبحت ضمان ألا يُترك الجنوب بلا مظلّة دوليّة في مرحلة قد تكون الأكثر خطورة منذ بداية الحرب.
وفي الحساب اللبنانيّ، يؤدّي الحضور الدوليّ ثلاث وظائف مترابطة، المراقبة والإفادة، التنسيق والاتصال، ومساندة الجيش في تثبيت وجود الدولة. وهي وظائف تصبح أكثر حاجة كلّما ازداد احتمال انتقال التوتّر الإقليميّ إلى مواجهة مفتوحة.
مفاوضات روما تحت سقف الميدان
من هنا، تتراجع قدرة جولات روما على إنتاج اختراق سياسيّ مستقلّ عن التطوّرات الإقليميّة. فلم تعد المفاوضات تجري بين مسارين لبنانيّ وإسرائيليّ معزولين نسبيًّا، بل تحت سقف مواجهة أميركيّة، إيرانيّة مفتوحة، وحسابات إسرائيليّة تسعى إلى تأمين الحدود الشماليّة قبل احتمال اتّساعها.
فإذا كانت واشنطن تضغط حاليًّا لتجنّب انفجار الجبهة اللبنانيّة، فذلك لا يعني بالضرورة أنّ الأولويّة الأميركيّة هي إنتاج تسوية شاملة للبنان. وفق القراءة الإسرائيليّة نفسها، الهدف هو تخفيض التصعيد في لبنان وغزّة بما يسمح بتركيز الجهد على إيران.
وهذا فارق جوهريّ. فـ"منع الحرب الآن" ليس مرادفًا لـ"حلّ أسباب الحرب". وقد يفسّر ذلك لماذا يستمرّ التفاوض من دون انسحاب إسرائيليّ، ولماذا تبقى المناطق التجريبيّة معلّقة، ولماذا تتقدّم المناقشات حول آليّات التحقّق ببطء أكبر من حركة الجيش الإسرائيليّ على الأرض.
الجنوب أمام قواعد اشتباك مختلفة
بهذا المعنى، يقف لبنان أمام سباق بين مسارين لا يتحرّكان بالسرعة نفسها. المسار الدبلوماسيّ يحاول إنتاج ضمانات، وقوّة دوليّة، وآليّة تحقّق، وترتيبات تدريجيّة. أمّا المسار العسكريّ الإسرائيليّ، فيعمل على تحسين الوضع الميدانيّ سريعًا، تحت ضغط احتمال أن تصبح إيران، لا لبنان، هي التي تحدّد توقيت الجولة المقبلة.
وإذا صحّت المؤشّرات إلى أنّ طهران استعدّت خلال الشهرين الماضيين لاحتمال حرب أكبر، عبر تعزيز دور "الحرس الثوريّ" وزيادة إنتاج الصواريخ والمسيّرات وتوسيع التنسيق مع حلفائها الإقليميّين، فإنّ الجنوب يصبح تلقائيًّا جزءًا من الحسابات السابقة للحرب، لا ساحة منفصلة عنها.
وعندها يصبح السؤال عن علي الطاهر أكبر من السيطرة على مرتفع، والسؤال عن "اليونيفيل" أكبر من تمديد ولاية، والسؤال عن روما أكبر من تحديد موعد لجولة تفاوض جديدة.
فإسرائيل تحاول أن تدخل أيّ مواجهة إقليميّة محتملة وقد ثبّتت أكبر قدر ممكن من التفوّق جنوبًا، فيما يحاول لبنان الدخول إليها وفي يده أكبر عدد ممكن من الضمانات الدوليّة.
بين المسارين، تبدو المسافة آخذة في الاتّساع. ولذلك، فإنّ الخطر الحقيقيّ ليس في فشل جولة تفاوض بعينها، بل في أن تسبق تطوّرات الإقليم كلّ الترتيبات الجزئيّة التي يجري العمل عليها. وحينها، لن يكون الجنوب أمام جولة إضافيّة من التصعيد المضبوط، بل أمام قواعد اشتباك جديدة قد تُرسم على قياس حرب أكبر من لبنان نفسه.




