دخل التصعيد في جنوب لبنان مرحلةً أكثر دمويّة، مع سقوط 11 شهيدًا وعشرات الجرحى في غارات إسرائيليّة طالت منازل مأهولة، بالتزامن مع إعلان تل أبيب إصابة ثلاثة من جنودها بجروح خطيرة، واتّهام حزب الله بخرق وقف إطلاق النار. وبينما تُمهّد إسرائيل لمعركة مرتفعات علي الطاهر، لا تزال المفاوضات المباشرة بلا موعد، فيما يرفع الحزب سقف اعتراضه على اتفاق الإطار، محذّرًا من أنّ "غضبنا له وقته".
11 شهيدًا وإسرائيل تتّهم الحزب
أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إصابة ثلاثة جنود إسرائيليّين بجروح خطيرة، إثر هجوم اتّهم حزب الله بتنفيذه صباح اليوم في ما وصفه بـ"المنطقة الأمنيّة" داخل الأراضي اللبنانيّة.
واعتبر المكتب أنّ الهجوم يشكّل انتهاكًا لوقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ ردّ بقصف مقرّ تابع للحزب، زاعمًا أنّ أوامر تنفيذ الهجوم صدرت منه. كما اتّهم حزب الله باستخدام المدنيّين "دروعًا بشريّة"، بهدف اتّهام إسرائيل باستهدافهم، وفق ادّعائه.
وفي المقابل، صعّد الجيش الإسرائيليّ وتيرة عدوانه على الجنوب، مستهدفًا محيط دير الزهراني بغارة، بعد فجرٍ دامٍ شهدته بلدة أنصار، حيث استُهدف منزل مأهول، ما أدّى إلى تدميره وسقوط سبعة شهداء وعدد من الجرحى. وبذلك، ارتفعت حصيلة الاعتداءات الإسرائيليّة إلى 11 شهيدًا وعشرات المصابين.
وأعلنت المتحدّثة باسم الجيش الإسرائيليّ، إيلا واوية، عبر حسابها على منصّة "إكس"، أنّ الجيش هاجم بنى تحتيّة تابعة لحزب الله في منطقتَي النبطيّة وأنصار، ردًّا على ما وصفته بـ"نشاط ضدّ القوّات الإسرائيليّة في المنطقة الأمنيّة".
وأضافت: "نُفّذت الغارات في أعقاب نشاط نفّذه حزب الله ضدّ قوّاتنا في منطقة مرتفعات علي الطاهر، الواقعة داخل المنطقة الأمنيّة التي تنشط فيها القوّات الإسرائيليّة".
وتكشف الرواية الإسرائيليّة محاولة واضحة لربط الغارات على المناطق المأهولة بحماية القوّات المنتشرة داخل الأراضي اللبنانيّة. وبذلك، لا تكتفي تل أبيب بتكريس وجودها العسكريّ تحت تسمية "المنطقة الأمنيّة"، بل تستخدم هذا الوجود ذريعةً لتوسيع نطاق القصف، وتحميل حزب الله مسؤوليّة الخسائر المدنيّة التي تخلّفها عمليّاتها.
ذكرى تمّوز تحت وطأة الحرب
حلّت الذكرى العشرون لحرب تمّوز 2006، لكنّ مرارة الحاضر طغت على رمزيّة المناسبة. فالجنوب الذي ارتبطت ذاكرته بنتائج تلك الحرب، يتعرّض اليوم لحملة إسرائيليّة متواصلة تطال سكانه وقراه ومعالمه وتراثه الأثريّ، في ما يبدو حربًا مفتوحة على المكان وذاكرته، لا على الأهداف العسكريّة وحدها.
وفي توقيت الذكرى، عاد حزب الله إلى استحضار خطاب الصمود والتهديد، لكن ضمن معادلات مختلفة عن تلك التي حكمت مواجهة عام 2006. فالحزب يخوض اليوم اشتباكًا عسكريًّا مع إسرائيل، ومواجهةً سياسيّة مع السلطة اللبنانيّة حول اتفاق الإطار والمفاوضات المباشرة، فيما تبقى عينه على مسار المفاوضات الأميركيّة، الإيرانيّة وانعكاساته على لبنان.
وعليه، لم تعد ذكرى تمّوز مناسبةً لاستعادة توازنات سابقة، بل تحوّلت إلى منصّة لإظهار حجم التحوّل في المشهد اللبنانيّ، بين إسرائيل التي تسعى إلى محو نتائج الحرب السابقة وفرض منطقة أمنيّة جديدة، وحزب الله الذي يرفض التسليم بالوقائع المستجدّة، وسلطة تحاول انتزاع انسحاب إسرائيليّ عبر مسار تفاوضيّ يهاجمه الحزب ويشكّك في جدواه.
مفاوضات بلا موعد
رسميًّا، لم يُحدَّد موعد لجولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل خلال الشهر المقبل. ويستند الرهان اللبنانيّ إلى إصرار واشنطن على إنجاح اتفاق الإطار ومواصلة تنفيذه، ولو أنّ المسار الأميركيّ يبقى مرتبطًا بشرط نزع سلاح حزب الله.
في المقابل، لا تبدي إسرائيل استعدادًا جدّيًّا للمضيّ في تنفيذ الاتفاق، إذ تواصل خرق وقف إطلاق النار، وترفض الانسحاب وتوسيع نطاق المناطق التجريبيّة، بالتوازي مع استعداداتها لتنفيذ عمليّة عسكريّة واسعة في مرتفعات علي الطاهر. وتنظر تل أبيب إلى هذه المنطقة بوصفها ساحة معركة حاسمة مع حزب الله، فيما يعتبر الحزب أنّ أيّ حرب فيها ستشكّل نقطة تحوّل مفصليّة في مسار المواجهة.
ويلمس لبنان مسعى أميركيًّا جديدًا لاستكمال المفاوضات خلال الأسابيع الأولى من أيلول، في وقت يتمسّك فيه بإلزام إسرائيل الانسحاب من الأراضي اللبنانيّة. وخلال المحادثات مع رئيس مجموعة التنسيق العسكريّ الخاصّة بلبنان "MCG4L"، الجنرال جوزف كليرفيلد، احتلّ ملف المناطق التجريبيّة حيّزًا أساسيًّا من البحث، إلى جانب مطلب لبنان وقف التفجيرات الإسرائيليّة في الجنوب.
غير أنّ استمرار التصعيد يضع المسعى الأميركيّ أمام تناقض جوهريّ، إذ تطلب واشنطن من لبنان تنفيذ التزاماته، فيما لا تفرض على إسرائيل وقف اعتداءاتها أو البدء بخطوات انسحاب واضحة. وهذا الاختلال يجعل المفاوضات أقرب إلى إدارة النزاع تحت النار، بدلًا من أن تكون مسارًا فعليًّا لإنهائه.
علي الطاهر في قلب التصعيد
ميدانيًّا، بقيت مرتفعات علي الطاهر محور الاهتمام. وأفاد مصدر عسكريّ لموقع "واللا" الإسرائيليّ بأنّ جيش الاحتلال هاجم المنطقة بمسيّرة، في وقت نفّذ فيه تفجيرًا كبيرًا في بلدة مركبا، في قضاء مرجعيون.
كذلك، استهدف الطيران الحربيّ الإسرائيليّ مشاع بلدة المنصوري، فيما رُصدت تحرّكات لآليّات جيش الاحتلال في بلدة حداثا، في قضاء بنت جبيل، بالتزامن مع تمشيط بالأسلحة الرشّاشة في اتّجاه البلدة وسقوط قذيفة مدفعيّة.
وتكتسب مرتفعات علي الطاهر أهمّيّة تتجاوز موقعها الجغرافيّ، إذ تحوّلت إلى عنوان لاختبار موازين القوّة بين إسرائيل وحزب الله، وإلى ورقة ضغط على طاولة المفاوضات. ولذلك، فإنّ أيّ عمليّة واسعة فيها لن تبقى محصورةً ضمن نطاقها الميدانيّ، بل ستنعكس على فرص استكمال المسار التفاوضيّ وعلى الاستقرار الداخليّ اللبنانيّ.
تحذير من فراغ ما بعد "اليونيفيل"
في موازاة التصعيد، دعت منظّمة "هيومن رايتس ووتش" الأمم المتحدة إلى الإبقاء على قوّة لحفظ السلام في لبنان بعد انتهاء ولاية قوّة الأمم المتحدة المؤقّتة في لبنان، "اليونيفيل"، هذا العام.
وقال مدير شؤون الأمم المتحدة في المنظّمة، لويس شاربونو، إنّ إنهاء عمل "اليونيفيل" من دون وجود قوّة دوليّة فاعلة بديلة، من شأنه أن يترك ملايين المدنيّين اللبنانيّين أمام مخاطر أمنيّة كبيرة.
وحثّت المنظّمة الأمم المتحدة على تمديد ولاية القوّة إلى حين تحسّن الوضع الأمنيّ بما يسمح بالنظر في تقليصها.
وبين التصعيد الإسرائيليّ، وتهديد حزب الله بانفجار غضبه، وتعطّل تحديد موعد للمفاوضات، يقف جنوب لبنان أمام مرحلة شديدة الخطورة. فالميدان يتقدّم على الدبلوماسيّة، واتفاق الإطار يفقد مضمونه كلّما اتّسعت رقعة الغارات، فيما تتحوّل مرتفعات علي الطاهر إلى عقدة عسكريّة وسياسيّة قد ترسم اتجاه المرحلة المقبلة.




