لم تتوقع بلدة أنصار الجنوبيّة في منطقة النبطية أن تستيقظ على هذا النوع من المشاهد. فالبلدة الواقعة بعيداً نسبياً عن خطوط المواجهة التقليدية، وجدت نفسها فجراً أمام ركام منزلٍ كان يؤوي عائلة نازحة، بعدما استهدفته غارة إسرائيلية.
سبعة أشخاص من عائلة واحدة، بينهم أطفال، قضوا تحت الركام. منزلٌ داخل منتجع سياحي في خراج بلدة أنصار تحوّل خلال لحظات إلى كتلة من الأسمنت والحطام، فيما تناثرت مقتنيات العائلة في المكان، وبقيت فرق الإنقاذ تبحث بين الأنقاض عن أشلاء الضحايا.
الغارات الليلية بدأت بعد منتصف الليل، وطالت تلّة علي الطاهر ومرتفعاته، إضافة إلى النبطية الفوقا ومحيط ثانوية الصبّاح الرسمية ودار المعلمين. لكن ما جرى في أنصار كان الأكثر قسوة، لناحية حجم الخسائر البشرية، وقوّة الضربة التي وقعت في منطقة لم تكن تُعدّ، في نظر الأهالي، من خطوط المواجهة المباشرة. جاءت الغارة في اليوم الأخير من الهدنة، لتعيد إلى الواجهة السؤال عن مصيرها، وما إذا كانت المنطقة أمام جولة جديدة من التصعيد تتجاوز خطوط المواجهة التقليدية.
قساوة الحرب والألم
في المكان، لا يبدو المشهد كأنه منتجع سياحي كان يستقبل العائلات قبل ساعات. ألعاب أطفال، أوراق، ملابس، بقايا طعام، ومقتنيات شخصية مبعثرة بين الركام. وفي المسبح، حيث كانت العائلات تبحث عن فسحة للراحة وسط الحرب، تحوّل المشهد إلى جزء من المأساة. يمشي محمد صعب، صاحب المنتجع والمبنى المستهدف، بين الأنقاض محاولاً استيعاب ما جرى.
يقول في حديثه لـ"المدن": "إنّ المنتجع مشروعه الاقتصادي، وإنه افتتحه حديثاً، قبل أن يتحول خلال دقائق إلى ركام". ويضيف: "منتجعي لا علاقة له بأي شيء. كل العالم يعرف أن هذا مكان سياحي. ونحن شو ذنبنا لنتحمّل هالخسائر نتيجة عمل إجرامي؟
ولدى سؤالنا عما إذا كان هناك مواقع عسكريّة في المنطقة يؤكّد صعب، أنّ المكان ليس موقعاً عسكرياً، هو مساحة أرادت عائلات استخدامها للابتعاد، ولو لساعات، عن ضغط الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
قبل ساعات من الغارة، كانت عائلتان قد حضرتا إلى المنتجع. المكان الذي كان يفترض أن يضجّ بأصوات الأطفال حوّله الإجرام الإسرائيلي فجراً إلى موقع للبحث عن الضحايا. يكمل صعب، بحرقة: "هنا مسبح، كانت الأشلاء تطفو على سطحه. هل نخبّئ السلاح في المياه؟". ثم يضيف: "نحن نقبل أن تقول إسرائيل إنها ضربت المكان، لكن إذا أرادت القول إنها ضربته لوجود شيء عسكري، فليأتِ الجميع ويشاهد: أين الشيء العسكري؟ شو مبين هون؟".
ما وراء الرواية
وراء رواية صاحب المكان، يبقى السؤال الأوسع: لماذا استُهدف هذا الموقع تحديداً؟ وهل باتت المناطق السياحية والمواقع البعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة عرضة للاستهداف أيضاً؟
يقع المنتجع في خراج بلدة أنصار، ويطل على حرجها، في موقع يوصف بأنه مهم واستراتيجي. وهو ما يجعل تحديد طبيعة الهدف ومسألة وجود أي مبرر عسكري للاستهداف موضع تساؤل، في انتظار ما قد يصدر من تبرير أو معطيات من الجانب الإسرائيلي.
في الطريق المؤدية إلى موقع المجزرة، تختلط الأسئلة بالدموع. أهالٍ يبحثون عن تفسير لما حدث، فيما لا يجدون أمامهم سوى الركام. فرق الدفاع المدني تعمل على رفع الأنقاض وانتشال الضحايا، بينما بقيت آثار العائلة في المكان: ملابس أطفال، ألعاب، أوراق ومقتنيات شخصية تختصر حياة كاملة انتهت في لحظة. يكمل صعب حديثه قائلاً: "إن المنتجع كان آخر مصدر للرزق، والاتكال على الله، شو ناطرنا بعد مش عارفين؟".
تهجير مستمرّ
القصف لم يبقَ محصوراً في موقع المجزرة. فالاستهداف الذي طال مناطق بعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة دفع عدداً من أبناء منطقة النبطية إلى النزوح فجراً، في ظل مخاوف من أن تكون الغارات مؤشراً إلى توسّع رقعة الاستهداف.
ويطالب صعب في حديثه لـ"المدن" رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بموقف واضح وإدانة الاستهداف، ويسأل عمّا إذا كانت الدولة ستتعامل مع ما جرى باعتباره حادثة منفصلة، أم مؤشراً إلى تحول أوسع في طبيعة العمليات العسكرية في الجنوب".
المفارقة أن المكان الذي لجأت إليه عائلات بحثاً عن يوم هادئ وسط الحرب، أصبح هو نفسه مسرحاً للموت. هذه المجزرة تفتح سؤالاً أكبر: هل انتهت الهدنة فعلاً، أم أن ما جرى هو بداية موجة جديدة من التصعيد تتجاوز خطوط المواجهة التقليدية؟
مرحلة جديدة وتصعيد
المشهد الذي تركته الغارة، والضحايا السبعة من عائلة واحدة، والنزوح الذي عاد إلى الواجهة، كلها مؤشرات على أن الجنوب يدخل مرحلة شديدة الحساسية. هكذا في أنصار، انتهت ليلة واحدة تحت الركام. لكن بالنسبة إلى أبناء المنطقة، قد يكون السؤال الحقيقي هو: ماذا سيأتي بعد هذه الليلة؟ "شو ناطرنا بعد"!.
تتوجه الأنظار بعد المجزرة نحو ما يمكن أن تعنيه هذه الضربة في سياق الهدنة ومسار المواجهة في الجنوب. فإذا كان الاستهداف قد وصل إلى منطقة لم تكن تُعدّ من خطوط الاشتباك المباشرة، فإن ذلك قد يعني أن قواعد الاستهداف نفسها بدأت تتغير، وأن هامش الأمان الذي كانت تتمتع به بعض البلدات والمناطق يتقلص.
والأخطر أن تأتي الضربة في اليوم الأخير من الهدنة. فبدل أن يكون هذا اليوم مدخلاً إلى تثبيت التهدئة، تحوّل إلى مناسبة لطرح السؤال عن مستقبل الهدنة. اتساع نطاق الغارات، عودة النزوح، وسقوط مدنيين في منطقة بعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة، كلها عوامل ترفع منسوب القلق من انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر اتساعاً.
في أنصار، انتهت ليلة واحدة تحت الركام. لكن ما جرى لا ينتهي مع رفع الأنقاض ودفن الضحايا. فالمجزرة تضع الجنوب أمام حيرة وقلق وخوف أكبر من حجم المكان المستهدف. الجنوب كلّه أمام تصعيد جديد في آخر أيام الهدنة.




