يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، تتحول قرى كثيرة من الجنوب اللبناني إلى ركام، وتتغير معالمها تحت وطأة الاحتلال الذي يقضم الأرض ويزيل معالم الحياة فيها، من المباني والأشجار إلى آبار المياه والطرقات، عبر شتى أشكال التجريف والتفجير والغارات والتوغلات اليومية، على غرار ما يحصل في المنصوري وبيوت السياد وعيتا الجبل وسواها. وبذلك، بات نحو عُشر الأراضي اللبنانية يقع تحت الاحتلال المباشر أو الاحتلال بالنار. والمفارقة أن ذلك يحصل في ظل غياب خطة وطنية ينضوي تحت لوائها مختلف الأطياف اللبنانية، وتجعل من خطر الاحتلال شغلها الشاغل.
في ظل هذا الغياب، يتسمّر الجدل عند نقطة البداية: من المخطئ؟ ومن الأحق؟ ومن ينتصر على الآخر؟ وتُغلَّب بذلك مصالح الجماعات وحسابات الربح والخسارة، في استعادة لماضٍ من الرهانات الأهلية اللبنانية على الاستقواء بما يحصل في الخارج لإعادة رسم التوازنات في الداخل. ويتكرر، مرة أخرى، تفويت فرصة أن ينجح المختلفون في الاتفاق على مرجعية يديرون من خلالها اختلافهم، قبل أن يفرض الخارج مرجعيته عليهم.
العقد الذي لم يعش طويلًا
وللتذكير، بدا لوهلة أن لبنان قد أنتج مثل هذه المرجعية بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام. فقد كان على العهد الجديد، الذي بدأ مطلع العام 2025، أن يتعامل مع تركة ثقيلة خلّفتها الحرب: آلاف المنازل المهدمة، واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، واستمرار الاغتيالات والتوغلات والاعتداءات الإسرائيلية. وحيال ذلك، احتل الملف السيادي والأمني مكانة أساسية ضمن مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، شكّل كلٌّ من خطاب القسم والبيان الوزاري لحكومة سلام إطارًا سياسيًا مرجعيًا يُفترض الاحتكام إليه في إدارة القضية الوطنية، بما هي قضية سيادة لبنان على كامل أراضيه. فقد ورد في الخطاب والبيان ما يمكن أن يشكّل الحد الأدنى الذي يجتمع حوله اللبنانيون في هذه المرحلة الدقيقة، بعد سنوات من الانقسام والحروب. وتنبع أهمية هذا الإطار من اندراجه ضمن منظومة متكاملة تقوم على ثلاثة نصوص مرجعية: الدستور، الذي يكرّس سيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة جيشها وقواها المسلحة؛ وخطاب القسم، الذي رسم برنامج العهد؛ ثم البيان الوزاري، الذي نالت الحكومة الثقة على أساسه. وبذلك بدت هذه المرجعية أقرب إلى عقد سياسي يحدد المساحة المشتركة التي يلتقي عندها المختلفون.
ولم تكن قيمة هذه المرجعية في أنها حسمت الخلافات، بل في أنها احتوتها. فقد أكدت حصرية السلاح بيد الدولة، لكنها أكدت أيضًا أن الدولة نفسها مسؤولة عن تحرير الأراضي المحتلة، وردّ الاعتداءات الإسرائيلية، والعمل على تحرير الأسرى، وإعادة إعمار الجنوب والبقاع والضاحية وسائر المناطق المتضررة، وعودة النازحين، وبناء جيش ذي عقيدة دفاعية، ومناقشة استراتيجية دفاعية وطنية، ورفض التوطين والاستقواء بالخارج، والتأكيد على أن اللبنانيين، مهما اختلفوا، لا يملكون ترف الانكسار المتبادل.
ولعل أهم ما في هذه المرجعية أنها لم تكن مشروع فريق غلب فريقًا آخر، بل مرت عبر المؤسسات الدستورية، ونالت شرعية مجلس النواب، ولم يعترض عليها حزب الله، أحد أقطاب الحكومة، كما لم تعترض عليها القوى التي تنادي بحصرية السلاح. وهذا ما منحها قيمة استثنائية: أنها كانت، ربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، مساحة مشتركة يستطيع اللبنانيون أن يديروا اختلافهم تحت سقفها، بما يتجاوز المسلّمات الخاصة بكل طرف، ويرتقي إلى ما تتطلبه هذه اللحظة من توافق، في منطقة تتسم بالفوران الذي ينبئ بالمخاطر.
التفريط المزدوج بالإطار المرجعي اللبناني
لكن هذه المساحة لم تلبث أن تصدّعت. فقرار الدخول في حرب الإسناد الثانية، في الثاني من آذار 2026، لم يصدر عن المرجعية التي توافق عليها اللبنانيون، بل تجاوزها، رهانًا على أن يؤدي دخول الحرب إلى جانب إيران إلى إنهاء مفاعيل حرب الإسناد الأولى، التي استمرت خمسة عشر شهرًا احتفظت خلالها إسرائيل باحتلال النقاط الخمس، وواصلت الاغتيالات اليومية واستهداف المدنيين ومنع الإعمار وعودة الأهالي.
وعلى الرغم من استبسال المدافعين عن بعض القرى والبلدات الحدودية، أدت حرب الإسناد الثانية إلى تعميق الخسائر بشكل مهول، من دون أن نتلمس لدى حزب الله العودة خطوة إلى الوراء باتجاه إعادة تفعيل الإطار المرجعي اللبناني، عبر إبداء الاستعداد للتفاوض على خطة مرحلية لتسليم سلاحه، قوامها خطوات متوازية ومتبادلة، وفق جدول زمني واضح، يترافق كل تقدم فيها مع مردود وطني مباشر وملموس، وصولًا إلى التحرير الكامل، وعودة الأسرى، وإعمار ما تهدم، واستراتيجية دفاعية تمنع تكرار ما حدث. فبعيدًا عن أروقة التفاوض وكواليسه، لا يزال الحزب يتصرف حربًا وهدنة وفق الطلب الإيراني، ويمضي في الرهان على أن تنجح التسوية الموعودة بين أميركا وإيران في تحسين وضعيته.
من جهتهما، وعقب اندلاع الحرب ضد إيران، تحت المسمى الأميركي «الغضب الملحمي» والإسرائيلي «زئير الأسد»، لم يتردد العهد والحكومة في وضع رهانهما على الراعي الأميركي، المموّل والمقرّر الرئيسي للحرب. فأكدت الحكومة أن قرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية وحدها، وحظرت جميع أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية واعتبرتها خارج القانون، وكلّفت الجيش اللبناني بمنع أي هجمات أو إطلاق صواريخ أو مسيّرات من الأراضي اللبنانية. ثم قررت طرد السفير الإيراني، بحجة عمله على تحويل لبنان إلى «ورقة إيرانية»، ومخالفته اتفاقية فيينا وتجاوزه الأعراف الدبلوماسية.
وفي السياق نفسه، أعلن رئيس الجمهورية استعداده للدخول في مفاوضات مباشرة تنهي حالة الحرب، انطلاقًا من أن جميع الحروب تنتهي على طاولة المفاوضات، متجاوزًا نصائح لبنانية داخلية وازنة حذّرت من الدخول في مفاوضات كهذه من موقع ضعف.
وبعد جولات مكوكية كانت تجري وسط تصاعد التوغلات وتكثيف أعمال المحو والتجريف والتفجير، تمخضت المفاوضات المباشرة عن اتفاق إطاري قيل فيه الكثير. لكن ما يعنينا هنا أن هذا الاتفاق مع إسرائيل جاء، هو الآخر، خارج الإطار المرجعي الذي سبق أن توافق عليه اللبنانيون، وكرّس واقعًا جديدًا لم يكن ثمرة حوار وطني، ولا نتيجة للمسار الذي رسمه خطاب القسم والبيان الوزاري. فهو يجعل من نزع السلاح «المتحقق منهي» شرطًا مسبقًا، مفتوحًا على تعريف إسرائيلي لما يعنيه إنهاء التهديد، مقابل إعادة انتشار إسرائيلية لاحقة تفترض انتفاء الحاجة الإسرائيلية إلى أي عمل أو وجود عسكري داخل لبنان. كما يتضمن في ملحقاته إنشاء مجموعات عمل لإعداد السلام.
وعلى الرغم من أن الاتفاق الإطاري يشير، بصورة عامة، إلى «الاتفاقات والتفاهمات السابقة التي أثبتت نجاحها»، فإنه يخلو من أي إشارة صريحة إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، أو إلى القرارات الدولية، ولا سيما القرارين 425 و1701. وبذلك، يأتي الاتفاق بمثابة خروج على السياسة التي أعلنها العهد والخطة التي التزمتها الحكومة، ويتجاوز ما نص عليه الدستور لجهة اتفاقية الهدنة، فيفرّط في آن معًا بالتفاهمات اللبنانية الداخلية وبمرجعيات الشرعية الدولية. وفوق ذلك، يرتضي القيمون عليه الجمع بين الخصم والحكم، مقابل استبعاد دول صديقة كان يمكن أن يكون لها دور في مساعدة لبنان.
وهنا تكمن المفارقة. فقد يبدو المساران على طرفي نقيض سياسي: حزب الله خرج على المرجعية المشتركة بقرار الحرب، فيما ذهبت الدولة إلى المفاوضات المباشرة والاتفاق الإطاري. ولا تتساوى، بطبيعة الحال، طبيعة القرارين ولا الجهة التي اتخذتهما، لكنهما التقيا عند نتيجة واحدة: إضعاف المرجعية الوطنية المشتركة التي كان يمكن أن تشكّل سقفًا لإدارة الخلافات، وإعادة القضية الوطنية، مرة أخرى، إلى رهانات متعارضة لا يجمع بينها إطار لبناني واحد.
لم يترك تراجع هذه المرجعية فراغًا. فحزب الله ينتظر ما قد تسفر عنه التسوية بين أميركا وإيران علّها تحسّن موقعه وشروطه، فيما تراهن الدولة على الرعاية الأميركية وعلى أن يفضي المسار التفاوضي إلى إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة. وبين الرهانين، يعود الخارج ليحتل موقعًا متقدمًا في تقرير ما ينتظر لبنان، بدل أن يتفق اللبنانيون أولًا على الإطار الذي يفاوضون ويقاومون ويتخاصمون من داخله.
حين يصبح السقف موضع الخلاف
وبذلك لم يعد السجال يدور تحت سقف النص المرجعي، بل حوله. فعاد كل فريق يبحث عن شرعيته في النص الذي يناسبه، ويقتبس من الخطابات ما يخدم روايته، ويتجاهل منها ما يلزمه تجاه الآخرين. فاختُزلت المرجعية لدى البعض في حصرية السلاح، واختُزلت لدى آخرين في المقاومة والتحرير، فيما ضاعت الرؤية المتكاملة التي جمعت بين بناء الدولة وصون السيادة والدفاع عن الأرض.
وبين هذا وذاك، تكتفي قوى وأحزاب طالما عرّفت نفسها بمناهضة المشروع الصهيوني بالبقاء في موقع المتفرج أو المؤيد للمقاومة، من دون أن تجعل مواجهة الاحتلال مدخلًا لبناء موقف وطني يتجاوز الانقسام القائم. وفي موازاة ذلك، عاد أمراء الطوائف إلى حساباتهم المألوفة، يراهن بعضهم على أن يكون الوجه الآخر لنكبة طائفة انتصارًا لطائفة أخرى.
ولا شك أن احتكار الدولة للسلاح ركن أساسي في أي دولة حديثة، لكن الدولة ليست بندًا واحدًا في خطاب القسم، ولا تختزل سيادتها بحصرية السلاح وحدها. فالدولة هي أيضًا من تحمي الأرض، وتعمل على تحرير المحتل منها، وتمنع الاعتداءات، وتعيد إعمار ما تهدّم، وتؤمن عودة النازحين، وتصون القرار الوطني من الارتهان للخارج، وتجمع اللبنانيين بدل أن تتحول هي نفسها إلى ساحة يتنازعون عليها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم ليس استمرار الخلاف، بل استمرار غياب المرجعية التي تنظمه. ففي غياب المرجعية الوطنية، لا يعود التوافق هو الحَكَم، بل ميزان القوى؛ ولا الحوار، بل الإملاء؛ ولا الدولة، بل تعدد المرجعيات. وفي منطقة تتغير خرائطها، وتُفرض فيها الوقائع بقوة النار أكثر مما تُرسم بالحبر، لا يملك لبنان ترف الاستغراق في معاركه الداخلية، فيما تتآكل الأرض وتتغير معالمها، ويتحول الزمن نفسه إلى خصم. فكل يوم يمر يمنح الآخرين فرصة إضافية لفرض وقائع جديدة وكتابة مستقبل لبنان نيابة عن اللبنانيين.
الأرض لا تنتظر
وفيما تتقابل الرهانات، يمضي الزمن على الأرض بوتيرة أخرى. فمسار «المناطق التجريبية» المعتمد قد يطول، فيما تُجرف القرى وتُحرق وتُمحى، وتُقام على أنقاضها قواعد ضخمة للاحتلال، وتُشق الطرق التي تصل بينها. وفي موازاة ذلك، تتسرب خطط استيطان الجنوب على ألسنة عتاة اليمين الإسرائيلي المتطرف، وتتكرر زيارات «مدنيين» إسرائيليين إلى الجنوب، في مشهد لا يمكن فصله عن الدعوات المتطرفة إلى توسيع حدود إسرائيل على حساب الأراضي اللبنانية.
هكذا، فيما ينتظر كل طرف أن تثبت الأيام صواب رهانه، لا تنتظر الوقائع على الأرض أحدًا. فالقرى التي تُمحى، والأرض التي تُقضم، ليست مجرد مساحة جغرافية تتغير معالمها، بل أمكنة للذاكرة والثقافة والهوية، يهدد محوها علاقة الناس بأرضهم وتاريخهم. وفي المقابل، تُشق الطرق وتُقام القواعد، ويتكرّس واقع جديد قد يصبح تغييره غدًا أشد كلفة مما هو عليه اليوم.
والغائب عن كل هذه الرهانات والحسابات والانتظارات أن الوطن، لا طائفة ولا حزبًا ولا منطقة، هو الذي في خطر. فلا أصحاب رهان الحرب يبدون استعدادًا كافيًا لمراجعة ما أفضى إليه رهانهم، ولا أصحاب رهان المفاوضات المباشرة يبدون استعدادًا لمراجعته فيما تتواصل أعمال الاحتلال ويتسع قضم الأرض. وبين الإصرار على الخيارين، يبقى السؤال الذي يفترض أن يتقدم على سجال اللحظة: ماذا بقي من الأرض، وماذا يمكن إنقاذه؟
ربما لا يحتاج لبنان، والحال هذه، إلى اختراع مرجعية جديدة بقدر ما يحتاج إلى العودة إلى الحد الأدنى الذي سبق أن توافق عليه اللبنانيون، وإعادة بنائه على ضوء ما حدث منذ ذلك الحين. فلا العودة إلى المعادلات التي سبقت الحرب ممكنة، ولا الاستمرار في إدارة البلاد بمنطق الرهانات المتقابلة يحتمل المزيد من الوقت.
واستعادة هذه المرجعية لا تعني العودة إلى النصوص كأن شيئًا لم يحدث، بل استعادة منطقها: أن تسير حصرية السلاح واستعادة السيادة معًا، وأن تقترن خطوات تسليم السلاح بخطوات متوازية ومتبادلة لتحرير الأرض وعودة الأسرى وإعادة الإعمار، وأن يكون النقاش في الاستراتيجية الدفاعية جزءًا من هذا المسار، لا وعدًا مؤجلًا إلى ما بعده. والأهم، أن يعود القرار في كل ذلك إلى مساحة لبنانية مشتركة، بدل انتظار ما تقرره طهران أو واشنطن أو ما تفرضه إسرائيل بالنار.
لهذا، ربما لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا: من أخطأ أولًا؟ ومن ربح الجولة الأخيرة؟ بل كيف نستعيد سقفًا لبنانيًا يستطيع المختلفون أن يختلفوا تحته، قبل أن ينجح الخارج، مرة أخرى، في فرض سقفه عليهم؟ فالوقت الذي يهدره اللبنانيون في انتظار انتصار رهان على آخر، لا يمر على الجنوب مجرد وقت: إنه أرض تُقضم، وقرى تُمحى، ووقائع تُصنع كي تصبح غدًا حدودًا.




