انحدار الرواية العربية... واندحارها

أحمد جابرالسبت 2026/08/15
غزة مسيرة علم فلسطين (Getty)
انفراط عقد الفكرة الوطنية الداخلية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ظهّرت الأحداث العربيّة المتوالية فصولاً، صوراً عديدة عن حال البلدان التي طاولتها، وقدّمت مادة معاينة جديدة، صارت ملموسة، بعد أن كانت ملتبسة في بعض الأذهان، وغائبة كلياً عن بعضها الآخر، مثلما كان بعض نقائض الصور الموروثة، المعروضة على شاشات الساحات، يحتل مكانه في التفكير والتحليل، على شكل معطيات تكاد تقرب من الحقائق الثابتة.

 

أسقطت الأحداث ادعاء الوطنية الداخلية المكتملة، لكل بلد عربي على حدة، ودفعت إلى العلن العلاقات الإشكالية "البينية" التي تتحكم بقنوات هذه الوطنية. ثمة قنوات اتصال بانت مفتوحة على التباس، وقنوات أخرى مسدودة بسوء فهم عميق.

لقد عبّرت الإشكالية، وتعبر، عن ذاتها، بعد أن رفع غطاء التجميع القسري عنها، وذهبت مذاهب انفلات، اتسمت غالبيتها بالاجتهادات العنفيّة. العنف كان وما زال الوسيلة الأسرع لترجمة الاحتقان الفردي والجمعي، وغياب "الهندسة السياسية"، المرتكزة إلى مخطط سياسي واضح، أخلى الميدان للردود الفورية، التي تتصل بمكونات نشأتها الغريزية الأولى. نقرأ في الاحتشاد الشعبي الواسع، خلف الذوات الأولية الناهضة، رغبات وحاجات هائمة، أكثر مما تقرأ نظرات عن سبل الوصول إليها. ليس في الأمر أحجية، فالجمهور الواسع، الذي اقتيد في شوارع أيامه على وقع خطى من سار أمامه، عاد إلى الشوارع ذاتها ليضرب فيها، على غير هدى سياسي، ومن دون عصا نظرية معاونة.

ما هو أقرب إلى الدقّة، هو أن الجمع الداخلي، الذي حُشر على عجل داخل وطنيته، استعاد حرية هروبه من سجن التجميع، من دون تحديد خطوة الحرية اللاحقة.

 

في موازاة انفراط عقد نظاميّة الفكرة الوطنية الداخلية، كان من الطبيعي أن تتناثر حبّات العقد الذي يعلوها؛ أي عقد الوحدة العربية، التي افترض مهندسو الوطنيّات، أنه من المتاح لهم مباشرة هندسة أوسع، على الأقل في مجال النظرية. ليس سراً، أن علوم معاهد الوحدة، والقومية العربية، انتشرت بسرعة، وسادت لفترة طويلة، وتركت آثارها في النصوص وفي النفوس، من دون أن تقوى على الانتقال المَكِين إلى أرض الواقع. لَعبت عواطف التوحيد، وكلامُ الشعب الواحد، دوراً واسعاً في طَمس المصالح الداخلية لكلّ بلد، وغيّبت أولوياتها، وساهمت في جعل كلمة "العروبة" فيصلاً بين الأمانة الوطنية والأمانة القومية، وبين خيانتهما. بقدرة سلطوي قادر، تحولت الوطنية المكتملة، والعروبة القَدَريَّة، إلى مادتَّي قمعٍ ملموس، بعد أن لعبتا لفترة طويلة، دور مادتي تضليل لا محسوس.

 

ضمن سياق الأحداث الحالية، لا يصعب الوقوع على بقايا الخطابين القديمين هذين، فثمّة قوىً في الشارع، الذي استعاد حريّة صخبه، تردّد الشعارات القديمة إيّاها، وتستحضر صور الماضي المجيد، بحسبها، وتسعى لالتقاط هذا الماضي، لكي تبعث روحه في الحاضر مجدّداً!!. هذا إن دل على شيء، فإنما يدلُّ على أن ما رَسبَ في المخيّلة الجمعية الأهلية، لا يتعدى مقولات سلفية متعددة، قومية ودينية، وأن إفصاح الجموع عن سلفياتها، هو الوجه الآخر لإقصائها عن المساهمة في بناء مستقبلها، في السابق، ولعدم قدرتها على الصياغة السريعة لأشكال هذه المساهمة. لقد وقعت القوى جميعها تحت هول المفاجأة من تسارع الأحداث، مثلما وقع "المستشرفون" في حيرة من كَسَلِ فكرهم، الذي فوجئ هو الآخر بتبدلات لم تكن لتخطر في الخيال.

في امتداد سقوط ثنائيّة الوطنية الداخلية، والوحدة العربية، سقطت ثنائيّة الأنظمة التقدمية وقواها، وأنظمة الرجعية العربية ومستنداتها. صحيح أن الوقت العربي كان قد تكفّل بالإطاحة بالكثير من مرتكزات هاتين الثنائيتين واقعيّاً، لكن الأحداث العاصفة الراهنة، تتولّى كَنْسَ ما بقي من آثارهما العاطفية والنفسية، على الضد من رغبة الأعيُن التي ما زالت تضع نظارات انتهت مدّة صلاحيتها.

 

سؤال من العربي التقدمي اليوم، ومن الرجعي؟ لن يجد جواباً سلسبيلاً، لأن الأمر على علاقة متينة بمرتكزات السؤال النظرية، في القومية وفي التقدمية، وفي الرجعية وفي الليبرالية، وفي الإمبريالية وفي الاشتراكية، مما لا أثَرَ جدياً له، في الحياة الفكرية العربية.

وعلى الضد من التصنيف أعلاه، نقلت الأحداث السياسية، التداخل الذي كان قد قطع أشواطاً بين الثنائيتين، إلى مستوى التدخّل، فطلب المتنازعون في الدواخل المتعددة، عَونَ الخارج واستقووا به. هذا يعني، على صعيد الوقائع، أن ثنائية رجعي – تقدميّ قد انتهت، بزوال طرفها التقدمي، وأن ثنائية وطنية – قومية، قد اضمحلَّ طرفاها، بقوّة الحضور الخارجي، وبالإلحاح على استحضاره، وفقاً لحاجات وضرورات غير وطنية، وغير قومية.

ومثلما انكشف المشهد عن سقوط الرواية العربية، انكشفت رواية الحزبيّات والأحزاب، التي عصفت بها رياح انحدار الواقع العربي، ثم اندحاره.

 

لقد تدحرجت أيديولوجيا القوميّة العربية، فتفرّق شمل القوميين العروبيين الذين انتظموا في أحزاب، وأولئك الذين ثابروا على الحضور في مشهديّة المناصرين.

وتدحرجت الأيديولوجيا الشيوعية وصنوف اشتراكيتها، بعد اندحار التجربة السوفياتية، وانفكاك منظومة دولها التابعة والمستتبعة، فتمخَّض الاندحار عن تهاوي أحزاب الأمميات الشيوعية، التي كانت ترفع مظلاّتها كلما أمطرت في "موسكو" عاصمة التجربة و"قِبْلَة" المصلّين على اليسار.

وفي امتداد التدحرج الأيديولوجي "الثوري" بكل فروعه، استعادت "الإسلامية" زخمها، فملأت فراغ مساحات انسحاب خصوم أيديولوجياتها، ثم ملأت ميادين الفعل التي كانت لأولئك الخصوم، وفي تماثلٍ مع مركز شيوعيّ "أمّ"، كان اسمه الاتحاد السوفياتي، برز مركز إسلامي أمّ اسمه "الجمهورية الإسلامية الإيرانية".

لكن وعلى جادّة التماثل، لم تستطع الإسلامية الموسومة بالمذهبية أن تكون "جامعة مانعة"، مثلما لم تستطع الأممية السوفياتية الموسومة بالمحليّة "الروسية"، أن تكون جامعة مانعة، سحابة وجودها على قيد الفعل، وعلى قيد الانفعال.

انحدار القومي أفضى إلى الإسلامي، هذا كمنحى عام، وانحدار الأممي، ألقى رحاله في دار "الرأسمالي" كحصيلة إجمالية. لم يرافق الأسف القوميين العرب، بعد انطفاء شعلة "الحرية والاشتراكية والوحدة"، ولم ترافق الواقعية "المادية" الشيوعيين الأمميين، بعد سقوط جدار "يا عمّال العالم اتّحدوا"...

 

لكن، وفي سياق ما أنتجته التطورات المتعاقبة، وفي معاينة جوانب من حاضر الزلازل الارتدادية الأيديولوجية، برز ما يدعو إلى السؤال الحقيقي، هل كان أهل الأسى القومي العربي قوميين عرباً؟ وهل كان أهل الصدمة "البروليتارية" شيوعيين حقاً؟

إذن كيف كان أولئك وهؤلاء أبناء برَرَة لما روَّجوه من أيديولوجيا، في ضوء ما صاروا إليه من ترحال مادي إلى أحضان غيبيّة أو دينية، وفي ضوء ما اعتنقته كثرة منهم، من ديباجة تحرّر وتحرير، تقودها "الإسلامية" المعاصرة؟

ثمّة ما يثير السؤال التالي الاستطرادي: من أين تستعاد "اللكنة" القومية العربية، ومن يستعيدها؟ وما المدخل إلى الأممية الجديدة، ومن يفتح الباب؟ ودائماً كيف، ومن أية مداخل؟ صعوبة الأجوبة لا تعفي السائل من توجيه أصابع الاتهام والنقد اللاذع، لكل من يلوون عنق الحقيقة اليوم، ويكسرون ذراعها، ومع النقد لا بديل من سخرية واضحة، من مدّعي نخبويّة، "يأكلون مع الذئب، ويبكون مع الراعي"، والأدهى أن "الأذكى" من ضمن تلك النخبة، هم من "يلبسون لكل حالة لبوسها"... ويحرصون على أن يكون لهم في كل "عرس قرص"... وما أكثر أعراس الانقلابات الأممية والقومية... والوطنيّة والمحليّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث