إسرائيل توسّع النار جنوبًا لتفاوض لبنان تحت ضغطٍ أكبر

مانشيت - المدنالسبت 2026/08/15
Image-1786803200.Jpeg
تريد إسرائيل تكريس معادلة رد جديدة لا تلتزم بالتناسب الجغرافي أو الميداني. (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

بالنار والتصعيد المتعدّي جنوبًا، أفرغت إسرائيل زيارة رئيس مجموعة التنسيق العسكريّة الخاصّة بلبنان، الجنرال جوزف كليرفيلد، من مضمونها، وأعلنت رفضًا ميدانيًّا قاطعًا لمسعاه إلى وقف العدوان وتأمين الانسحاب الإسرائيليّ من منطقة تجريبيّة ثانية. وفيما يتابع المسؤول الأميركيّ مباحثاته في لبنان لترتيب موعد جولة مفاوضات ثامنة، جاء الردّ الإسرائيليّ ليؤكّد أنّ النجاح في تحديد الموعد سيبقى إنجازًا شكليًّا، ما لم يقترن بخطوة إسرائيليّة مقابلة.

وتؤكّد مصادر سياسيّة لبنانيّة لـ"المدن" أنّ كليرفيلد، الذي لا يزال في لبنان، لم يحقّق خرقًا لافتًا في ورقة العمل التي يحملها. ويشكّل التصعيد الإسرائيليّ المتمادي جنوبًا الدليل الأوضح على محدوديّة نتائج الزيارة، فيما بقيت أسباب هذا التصعيد مجهولة، على الرغم من زعم إسرائيل أنّ غاراتها جاءت ردًّا على عمليّات نفّذها حزب الله، من دون أن يتبنّى الأخير أيًّا منها.

وفي قراءة ليوم العدوان الدمويّ، تقول المصادر إنّ إسرائيل أثبتت أنّها لا تبالي بالمسعى الأميركيّ، وتتعامل مع أمنها باعتباره فوق أيّ تفاوض أو التزام. كما أنّها ليست مستعدّة لتقديم أيّ ورقة قبل انتخاباتها المقبلة في تشرين، سواء على طاولة المفاوضات أو خارجها. ولا تستبعد المصادر تصعيدًا أكبر يستهدف حسم معركة علي الطاهر، التي تتحسّب لها إسرائيل وتتعامل معها باعتبارها عقدةً ميدانيّةً أساسيّة.

 

من علي الطاهر إلى أنصار

لم يكن التصعيد الواسع من مرتفعات علي الطاهر إلى النبطيّة وأنصار ودير الزهراني مجرّد جولة ناريّة إضافيّة، بل محاولةً لإعادة رسم حدود الميدان ورفع الكلفة السياسيّة والأمنيّة الفاصلة بين جولتين تفاوضيّتين. فإسرائيل لم تفصل بين الغارة والرسالة السياسيّة، ولا بين توسيع رقعة الاستهداف ومحاولة التأثير في مسار المفاوضات، بل استخدمت النار لتحديد الشروط التي تريد نقلها لاحقًا إلى الطاولة.

وللمرّة الأولى، تجاوزت إسرائيل النطاق الأمنيّ الذي حدّدته لعدوانها، فشنّت غارات على بلدة أنصار، البعيدة نسبيًّا عن مدينة النبطيّة ومحيط علي الطاهر. واستهدفت غارة منزلًا داخل منتجع سياحيّ كان يؤوي عائلةً نازحة، ما أدّى إلى استشهاد سبعة أشخاص من عائلة واحدة، بينهم أطفال. ثمّ امتدّ العدوان إلى دير الزهراني، لترتفع الحصيلة الإجماليّة، وفق وزارة الصحّة، إلى 11 شهيدًا و19 جريحًا.

وبذلك، انتقلت إسرائيل من استهداف مواقع ومرتفعات تُدرجها ضمن بنك أهدافها العسكريّة إلى ضرب مناطق مأهولة وبعيدة نسبيًّا عن خطوط المواجهة التقليديّة. وهذا الانتقال لا يوسّع الخريطة الناريّة فحسب، بل يلغي عمليًّا الحدود بين الجبهة والعمق، ويجعل المدنيّين جزءًا مباشرًا من الضغط الذي تمارسه إسرائيل على الدولة وحزب الله والوسيط الأميركيّ.

 

تفاوضٌ تحت النار

يختصر التصعيد المعضلة التي يواجهها لبنان، إذ تطالبه الولايات المتّحدة بتقدّم إضافيّ في تنفيذ الترتيبات الأمنيّة، فيما ترفض إسرائيل تقديم المقابل المطلوب، أي وقف الاعتداءات والانسحاب. وبهذا المعنى، لا تنتظر تل أبيب المفاوضات كي تُنتج الترتيبات الميدانيّة، بل تحاول فرضها بالنار، ثمّ تقديم نتائجها إلى المفاوضين باعتبارها وقائع نهائيّة.

وتريد إسرائيل تكريس معادلة ردّ جديدة لا تلتزم بالتناسب الجغرافيّ أو الميدانيّ مع الحدث الذي تتذرّع به. فمن علي الطاهر إلى النبطيّة وأنصار ودير الزهراني، بدا أنّ الردّ يقوم على رفع مستوى الضربة، وتوسيع رقعتها، ونقلها إلى مناطق مأهولة، بما يضمن وصول الرسالة إلى الأطراف الثلاثة في آنٍ واحد.

لكنّ هذه المعادلة تفتح الباب أمام تصعيد يصعب ضبطه، إذ يصبح أيّ تطوّر محدود قابلًا للتحوّل إلى موجة غارات واسعة. كما أنّ سقوط المدنيّين يرفع الضغط على حزب الله للردّ، ويضع الدولة أمام عجز متكرّر عن حماية السكّان أو فرض التزام متبادل بالتهدئة.

وفي المقابل، أعلن حزب الله أنّ الاعتداءات "ستُقابل بما يناسبها"، في صيغة تترك حجم الردّ وتوقيته مفتوحين. ولا تحسم العبارة ما إذا كان الحزب يتّجه إلى ردّ ميدانيّ مباشر، أم يكتفي بإبقاء التهديد ضمن إدارة محسوبة للتصعيد. لكنّها تؤكّد أنّ الغارات أعادت تنشيط المعادلة العسكريّة التي يُفترض أنّ المفاوضات تسعى إلى احتوائها.

 

إدانة رسميّة واختبار سياسيّ

دان رئيس الجمهوريّة جوزاف عون الاعتداءات الإسرائيليّة، معتبرًا أنّ الخروقات لاتفاق الإطار ولعمل مجموعة التنسيق العسكريّة وللقوانين الدوليّة الخاصّة بحماية المدنيّين تشكّل "رسالة واضحة للمسار التفاوضيّ وللجهود الأميركيّة".

بدوره، وضع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي مجزرتَي أنصار ودير الزهراني في سياق "استكمال حرب الإبادة"، معتبرًا أنّهما تثبتان أنّ المستويين السياسيّ والعسكريّ في إسرائيل لا يقيمان وزنًا للاتفاقات أو الجهود الهادفة إلى إنهاء الحرب. ودعا رعاة المفاوضات واتفاقات وقف النار إلى تحمّل مسؤوليّاتهم.

كذلك، وصف رئيس الحكومة نواف سلام التصعيد بأنّه "أمر بالغ الخطورة ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار"، مشدّدًا على أنّ شهداء أنصار السبعة "ليسوا بنيةً تحتيّةً عسكريّة"، وأنّ التعامل مع أيّ بنى عسكريّة على الأراضي اللبنانيّة هو مسؤوليّة الدولة والجيش حصرًا. أمّا نائب رئيس الحكومة طارق متري، فاتّهم إسرائيل بانتهاك قوانين الحرب، ولا سيّما قاعدة التمييز بين المدنيّين والعسكريّين.

غير أنّ التحدّي لم يعد في تسجيل الإدانات، بل في تحويل وحدة الموقف الرسميّ إلى شرط تفاوضيّ واضح. فإذا دخل لبنان الجولة المقبلة من دون ضمانات بوقف الاعتداءات والانسحاب، فقد تتحوّل المفاوضات إلى آليّة لإدارة الضغط الإسرائيليّ، لا لإنهائه.

 

جلسة ثامنة أم استراحة بين تصعيدين؟

تدخل الاتصالات المقبلة تحت ثقل معادلتين، إسرائيل تفاوض بالنار، ولبنان يحاول انتزاع تلازم بين الأمن والسياسة. وبينهما، يعمل الوسيط الأميركيّ على تثبيت جلسة جديدة، فيما تهدّد الوقائع الميدانيّة بتفريغها من مضمونها قبل انعقادها.

لذلك، لن يُقاس نجاح الجولة الثامنة بمجرّد تحديد موعدها، بل بقدرتها على وقف تحويل الجنوب إلى مختبر مفتوح للغارات والاحتلال والترتيبات المفروضة. فإذا ظلّ لبنان مطالبًا بالتنفيذ تحت النار، فيما ترفض إسرائيل تقديم أيّ مقابل، فستصبح كلّ جولة تفاوضيّة استراحةً بين تصعيدين، لا خطوةً نحو إنهاء الحرب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث