طالب رئيس مجلس النواب نبيه برّي، خلال لقائه الوفد العسكريّ الأميركيّ في عين التينة، بإلزام إسرائيل وقف حربها على لبنان والانسحاب إلى الحدود الدوليّة، معتبرًا أنّ هذه الخطوة تبقى "مفتاح الاستقرار". وفي المقابل، ربط السفير الأميركيّ في بيروت ميشال عيسى وقف الاعتداءات الإسرائيليّة بتسليم حزب الله سلاحه، قائلًا: "قولوا للحزب يسلّم سلاحه، وبيوقف كلّ شيء".
وعكس الموقفان استمرار التباين بين المقاربتين اللبنانيّة والأميركيّة لترتيب الالتزامات المنصوص عليها في اتفاق الإطار. فبرّي يضع وقف الحرب والانسحاب الإسرائيليّ في مقدّمة شروط الاستقرار، بينما أعاد عيسى تثبيت الأولويّة الأميركيّة المتمثّلة في نزع سلاح حزب الله.
وجاء اللقاء ضمن جولة رئيس مجموعة التنسيق العسكريّة الخاصّة بلبنان "MCG4L"، الجنرال جوزف كليرفيلد، على المسؤولين اللبنانيّين، بعد محادثات أجراها في تل أبيب بشأن تنفيذ اتفاق الإطار، والمناطق التجريبيّة، وإعادة الانتشار الإسرائيليّ، وآليّات التحقّق من نزع السلاح.
برّي: إسرائيل لم توقف اعتداءاتها
أكّد برّي، بعد لقائه الوفد العسكريّ الأميركيّ، أنّ "مفتاح الاستقرار يبقى بإلزام إسرائيل وقف حربها والانسحاب إلى الحدود الدوليّة".
وأشار إلى أنّ إسرائيل لم تتوقّف عن خروقاتها واعتداءاتها على لبنان، ولا سيّما الجنوب، منذ تشرين الثاني 2024، في موقف يحمّل تل أبيب مسؤوليّة استمرار التصعيد وتعطيل الانتقال إلى مرحلة الاستقرار.
واستقبل برّي في مقرّ الرئاسة الثانية السفير الأميركيّ ميشال عيسى، والجنرال كليرفيلد، والوفد العسكريّ المرافق. وشكّل الاجتماع محطةً سياسيّةً ضمن جولة أميركيّة بدأت من تل أبيب، وانتقلت إلى بعبدا واليرزة والسراي، وصولًا إلى عين التينة.
ويكتسب اللقاء أهمّيّةً إضافيّة بالنظر إلى موقع برّي السياسيّ وصلته بحزب الله، في وقت تحاول فيه واشنطن الجمع بين المحادثات العسكريّة التقنيّة وتأمين غطاء سياسيّ داخليّ يسمح للجيش اللبنانيّ بتنفيذ التزاماته، من دون تعريض الاستقرار الداخليّ للاهتزاز.
عيسى: المفاوضات مستمرّة
ولدى مغادرته عين التينة، أكّد السفير الأميركيّ أنّ المفاوضات في روما مستمرّة، واصفًا الأجواء المحيطة بها بأنّها "إيجابيّة".
وأوضح أنّ زيارة كليرفيلد إلى بيروت تهدف إلى عرض حقيقة الأمور أمام برّي، في إشارة إلى تطوّرات المفاوضات والعقبات المرتبطة بتنفيذ اتفاق الإطار، كما وأشار إلى أنّ زيارة الجنرال جوزف كليرفيلد تهدف إلى توضيح الأمور وشرح حقيقة ما يجري على الأرض. وأضاف عيسى أنّ المفاوضات ستُستكمل، مشيرًا إلى أنّ موعد جولتها المقبلة لم يُحدَّد بعد.
وردًّا على سؤال عن موعد وقف الاعتداءات الإسرائيليّة، قال عيسى: "قولوا للحزب يسلّم سلاحه، وبيوقف كلّ شيء"، رابطًا بصورة مباشرة بين وقف العمليات الإسرائيليّة ونزع سلاح حزب الله.
ويحمل هذا الموقف تحميلًا واضحًا للحزب مسؤوليّة استمرار التصعيد، لكنّه يتعارض مع المقاربة التي عرضها برّي، والتي تنطلق من أنّ وقف الحرب والانسحاب الإسرائيليّ يجب أن يسبقا أيّ حديث عن استقرار فعليّ أو ترتيبات أمنيّة طويلة الأمد.
سلام يطالب بجدول زمنيّ للانسحاب
وسبق اجتماع عين التينة لقاء عقده رئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام مع كليرفيلد في السراي الحكوميّ، بحضور السفير عيسى والوفد العسكريّ المرافق.
وشدّد سلام على ضرورة وقف إسرائيل عمليات التدمير في القرى الجنوبيّة، وتوسيع نطاق المناطق التجريبيّة، ووضع جدول زمنيّ واضح للانسحاب الإسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة.
ويتقاطع موقفه مع طرح برّي لناحية المطالبة بخطوات إسرائيليّة ملموسة، بدل حصر تطبيق اتفاق الإطار بالإجراءات المطلوبة من الجيش اللبنانيّ. كما يعكس إصرار بيروت على أن يقترن تنفيذ المناطق التجريبيّة بوقف الاعتداءات وانسحاب تدريجيّ محدّد المراحل.
مهمّة بلا جواب إسرائيليّ إيجابيّ
وصل كليرفيلد إلى لبنان آتيًا من إسرائيل، بعدما أجرى محادثات مع مسؤولين إسرائيليّين تناولت تنفيذ اتفاق الإطار، وإمكان الانتقال إلى منطقة تجريبيّة ثانية، وإعادة انتشار القوّات الإسرائيليّة، وآليّات التحقّق من نزع سلاح حزب الله.ش
وتتمحور مهمّته على خطّ بيروت، تل أبيب حول ملفّين أساسيّين، انتزاع موقف إسرائيليّ يسمح بتوسيع المناطق التجريبيّة، والعمل على خفض الاعتداءات وعمليات الهدم والتجريف في جنوب لبنان.
غير أنّ كليرفيلد لم يحمل إلى بيروت جوابًا إسرائيليًّا إيجابيًّا بشأن الانتقال إلى منطقة جديدة. وتصرّ تل أبيب على استكمال التنفيذ والتحقّق في المنطقة الأولى قبل الانتقال إلى منطقة ثانية، فيما لم تظهر مؤشّرات عمليّة إلى تراجع وتيرة اعتداءاتها.
خلاف على ترتيب الخطوات
تُظهر مواقف برّي وسلام وعيسى أنّ العقدة لم تعد محصورة بالتفاصيل التقنيّة للاتفاق، بل بترتيب الالتزامات. فلبنان يطالب بوقف الحرب والتدمير، وتحديد جدول للانسحاب، وتوسيع المناطق التجريبيّة، بينما تربط واشنطن وإسرائيل أيّ تقدّم جديد بالتحقّق من نزع سلاح حزب الله.
وفي ظلّ هذا التباين، تبقى الجولة الثامنة المرتقبة في روما مطلع أيلول محكومةً بسؤال أساسيّ، هل تُنفَّذ الخطوات بصورة متزامنة، أم يُطلب من لبنان إنجاز التزاماته الأمنيّة أوّلًا، فيما تواصل إسرائيل احتلالها واعتداءاتها؟
وبين تفاؤل السفير الأميركيّ واستمرار التصعيد جنوبًا، لم تُترجم الجولة الجديدة لكليرفيلد إلى اختراق معلن. فما زالت المنطقة التجريبيّة الثانية معلّقة، وجدول الانسحاب غائبًا، فيما تتّسع الفجوة بين خطاب أميركيّ يربط الهدوء بسلاح الحزب، وموقف لبنانيّ يرى أنّ الاستقرار يبدأ من وقف الحرب وإنهاء الاحتلال.




