أصدر وزير الدفاع الوطنيّ بياناً شديد اللهجة، اعتذر فيه من أهالي شهداء الجيش اللبنانيّ، على خلفيّة ما جرى في مجلس النواب، معتبراً أنّه لم يتمكّن من حماية حقوق الشهداء أو رفع صوت المؤسّسة العسكريّة عندما كان ينبغي أن يُسمع.
ولم يقتصر البيان على الاعتذار، بل تضمّن اعتراضاً مباشراً على ما وصفه الوزير بمنع الجيش من الكلام، وتحامل بعض القوى على المؤسّسة العسكريّة، وتضافر المواقف لإسكاتها. وتعهّد في المقابل بأن يبقى الجيش حاضراً في صوته وموقفه، وأن يدافع عن حقّه وحقوق شهدائه.
اعتذار إلى عائلات الشهداء
توجّه وزير الدفاع إلى أهالي شهداء الجيش قائلاً: "أعتذر يا أهالي الشهداء، يا من قدّمتم للوطن فلذات الأكباد، أعتذر لأنّني وقفت أمام وجعكم، ولم أملك ما يوازي عظمة التضحيات".
وأضاف أنّ دماء العسكريّين الشهداء تبقى أمانةً في أعناق المسؤولين، معترفاً بأنّه لم يستطع حماية حقوقهم كما يستحقّون، أو رفع صوت الجيش في اللحظة التي كان يجب أن يكون فيها مسموعًا.
وقال: "صمت الكلام في مجلس النواب، وبقي صوت الشهداء وحده يعلو في داخلي"، في إشارة إلى ما اعتبره عجزاً عن التعبير عن موقف المؤسّسة العسكريّة خلال الجلسة النيابيّة.
وشدّد على أنّ اعتذاره، مهما بلغت صراحته، لا يعيد شهيداً، ولا يمسح دمعة أمّ، ولا يملأ الفراغ الذي تركه أب أو أخ أو ابن رحل خلال أداء واجبه.
"أشعر بأنّني خذلتكم"
حمل البيان نبرةً شخصيّةً لافتة، إذ قال وزير الدفاع إنّه يشعر، بصرف النظر عن موقعه الرسميّ، بأنّه خذل أهالي الشهداء، واعدًا بأن تبقى دماء أبنائهم حاضرةً في ضميره ومواقفه.
وأضاف: "أعدكم بأن تبقى دماء الشهداء في ضميري، وأن يبقى الجيش في صوتي وموقفي، وأن أدافع عن حقّه في الكلام، كما دافع أبناؤكم عن لبنان بأرواحهم".
وأوضح أنّ اعتذاره لا يصدر خوفًا من عتاب عائلات الشهداء، بل احترامًا لدماء أبنائهم، ولما قدّموه في سبيل لبنان والمؤسّسة العسكريّة.
اعتراض على إسكات المؤسّسة العسكريّة
انتقل وزير الدفاع من الاعتذار إلى توجيه انتقادات واضحة إلى ما جرى في مجلس النواب، قائلًا إنّه رأى كيف "اجتمعت أصوات على صوت الجيش"، وكيف تضافرت المواقف في الوقت الذي كان المطلوب فيه صون المؤسّسة العسكريّة، لا محاصرتها.
وأضاف أنّ بعض الأطراف تحاملت على المؤسّسة التي حملت عن الوطن أثقاله، وتعاضدت عليها عندما كان يُراد إسكاتها، إلى حدّ بدا معه، بحسب تعبيره، أنّ صوت الجيش أصبح عبئًا، وأنّ دماء الشهداء تحوّلت إلى تفصيل في حسابات البعض.
ولم يسمِّ الوزير الجهات أو الكتل النيابيّة التي قصدها في بيانه، لكنّه حمّل بوضوح ما جرى في الجلسة مسؤوليّة منع المؤسّسة العسكريّة من عرض موقفها والدفاع عن حقوقها.
وقال: "أعتذر لأنّني لم أستطع أن أقول أمامكم ما كان يجب أن يُقال، وأن أرفع صوت المؤسّسة التي لم تخفض صوتها يومًا أمام الخطر".
هيكل إلى منسّى: رفعت رأس الجيش
وبعد ساعات على صدور بيان وزير الدفاع، استقبل اللواء ميشال منسّى في مكتبه في اليرزة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، على رأس وفد ضم أعضاء المجلس العسكري وكبار ضباط قيادة الجيش، في زيارة حملت رسالة دعم واضحة لمواقفه تجاه المؤسسة العسكرية وشهدائها وعائلاتهم.
وجاءت الزيارة، وفق ما أُعلن، لشكر منسّى على مواقفه الداعمة للجيش، وتقديراً للموقف الذي عبّر عنه في بيانه صباحاً. وتوجّه هيكل إلى وزير الدفاع بالقول: «لم ولن تخذل عائلات الشهداء أبداً، رفعت لنا رأسنا ورفعت رأس الجيش»، في رد مباشر على اعتذار منسّى لعائلات الشهداء وقوله إنه يشعر بأنه خذلهم.
وأكد قائد الجيش أن أهداف المؤسسة العسكرية تبقى وطنية، وتقوم على حماية لبنان وصون أمنه واستقراره، مشدداً على وحدة الجيش بقوله: «لا طائفة بين من يرتدي البزّة المرقّطة».
من جهته، أكد منسّى أن «الجيش هو العصب الأساسي للدولة»، وأن المؤسسة العسكرية ثابتة في موقفها ولن تتراجع عن القيام بواجباتها أو تقديم التضحيات في سبيل الوطن. وأضاف: «إن شاء الله منضلنا مجموعين، وبصلابتنا فينا نحقق كثير»، داعياً إلى تعزيز وحدة المؤسسة العسكرية وحفظ دورها الوطني.
وأثنى وزير الدفاع على جهود قيادة الجيش وضباطه وعسكرييه، وعلى رأسهم العماد هيكل، معتبراً أن المرحلة تتطلب مزيداً من التماسك والتعاون داخل المؤسسة العسكرية، بما يمكّنها من مواصلة مهماتها وحماية لبنان.
وبذلك، تحوّل بيان منسّى من موقف شخصي اعتراضي على ما جرى في مجلس النواب إلى موقف حظي بإسناد علني من قيادة الجيش، في ظل استمرار السجال حول حق المؤسسة العسكرية في عرض موقفها من الملفات التي تطاول العسكريين وشهداءها.
"بالأمس مُنع الجيش من الكلام"
اختصر وزير الدفاع اعتراضه بالقول: "بالأمس مُنع الجيش من الكلام، لكنّ دماء شهدائه لم تُمنع من الكلام في ضميري"، واضعًا ما حصل في إطار يتجاوز موقفًا شخصيًّا ليطاول موقع الجيش وحقّه في التعبير عن موقفه.
وشدّد على أنّ الجيش ليس طرفًا في أيّ خصومة سياسيّة، ولا ورقةً يجري استخدامها ثمّ التخلّي عنها، بل يمثّل، وفق البيان، "آخر ما تبقّى لهذا الوطن من ثقة".
ويعكس هذا الموقف رفضًا لإقحام المؤسّسة العسكريّة في الاصطفافات والحسابات السياسيّة، أو التعامل معها وفق مصالح ظرفيّة، ولا سيّما في الملفات المرتبطة بعسكريّيها وشهدائها.
الشهداء خارج الانقسامات
استعاد الوزير في بيانه صورة العسكريّين الذين سقطوا خلال أداء واجبهم، مؤكّدًا أنّهم لم يسألوا عن الانتماءات السياسيّة أو الطائفيّة عندما دافعوا عن لبنان.
وقال: "أبناؤه الذين سقطوا شهداء لم يسألوا لبنان يومها، لمن ننتمي؟ بل سألوا، كيف نحميه؟"، في تأكيد أنّ تضحيات العسكريّين تعلو على الانقسامات والحسابات التي تتحكّم بالحياة السياسيّة.
وأضاف أنّ اعتذاره موجّه إلى الشهداء قبل عائلاتهم، لأنّه لم يتمكّن من جعل صوتهم مسموعًا بما يوازي تضحياتهم وما تستحقّه دماؤهم.
واختتم وزير الدفاع بيانه بالتعهّد بألّا يتحوّل ما جرى إلى نهاية للملفّ، مؤكدًا مواصلة الدفاع عن الجيش وحقّه في التعبير عن موقفه.
وقال: "لن يكون الصمت قدرًا، ولن يكون خذلان الأمس خاتمة الحكاية"، في إشارة إلى أنّ موقفه لن يتوقّف عند حدود الاعتذار، وأنّه سيواصل رفع مطالب المؤسّسة العسكريّة وعائلات شهدائها.




